عفـواً عمرو موسى

عتبنا كبير على أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى. والعتبى متنامية متصاعدة لتراكم مواقفه في الفترة الأخيرة وهي تخرج الجامعة العربية عن وظيفتها كمؤسسة إقليمية جامعة.

مـونة العتب تأتي من كوننا نحن ،دون غيرنا، الفئة التي دعمت عمرو موسى عندما ضغطت تل أبيب وواشنطن على القاهرة لإقالته من وزارة الخارجية المصرية. وأرد السيد عمرو موسى ليس الى الكتابات العديدة والكتاب والمثقفين الذين يعرفهم. بل أرده الى الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العربي للعلوم النفسية المقام في جامعة 6 أوكتوبر المصرية. حين ضمنت كلمتي كأمين عام للإتحاد إشادة بوطنية وعروبة عمرو موسى ووقوفنا الى جانبه. ورغم أن الموقف لم يعجب الكل في حينه فقد تطوع بعضهم لتعريفي بمطرب مغمور يدعى شعبان عبد الرحيم "شعبولا" أطلق أغنية تقول " باحب عمرو موسى وباكره اسرائيل".

نفهم ان الجامعة العربية ومعها كل المؤسسات الإقليمية كانت هدفاً لاستراتيجية واشنطن لإحكام سيطرتها على العالم. ونفهم أن موسى تسلم أمانة الجامعة في أصعب الظروف بل وربما نقول بانه انقذها من الموت. بعد اعلان موتها السريري برفض اي دور لها في سحب القوات العراقية من الكويت. وهو ما كان متاحاً لو سمح بوش الأب بذلك.

نتفهم سعي مصر لإستعادة دورها الإقليمي المشوش بعد أزمات المنطقة وأعاصيرها لكن ما لا نفهمه مع كل هذه الفوضى هي دوافع السيد عمرو موسى للقاء المدعو سمير جعجع. ولا نعلم ما اذا كان موسى يدرك انه دخل طرفاً في أزقة الميليشيات اللبنانية باستقباله أحد أكثر رموزها إجراماً.

يهمنا ان نبلغ السيد موسى ان المجرم جعجع مدان محكوم بأحكام مبرمة. وهو خرج من السجن في غفلة من الزمان جعلت بعض ضحايا جعجع يتشبهون به عل ذلك يجنبهم إجرامه مستقبلاً. حيث أقنع هذا البعض أن خير وسيلة للخلاص من أذى الذئب هي النوم معه في سرير واحد.

على السيد موسى ان يتذكر أن واشنطن تنظر بإزدراء يتجاوز الاحتقار الى دساتير الدول وقوانينها وهي تمسح بها الأرض اذا كان في ذلك مصلحة اميركية. وعليه لا يمكن لمثقف باطلاع موسى ومعرفته أن يصدق أن جعجع خرج بقرار عفو دستوري. فهو يعرف حق المعرفة أن السفير الاميركي فيلتمان هو الذي أفرج عن سمير جعجع. وأن الذي وقع القرار هو برلمان فرضته المخابرات الاميركية مستغلة هيستيريا اغتيال الحريري في لبنان والسعودية والمنطقة. أما الاخرون فوقعوا القرار خوفاً من هذه المخابرات واستجابة لأوامرها وضغوطها. ونرجو من السيد موسى أن يكلف نفسه عناء سؤال أي دستوري لبناني عن قانونية ودستورية اطلاق سراح جعجع فضلاً عن عودته الى الحياة السياسية.

هل يجوز بعد كل ذلك ان يستقبل موسى مجرماً بهذه المواصفات؟. وماهي خلفيات إجباره على مثل هذا اللقاء؟. وهل يقصد موسى من هذا اللقاء اعلان انحيازه لفريق زيجات "سفاح الأعداء" الأميركية في لبنان.

نود إطلاع السيد موسى على بعض مباديء الطب النفسي السياسي القائلة بان احتمال الكارثة يكون أسهل لو كان سببها طبيعياً (حادثة سيارة أو غرق أو غيرها). وان مشاعر الجمهور تفيض بصورة هيستيرية لو تم توجيه تهمة الكارثة الى جهة معينة ولو كانت تهمة مفبركة. لكن الكارثة تبلغ مداها وتتركز المشاعر السلبية حيالها عندما يتم تحديد القاتل بدقة وبالاسم.

وعلبه فان قاتل الرئيس الشهيد رشيد كرامي هو المجرم سمير جعجع بالأدلة الدامغة والأحكام المبرمة وليس بشهود الزور والاستجوابات المفبركة وبمحكمة دولية غير مسبوقة. إنه القاتل سمير جعجع مستقبلاً من أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى!. فهل يمكن إعطاء عنوان لمثل هذه السخرية. وهل يمكن اعتبار الجامعة على مسافة واحدة من الأطراف؟. وهي المسافة الضرورية لبقاء الجامعة وإستمراريتها!؟.

هل يمكن بعد هذه الزلة الإستمرار في دعوة المفكرين والسياسيين والمثقفين لإقتراح مشاريع لإصلاح الجامعة علها تستعيد دورها كمنظمة إقليمية جامعة وهي لم تعد جامعة؟!.

لقد عملت شخصياً بجهد متواضع في احد مشاريع اصلاح الجامعة. وفيه ضرورة وقف تطاول كل الصغار على كل الكبار في المنطقة. وهو تطاول شجعه الوجود العسكري الاميركي في المنطقة للقضاء على أية قوة اقليمية محتملة يمكنها المشاركة في استقرار المنطقة وحل أزماتها.

واليوم وبعد تفرع سياسة التطاول الاميركي لتنتقل من الدول الى الاحزاب والتيارات ومنها الى الرعاع والمجرمين ها هو أمين عام الجامعة العربية يستقبل المجرمين وفي حرم الجامعة!!؟.

هل كنا على خطأ عندما دعمنا وواكبنا مسيرة عمرو موسى؟. هل كنا مخطئين حين اعتبرنا الضغط الاسرائيلي الاميركي لإقالته من وزارة الخارجية المصرية مؤامرة؟. هل كنا خياليين عندما قبلنا بتنازلات موسى باعتبار ان استمرارية المؤسسة هي الأهم؟.

عفـواً عمرو موسى فقد خيبت كل آمالنا ولن تجدنا في جامعة تبارك سفاح الأعداء وتستقبل المجرمين...

                                                                  د محمد احمد النابلسي
                                                                                      رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية