أهم الأخبار
الرئيسية / افتتاحية المركز / الخيال العلمي يواصل اتجاهاته المستقبلية

الخيال العلمي يواصل اتجاهاته المستقبلية

رغم شعبية الطروحات والنظريات المستقبلية، فإن أياً منها لم يثبت بعد جدارته في القيام بدور المرجعية النظرية الداعمة للإستراتيجيا. فقد شهد العقد الأخير صعود طروحات نهاية التاريخ و تحول السلطة وصدام الحضارات وغيرها من الطروحات المستقبلية التي سرعان ما سقطت وتم سحبها من التداول بالرغم من شهرتها وشعبيتها. فقد تبين أن هذه الطروحات هي أشبه بالشائعات التي تلقى الرواج لأن الجمهور يميل إلى تصديقها. ولكنها سرعان ما تخبو بعد خضوعها لتجربة الزمن. وها هو فوكوياما يدافع عن نهاية التاريخ بمقالة صغيرة يصح وصفها بالعذر الذي هو أقبح من الذنب.

ولعل أولى العثرات في طريق تحول المستقبليات الى علم متفرد يكامل مباديء العلوم الانسانية هي خضوع المستقبليات لمشيئة الاستراتيجيا التي تتعامل مع المستقبليات كاحد توابعها المخصصة لوظيفة توضيح الطريق امام المهام الاستراتيجية. وبدون هذه الوظيفة تفقد المستقبليات فعاليتها وفائدتها العملية فاقدة معهما الدعم اللازم للبحوث الآيلة لتطوير المستقبليات كعلم مستقل يسمح بتفريع تيارات ونظريات قائمة على منطلقات تخصصية مختلفة. والاهم فان هذا التوظيف البراغماتي – النفعي للمستقبليات يفوت فرص مكاملة الرؤى التوقعية لمختلف العلوم الانسانية في نظريات موحدة تتيح تكامل الرؤى المستقبلية انطلاقاً من تكامل هذه العلوم وصوغها في اطار تكاملي ينتج نظريات مستقبلية ترتكز الى قواعد علمية صعبة.

الاسبقية العملية

هذه الوقائع تعطي للخيال العلمي الاسبقية العملية على المستقبليات خاصة وان تنبؤات الخيال العلمي غالباً ما تترجم تصوراتها بروايات حيث تبرر الحبكة الروائية بعض الاختلافات التفصيلية مع الواقع المستقبلي موضوع التنبوء.

ولعل رواية العام 1984 لمؤلفها جورج اورويل والمنشورة العام 1949 وفيها يتنبأ أورويل بان مصير العالم الذي ستحكمه قوى كبيرة تتقاسم مساحته وسكانه ولا توفر أحلامهم وطموحاتهم بل تحولهم إلى مجرد أرقام في جمهوريات الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء ويعرف كل شيء، حيث يمثل حكمه الحكم الشمولي.

ولقد وصف اورويل في هذه الرواية وبشكل دقيق تحول القيم البشرية إلى أشياء هامشية ومن ثم سطوة الأحزاب السلطوية والشمولية على الناس والشعوب ليكونوا مجرد أرقام هامشية في الحياة بلا مشاعر ولا عواطف وليس لديهم طموحات أو آمال، حيث يعملون كالآلات خوفا من الأخ الأكبر ولينالوا رضاه لأنه يراقبهم على مدار الساعة.

كما كانت هذه الرواية في وقت من الأوقات تعد ثورية وخطرة سياسياً مما أدى إلى منعها من المكتبات في عدد من الدول التي كانت محكومة بحكومات شمولية كروسيا وحتى غيرها من الدول.

هذا وقد إختارت مجلة التايم الرواية كواحدة من أفضل مائة رواية مكتوبة بالإنكليزية منذ عام 1923 وحتى الآن. وقد تم ترجمتها إلى 62 لغة.

العيش في المستقبل 2011

هو عنوان الكتاب الصادر عام 1972 والمتوجه للاطفال والمندرج خانة كتابات الخيال العلمي لمؤلفه الكاتب اللانكليزي جيفري هويل. حيث جرت اعادة طبع الكتاب لمناسبة بلوغ العام 2011 الذي حدده الكاتب كمهلة لتحقق خيالاته العلمية.

وبمراجعة الكتاب لنا ملاحظة إن الكاتب هويل كان قد تنبأ في كتابه بكل ما موجود في يومنا الحاضر من اختراعات علمية وتقنية، مثل الإنترنت وكاميرات الإنترنت وشاشات اللمس وأفران المايكروويف وغيرها من التقنيات الحديثة.

هويل -الذي يبلغ من العمر 69 عاما اليوم- يعيش في قرية بفرنسا حيث ينعم بالهدوء بعد حياة صاخبة عمل خلالها في المسرح والأفلام الوثائقية والإعلانات، وفوق ذلك الكتابة في مجال الخيال العلمي.

ويقول المؤلف إن فكرة الكتاب كانت لمحرر في دار هاينمان للنشر. اذ كانت الدار في حينه بصدد نشر سلسلة كتب للأطفال وسألني ما إذا كان بإمكاني المشاركة بشيء من الخيال العلمي لتحفيز الأطفال على التفكير في شكل حياتهم في المستقبل.

ورغم أن السلسلة كانت موجهة للسوق الأميركي فقد طلب من هويل والكتّاب الآخرين أن تكون كتبهم خالية من السياسة والجنس. ويقول هويل إنه نفذ ما طلب منه إلا أنه لم يسلم من توجيه أصابع الاتهام له بالعنصرية السياسية، حيث انتقد كتابه عدد من النقاد قالوا إن كتابه 2011: العيش في المستقبل، قد جاء خاليا من أي رسوم لأشخاص سود. لكن هويل جادل بأنه كتب الكتاب ولكنه لم يضع الرسوم، وأنها كانت من عمل مصمم بما يعفي المؤلف من هذه المسؤولية.

هذا وأبدى هويل ،الذي نجح في استشراف التحول الكبير في حياة البشر من الناحية التقنية، استغرابه لتجمد نمط الحياة الاجتماعية الأوروبية رغم القفزة النوعية في مجال العلوم والتكنولوجيا. وأضاف أنه ليست لديه أدنى فكرة عن سبب بقاء نمط الحياة الاجتماعية الأوروبية كما كانت في الأربعينيات.

وحول شكل كتاب جديد قد يؤلفه هويل اليوم بعنوان العيش في المستقبل العام 2051 يقول الكاتب: أعتقد أن كتابا كهذا قد يبيّن الانهيار البطيء للثورة الصناعية الأنغلوساكسونية …، وقد يكون هناك انخفاض في مستوى المعيشة في الدول الانغلو ساكسونية والعالم عامة.

لكن هويل توقع ألا يحمل الكتاب الذي يكتبه اليوم عن المستقبل نفس النكهة المفرحة التي حملها كتابه 2011: العيش في المستقبل الذي كتبه عام 1972، فهو اليوم ليس سوى عجوز متقلب المزاج وهو لم يعد يملك النظرة المتفائلة الى عالم لن تبصره عيناه ولن يعيشه.

حضارات سادت ثم بادت

تقوم الحضارة الانسانية على مبدأ تراكمية الحضارات بحيث تستفيد الحضارة الحية من الحضارات البائدة وفق سيرورة تاريخية لتعاقب الحضارات المهيمنة على حقبات تاريخية معينة. ولعل نظرية ابن خلدون في هذا المجال أكثر النظريات تلقائية ووضوحاً اذ يرى في مقدمته أن الممالك والحضارات تولد وتتطور, وتشب وتهرم وتموت بأطوار شبيهة جدا بالأطوار التي يمر بها الإنسان.. فالحضارات شأنها شأن الانسان تنشأ وتشب وتستوي قواها ثم تذبل وتضعف, وتنهار قواها.

بناء عليه فان توقع الكاتب جيفري هويل وكثيرون غيره انهيار الحضارة الانغلوساكسونية ليس نبوءة بقدر كونه ظاهرة تكرارية في تاريخ البشرية وبالتالي فهو توقع ينتمي الى النظرية الاستقرائية القائمة على جمع التجارب التاريخية لتبين المعادلة التي تحكم سيرورة تطور الأمور ومجراها المنطقي.

الملاحظة الملفتة في سياق إستقراء تاريخ الحضارات وتعاقبها تشير الى ان الحضارة البائدة لا تعود أبداً للسيادة. بدليل اختفاء الحضارات الفرعونية والاغريقية والبابلية وغيرها من الحضارات. اما عن استمرارية بعض الحضارات عبر دول وجماعات فهي استمرارية لا ترقى الى مستوى المنافسة على السيادة الحضارية.

وهذه الملاحظة تضع امامنا التشخيص التفريقي بين الممالك والحضارات في تاريخها ومستقبلها. حيث نهاية الحضارات قائمة على الاعراق قطعية كما رأينا. اما الممالك قائمة على السياسة فهي قابلة لمعاودة الاحياء وفق نظرية الاستقراء التاريخي التي تحدد فترة جيلين لانبعاث جديد للفكر السياسي الذي تقوم عليه الممالك.

ومن الامثلة العملية التي تقدمها النظرية في هذا المجال سقوط الفكر الفاشي مع نهاية الحرب العالمية الثانية والانبعاث الراهن الجديد للفاشية الجديدة باشكالها وتجلياتها المختلفة بدءاً من الميليشيات الاميركية البيضاء وصولاً الى عصابات النازيين الجدد المنتشرة في الدول الغربية.

بالقياس يمكن توقع عودة الشيوعية وفق ارصانات فكرية متجددة بعد جيلين. فاذا اعتبرنا العام 1989 عام سقوط الشيوعية كفكر سياسي حاكم يمكننا وفق هذه النظرية توقع معاودة ظهور النسخة الشيوعية السوفياتية الجديدة حوالى العام 2059 م.

وهكذا يبقى الخيال العلمي محافظاً على تفوقه على المستقبليات وان كان اكثر التصاقاً منها بالانطباعات الشخصية غير الموضوعية.

د محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

2 تعليقان

  1. نسيت ان اقول ان كتاب فوكو مايا ( نهاية التاريخ) اتخذه بوش دستورا له!
    zoulikha

  2. اقتباس:فقد تبين أن هذه الطروحات هي أشبه بالشائعات التي تلقى الرواج لأن الجمهور يميل إلى تصديقها. ولكنها سرعان ما تخبو بعد خضوعها لتجربة الزمن. وها هو فوكوياما يدافع عن نهاية التاريخ بمقالة صغيرة يصح وصفها بالعذر الذي هو أقبح من الذنب.

    شكرا شكرا على احلى خبر سمعته كنت اتمناه ازاح عنى كل الاحباطات هذا فوكومايا الذي لم يعترف الا بالجنس الارى وتقدمه وذكر كل علماء الاجتماع ونسي استاذهم ابن خلدون ولم يذكره حتى بسوء شكرا مرة اخرى على هذه الاخبار التى تظهر الحق وتزهق الباطل .
    zoulikha

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*