أوباما يخاطب العالم من باكستان

 

الإشارات الاميركية المتناقضة لم تعد تملك الذكاء الكافي لعمليات التورية والتمويه. واذا كانت حماقة الحرب الاستباقية قد كشفت فايروسات العقل الاميركي خلال فترتي بوش فإن التردد والتناقض يفضحان ادارة اميركا الجديدة. ولنتابع ملامح سلوك الادارة الجديدة في سياستها الخارجية. ولنبدأ المتابعة من مقالة نشرها الرئيس الجورجي قبل شهر في مجلة نيوزويك الاميركية بعنوان "أين أصدقاءنا الأميركيون" المفعمة بالعتب. وجاء الجواب بضغط اميركي على روسيا لقبول هذا الرئيس ،ساكاشفيلي، كرئيس لا يحكم. والشكوى ذاتها حملها الكردي بارازاني اعلامياً لواشنطن فجاء الجواب محاولة توسط اميركية فاترة لدى الاتراك.

والاكراد بالمناسبة يشبهون جماعة 14 آذار بنسختيها الحالية وما قبل الاستعمارية حيث تكرار رهانات فاشلة على الغرب واميركا لغاية خوض حروب أهلية تنتهي بصلح قهري مع المحيط ليعاودوا الرهان مرة أخرى وهكذا دواليك.

الأهم أن اهتمام اوباما متركز على منطقتنا فهو يريد الاستمرار في التحكم باسعار النفط وفي بيع الاسلحة الاميركية لعسكرة العرب افتراضياً والحفاظ على قواعده العسكرية لحماية بعض الدول العربية من بعضها الآخر, وبما انه اكثر مسيحانية من بوش فهو يريد مغادرة العراق وانهاء احتلاله مع تقديم اعتذاره "صورري" للشعب العراقي والعربي والمسلم عبر خطاب مودة يلقيه في مصر بعد مقتل مليون عراقي على يد قواته وبعد تدمير الهيكلية السياسية الاقليمية لكامل المنطقة وتجهيزها لحروب الفتنة والثورات.

واشنطن توزع بركاتها على المنطقة لتحقيق هذه الاهداف المتواضعة. فيزور نائب رئيسها لبنان كي يحذر من مغبة فوز المعارضة في الانتخابات وليستمع الى إستغاثات العمل على تأجيلها من جماعته في لبنان. لكن زيارته مرتبطة اصلاً بولي الامر السعودي. حتى بدت زيارته توطئة لخطاب اوباما في مصر.

مفاجأة اميركية جدية تذهب باوباما الى الرياض قبل القاهرة. وهي لا علاقة لها بالمناورات الاسرائيلية العظيمة لان اوباما مطلع عليها. كما انها غير ذات علاقة بلقائه مع نتنياهو كون نتائج اللقاء كادت تعلن مسبقاً. لتبقى المسالة الباكستانية حيث يريد اوباما توجيه مواليها العرب لدعم اميركا في باكستان ولو بثمن مليون قتيل إضافيين.

إذا كان بوش قد احتل افغانستان والعراق فان السيد اوباما وفي اقل من خمسة اشهر يكاد ينجح في اشعال حرب أهلية باكستانية كفيلة باشعال سلسلة حروب أهلية أخرى. ليبقى الفارق بينه وبين بوش انه يقاتل بارواح غير الاميركييين.

وهذا المشهد تكرار صفيق لمشهد كلينتون في كوسوفو حيث ضغطت واشنطن على ممثل كوسوفو ليقبل باي طروحات سلام مع صربيا وحاسبت ميلوسوفيتش على مجرد تحفظات شكلية لاتخطؤها عين أي مفاوض. وبهذه الحجة الواهية بدأ كلينتون بقصف صربيا لمدة 79 يوماً دون اعلانها حرباً كي لا يحتاج لموافقة مجلس الامن او حتى لموافقة الكونغرس. وبعد 79 يوماً من القصف العنيف المدفوع الثمن اوروبياً حتى انهار سعر اليورو رفض كلينتون الانزال البري لقواته فإضطر الفرنسيين لإنزال قواتهم للخلاص من نزيف قصف كلينتون. فهل يراجع العرب هذا السيناريو قبل ان يستمعوا لخطاب أوباما وقبل ان يشاركوا في حرب اهلية باكستانية؟.... إقرأوا يا أمة الخير قبل فوات الأوان.

إقرأوا فالأميركيون بدأوا يتلكأون ويضعون الشروط على مكان القاء خطاب اوباما في مصر وربما يفرغون الخطاب او يعدلون وجهته او حتى يلغونه. والاجتماع في السعودية قد تدفع ثمنه الدول المارقة على السعودية هذه المرة فتستعاد دول الخليج الى بيت الطاعة السعودية وتلغى انتخابات لبنان بثمن حروب وفق سيناريوهات حروب كلينتون. فهل نراجع تلك الحروب وان كانت كوارثها أقل وطأة وأكثر دبلوماسية من وقاحة بوش؟. وقبل هذا وذاك ماذا عن الداخل العربي المتفجر وماذا عن موقع العرب في صراع الامم وماذا عن الصفقات الاميركية مع تركيا وايران واسرائيل وعلى حساب من؟...

وسواء ألقى اوباما خطابه من مصر أو من الرياض او غيرها فان خطابه الاساسي ينطلق من باكستان الدولة النووية التي يحولها الى الفوضى دون ان يضحي بجندي اميركي فيها.

حماقة بوش كانت في تجاهله للزمن والانثروبولوجيا وعودته لاستعمال القوة بشكلها الاستعماري البدائي فكانت الكارثة الاميركية الراهنة. وها هو أوباما يرتكب خطيئة أكبر بعرضه قوة اميركا العسكرية النتقنية للإيجار ولكن بدون جنود. فهو يهيء لبيع التكنولوجيا العسكرية بما فيها النووية ويعرض للبيع غارات طائراته لكنه لا يعد باي التزام في الحرب البرية. وهو يستبدلها بالحرب القذرة عند الضرورة وهي حرب التفجيرات والانقلابات والاغتيالات. إن الإدارة الجديدة اخطر كثيراً من سابقتها وهو ما سوف نلمسه لو بقي لنا فسحة حياة بعد الحروب المأجورة والنزاعات المذهبية والأحقاد التاريخية.

                                                                                                             د محمد احمد النابلسي
                                                                                      رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية