أهم الأخبار
الرئيسية / افتتاحية المركز / تطبيقات الطب النفسي السياسي في حالة الثـورات العـربية

تطبيقات الطب النفسي السياسي في حالة الثـورات العـربية

تطوعت الشبكة العربية للعلوم النفسية لنقل انطباعات اعضائها من الاختصاصيين في مختلف الفروع النفسية للثورة التونسية ومنثم المصرية من بعدها. ورغم ان بعض الكتابات التي نشرتها الشبكة اتصفت بالانطباعية واحياناً بالانفعال الا انها كانت انفعالات ايجابية ربما من النوع الذي تدعو اليه بعض التيارات العلاجية النفسية الحديثة. ما أخر نقاش الشبكة للناحية الاخلاقية المهنية الى ما بعد بروز التداخلات السياسية المعقدة في منطقتنا العربية حيث طموحات الثورة المصرية مثلاً تواجه بالحديث عن عودة الانقسامات العربية ومعها عودة دول محور الاعتدال العربي (الخليية خصوصاً) للضغط من اجل عدم محاكمة الرئيس مبارك ومن ثم تقديم عروض مالية سخية لاطلاق سراحه وصولا للحديث عن تمويل هذه الدول لثورة مصرية مضادة. وكلها عوامل دعت بعض اعضاء الشبكة للدعوة الى الانسحاب من نشر هذه المواضيع السياسية او على الاقل خفض نسبة نشرها. وفي المقابل اصر متخصصو الطب النفسي السياسي العرب على مواصلة النشر ولكن مع الالتزام بالموضوعية العلمية في هذه الكتابات حتى لا تتحول الشبكة الى ما يشبه برامج “التوك شوو” العربية”.

في هذا المجال برز رأي للبروفسور قدري حفني ملخصه: حين تابعت الحوار الدائر حول الإشفاق علي شبكتنا من الخوض في غمار السياسة و الإشفاق عليها أيضا من النأي بعلم النفس بعيدا عما يجري في عالمنا العربي، تذكرت مقالا قديما لي عرضت فيه خبرتي الشخصية في إكتشاف هذه العلاقة و ما أدي إليه ذلك الاكتشاف الشخصي من تعدبل لرؤيتي في علم النفس.

ولقد عايشت عبر تاريخي الشخصي الأكاديمي تلك العلاقة المتبادلة بين التخصص الأكاديمي في علم النفس، وممارسة العمل السياسي المباشر· ولم أشعر قط بحاجتي لطي الثوب الجامعي خلال ممارستي السياسية، ولا أحسست أبدًا بضرورة إنكار انتمائي السياسي أو التنكر له خلال ممارستي لتخصصي الأكاديمي في علم النفس؛ غير أنني كنت في بداية تخصصي في علم النفس أتصور أن كافة علماء النفس الأمريكيين، و هم أصحاب الثقل الأكبر فيما كنا ندرسه في علم النفس، يضعون معرفتهم بالإنسان في خدمة أهداف الامبريالية الأمريكية. الى ان استوقف انتباهى عنوان لمقال نشره عالم نفسى أمريكى فى صيف عام 1969 هو شسترو. فبورشتاين وكان العنوان “اسم المريض : الولايات المتحدة . المرض : فيتنام”.

وختم حفني أن أحدا مهما علت مكانته العلمية لا يملك أن يتحدث باسم أبناء تخصصه جميعا كما لو كان يمتلك الحديث باسم “علم النفس” أو غيره من العلوم.

من جهتنا لم نوافق الزميل حفني الرأي فكان لنا الرد التالي:

على الود الموصول بعلاقتنا القديمة التي يصحبها الاختلاف المزمن الذي كان دوماً اصغر من ان يباعدنا وأكبر من تلاقينا على الصعيد الفكري الاختصاصي. اختلف مجدداً مع البروفسور قدري حفني حول دعوته لممارسة توظيفات الاختصاصات النفسية في السياسة وفق القناعات الشخصية. وهو بذلك ينسجم مع فكره وكتاباته الليبيرالية التي استحقت كل الاحترام.

اما عن موقفي ويمكنك وصفه ب “المحافظ” لو أردت او بالموقف الطبي الملتزم بالقسم الهيبوقراطي واخلاقياته فاني ادعو وباصرار الى تطبيق المقاييس الاخلاقية التقليدية ،وبالتالي غير الليبيرالية، على ممارسات الاختصاص. وبعد التذكير باستبعاد الاتحاد السوفياتي من الجمعية الدولية للطب النفسي لاسباب اخلاقية وعدم عودته اليها الا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي (مؤتمر أثينا العام 1989 سجل هذه العودة) اليكم بعض الامثلة:

1 – توظيف العلوم النفسية لترويج السلع: وهو بات موضوع ممارسة وتحده برأينا عدم الوصول الى حدود مساعدة الاختصاصي على رسم خطط الغش والاحتيال على المستهلك…

2 – التوظيف المخابراتي للاختصاص: بدوره ممارس ويدخل في جدلية الانتماء والوطنية وتحده برأينا مساهمة الاختصاصي النفسي في ابتداع طرق جديدة لتعذيب البشر.

3 – التوظيف السياسي للاختصاص وهو موضوعنا: ولا اريد الاطالة فاختصر بالموافقة على ما ذهب اليه البروفسور حفني اذا كان الاختصاصي يعبر عن قناعاته الفعلية مع ملكيته للمعلومات الكافية وموافقته على نتائج الاحداث التي ينابعها مؤيداً او معارضاً….

وفي تقديرنا الشخصي ان المساهمة النفسية الاختصاصية في مجال السياسة يجب ان تلتزم باحد قطبين لا ثالث لهما.

الاول ان يكون الاختصاصي في قلب الحدث وان يشارك فيه مشاركة العارف العالم ببواطن وخلفيات واخطار وطموحات الحدث موضوع البحث. وفي هذا الاطار ندرج التدخل العقائدي للاختصاصي النفسي. وفي حالتنا العربية الراهنة ان يكون مؤيداً او معارضاً للثورة ولكن بناء على قناعات ثابتة وليس استجابة للعصف الاعلامي والشائعات المروجة والشعارات المشبوهة.

الثاني ان يتصرف الاختصاصي من مبدأ الاعتراف بالسلطات الامنية والسياسية القائمة بما يعطيها فرصة تقنين انفعالات الجمهور والاحتياط لاخطار الفوضى بتوجيه هذه الانفعالات في الاتجاهات المناسبة. وفي هذه الحالات يتدخل الاختصاصي على الصعد التالية:

1 – التدخل المبكر لعلاج الآثار الصدمية المحتملة للحدث على الصعيدين الفردي والجماعي.

2 – التدخل للمساعدة في تقنين الفوضى لدى تحولها الى هيستيريا جماعية جالبة لتهديدات الامن الاجتماعي.

3 – جمع المعلومات اللازمة للتصدي لتحليل الحدث بصورة موضوعية تبعد الاختصاصي عن التورط في مواقف لا علاقة لها بالموضوعبة العلمية.

4 – في اعتقادنا ان الاندفاع في دعم كافة التحركات الشعبية العربية باعتبارها فرعاً لاصل واحد هو مكافحة التسلط (ومعه الفساد والديكتاتورية وغيرها) كان اندفاعاً خاطئاً. ومع تفرع هذه التحركات وصل الجميع الى الطريق المسدود الذي يقتضي بصورة قسرية فصل تحرك او اكثر عن باقي التحركات العربية. وتحديداً انفجر هذا التمييز في حالتي البحرين وسوريا. حتى قالت المعلومات بوجود معادلة “البحرين مقابل سوريا!”.

هذا الاندفاع يجد تبريراته لدى المحللين والصحافيين وحتى لدى الفضائيات ومنها قنـاة الجزيرة التي خضعت للمعادلة سابقة الذكر فاعتمدت خيار التعتيم على الحركة الشعبية البحرينية والتحريض لصالح الحركة الشعبية السورية. وهو خارج المسموح في حالة الباحث النفسي السياسي. حيث نرى ان مهمات هذا الباحث في حالتنا العربية الراهنة هي التالية:

1 – رصد مستوى حصانة الدول في مواجهة التحركات الشعبية وذلك وفق معايير تصنيف موضوعية تأخذ في اعتبارها عوامل المشهد السياسي الداخلي في البلد المعني (بما فيها تركيبته الاتنية – العرقية والعشائرية والدينية والمذهبية وغيرها) حيث حدة الاحقاد الداخلية بين المكونات من شانها تحويل التحرك الشعبي الى حرب أهلية لا يمكنها ان تكون هدفاً انسانياً لايقاع مئات آلاف الضحايا وتهديد كيان الدولة المعنية. وهنا نذكر ان الجراحة وان كانت العمل الطبي الراديكالي فهي ليست مطروحة بدون شروط.

2 – رصد مستويات التدخل الخارجي للتحركات الشعبية حيث بدأت المعطيات تتوافر من مصادر رسمية حول هذا التدخل في مختلف الدول العربية التي شهدت تحركات شعبية. بما فيها مصر حيث يجري الحديث عن اختراقات مخابراتية لبعض جماعات الثورة كما يجري الحديث عن استمرار الاستعدادات لثورة مضادة وغيرها من المعطيات التي تنتظر استكمالها.

3 – التحليل الاستقرائي للتحركات الشعبية وهو تحليل يستوجب مراجعة ظروف التحركات الشعبية في المنطقة وفي الدولة المعنية. فاذا ما استثنينا الثورة التونسية بوصفها ثورة نقابات في بلد يبين التحليل الاستقرائي قدرة نقاباته على قيادة الثورات نجد ان باقي التحركات العربية لا تجد لها هيكلية تنظيمية مقنعة. واتوقف تحديداً عند الثورة المصرية حيث نجحت الحركة الشعبية باجتياز امتحان التنظيم مدعومة بخزان بشري هائل لم يتوقعه الداعون للتحرك المصري. وهذا الخزان البشري هو الذي حول الحراك المصري الى الثورة. وبقيت مرحلة الارباك هي المقررة لمصير الثورة… وفي رأينا ان الرئيس مبارك كسب معركة الارباك عبر خطابه الشهير الذي دفه بالجمهور للانسحاب من ميدان التحرير. لكن هذا الفوز تعطل عبر موقعة الجمل التي اعادت الجمهور الى الميدان. ويهذا يمكن القول ان مبارك ذهب ضحية موقعة الجمل اكثر مما ذهب ضحية الثورة. ووفق التحليل الاستقرائي فان الجمهور المصري المحتشد في الميدان منح عفوه للرجل الذي خاطبه حاملاً كفنه طالباً العفو من ثأر الشعب. وخسر الرجل هذا العفو بعد الموقعة العدوانية التي جاءت بعد ساعات لتلغي هذا العفو. ولسنا مستعدين للجدال في هذه المسألة طالما طرحت الثورة المضادة كاحتمال وارد.

4 – القراءة التحليلية لفتيل تفجير التحركات الشعبية وهي مسألة لم تكتمل عناصرها بعد.

هنا ينتهي الرد لنصله ببعض تحليلاتنا المتعلقة بتكوين معايير موضوعبة للحكم على التحركات الشعبية العربية من تونس ولغاية اليمن. حيث نبدأ بـ:

تصنيف الحركات الشعبية العـربية

انطلاقاً من مسؤوليتنا بالدعوة لتسخير الاختصاصات النفسية لخدمة المجتمع العربي وتجاوز النقل الاعمى عن التجارب الغريبة عن هذا المجتمع. وفي خطوة وقائية للعقول الاختصاصية الاسيرة نجد من واجبنا تقديم هذا الاقتراح التصنيفي للحركات الشعبية العربية. وهو اقتراح ينطلق من المحاور التشخيصية التالية:

المحـور التحريضي: هل تستند الحركة الشعبية المعنية الى دعوة اصلاحية شعبية شاملة تنضوي تحتها مختلف تلوينات الجمهور في الدولة المعنية بطوائفها واعراقها وتجمعاتها؟. ام انه حراك يقتصر على طائفة من الجمهور دون غيرها؟. بحيث يمكن للتحرك ان يواجه بتحرك مقابل يفتح ابواب الانشطار الوطني وربما المواجهات الأهلية.

المحـور الوطـني: وهو امتداد للمحور السابق ويتعلق بالهوية الوطنية والاتفاق على تعريفها واشتراك المواطنين في رؤية جامعة لمستقبل البلد ودوره وعلاقاته بمحيطه الجغرافي وغيرها من عناصر الاشتراك في الهوية التي يتراجع دورها الجامع بقدر وجود تاريخ من الاختلافات حولها.

المحـور الشبكي: ويتعلق بمستوى مساهمة شبكات التواصل الاجتماعي عبر الانترنت بتنظيم هذا التحرك. اذ ان هذه الشبكات تمد التحرك بمخزون من التجمعات والقيادات الافتراضية الكفيلة بتشكيل نواة صلبة للتحرك المبني على تعريفات دقيقة لاهداف التحرك وحدوده. مع لفت النظر الى ان سيرورة تحول الجماعات الشبكية من افتراضية الى واقعية تقتضي لزوماً تطابق تحركها مع المشاعر الشعبية التي تحول افتراضية اجماعات الشبكية الى واقع عبر التفافها حول نواة التحركات الشبكية.

المحـور التراكمي: التواصل الشبكي ليس سحراً ولا هو وسيلة حديثة لاطلاق عمليات غسيل مخ جماعية. اذ تقتصر قدراته على تكوين نواة افتراضية للتحرك الشعبي. الا ان القرار الحاسم يبقى بيد الجمهور الاوسع القابل للتجمع حول هذه النواة. مثال ذلك ان مصر عرفت في العام 2010 لوحده 906 اضرابات مطلبية عمالية. بالاضافة الى تراكمات الاحتجاجات المطلبية الاخرى ومنها ما يتعلق بشلل وعجز مؤسسات الدولة عن مواجهة الطواريء الصحية ومراقبة الاغذية الفاسدة بالاضافة الى الشكاوى المتفرعة عن الفقر. وهذا النوع من التراكمية ضروري لتجد دعوات التحرك قاعدتها الشعبية.

المحـور العـربي: التوزيع الاصطناعي للدول العربية الى معتدلة وممانعة ليس مستجداً لكنه يشهد تغييراً في العناوين. وهو في أصله خلاف بين اصدقاء اميركا ومعاديها او ممانعيها العرب. وتشير المتابعة الى انحياز الشارع العربي لمعارضي السياسة الاميركية. وهو انحياز تدعمه المواقف الاميركية من القضايا العربية كما تدعمه المواقف غير الشعبية التي تتبناها الدول الصديقة بضغط اميركي لا يراعي دائماً اصدقاءه. وبتطبيق هذا المحور على الحالتين التونسية والمصرية نجد انهما حظيتا بدعم غير مشروط من الشارع العربي.

آفاق البحـوث السيكولوجية في الثورات العربية

مما تقدم تتضح الأهمية الحيوية للدور الملقى على عاتق الاختصاصيين النفسانيين العرب في دراسة هذه الحركات الشعبية بوصفها نتاجاً للعقل الجمعي القطري والعربي. اذ انها تشكل مجالاً لاقتفاء أثر احتلال العراق على البنى النفسية – المجتمعية في الدول العربية. وهو أثر لا يقف عند حدود توافد مقاتلين عرب الى العراق وانخراطهم في مقاومة الاحتلال تحت العناوين المختلفة. اذ تتعلق المسألة باحتلال عاصمة عربية من اكثر العواصم ملامسة لتراث ومكونات العقل الجمعي العربي. كما تأثرت البنى النفسية – الاجتماعية العربية بالفوضى الجيوسياسية الناجمة عن الاحتلال وتهديدها لمستقبل الشعوب العربية ومساهمتها بترسيخ الازمات الاقتصادية في كل البلدان العربية. وعليه نقترح محاور البحث التالية:

مراجعة المسلمات: ولقد سبقنا الى هذا الطرح ومارسه ميدانياً الزميل المصري قدري حفني الذي تجاوز إنفعالاته الشخصية العميقة كمناضل مزمن الى موضوعية طرح الأسئلة وإعادة محاكمة المسلمات. وهي لعمري خطوة مؤسسة تفتح الطريق امام فهم موضوعي لحقائق الواقع بدل العيش خارجها. فقد أثبتت ثورة مصر خصوصاً أن قائمة من مسلماتنا السابقة للثورة كانت مجرد قناعات خاطئة تستوجب المراجعة والاستبدال بقناعات صائبة وموضوعية.

توظيف الاتصال الرقمي في خدمة المجتمع: وهو يستتبع البحث عن حجم المساهمة الحقيقي التي قدمها الفايسبوك في الثورة المصرية. وذلك عبر متابعة دقيقة لدينامية حركات الفايسبوك وقياداتها. كما عبر متابعة العبر المستفادة من قبل الاحزاب السياسية المصرية التي عاشت حالة تواطوء سياسي مع النظام دون ان تتمكن حتى من القيام بوظيفة المعارضة السياسية الديمقراطية المشروعة. كما يجب عدم اهمال احتمالات إساءات توظيف واستخدام الاتصالات الرقمية بصور ضارة للمجتمع.

الشخصية المصرية: كانت لافنة استجابة الجمهور المصري لخطاب مبارك الداعي للحفاظ على كرامته. وهي استجابة سيهملها التاريخ الذي يكتبه المنتصرون. لكن العلوم يجب الا تهملها بل ان تتعمق في دراستها. فهي تشكل لحظة انفعال قصوى تفتح الابواب عريضة لدراسة الشخصية المصرية وعبرها العـربية. كما انها تعكس حس المسؤولية من قبل شعب يريد الاصلاح ولكنه اصلاح يتجنب الفوضى والمجهول وفتح ابواب التدخلات الخارجية تأسيساً على هذه الفوضى. اما خطاب مبارك فهو نموذج لدراسات سيكولوجية الزعامة فقد تمكن الرجل بكلمات قليلية ان يخلق حالة من التعاطف الشعبي حوله اربكت المعارضين والمتظاهرين. على امل الا تثير هذه الملاحظات العلمية لدى المتحمسين للثورة ما يتجاوز موضوعية طرحها.

بطريركية المجتمع العربي: المحتجون الشباب تحاوزوا البحث في هذه الاشكالية في تحركات عفوية صادقة للمطالبة بحقوقهم المشروعة التي ارادوا الحصول عليها دون الخوض في جدالات تخص هيكلية المجتمع وبنيته السياسية الاجتماعية. لكن حضور الجمهور الشعبي الداعم لهذه الحركات أعاد طرح الخطوط الحمر والمحرمات الاجتماعية مذكراً الشباب بها. ومع اننا لا نجد في البطريركية تهمة كما يجدها آخرون الا اننا نطرح الموضوع من زاوية البحث في دينامية العلاقة بين الجماعات الافتراضية والجماعات الشعبية الواقعية. وسبل انتظام هذه العلاقة والعقد الاجتماعي السياسي الذي قامت عليه.

ثغرات الحركات وتحصينها: هي تجربة غير مسبوقة شابتها جرعات من العفوية الصادقة وتلقت العديد من اتهامات التخوين عبر ثغرات تبررها ظروف التجربة. وهي كلها عوامل من واجب الاختصاصي النفسي طرحها للمناقشة ،وليس فرض رؤيته لها، بهدف انتاج لقاحات نفسية تقي حركاتنا الشبابية ونشاطاتنا الرقمية من اخطار سوء التوظيف والاستغلال.

آفاق البحـوث السيكولوجية في الثورات العربية

مما تقدم تتضح الأهمية الحيوية للدور الملقى على عاتق الاختصاصيين النفسانيين العرب في دراسة هذه الحركات الشعبية بوصفها نتاجاً للعقل الجمعي القطري والعربي. اذ انها تشكل مجالاً لاقتفاء أثر احتلال العراق على البنى النفسية – المجتمعية في الدول العربية. وهو أثر لا يقف عند حدود توافد مقاتلين عرب الى العراق وانخراطهم في مقاومة الاحتلال تحت العناوين المختلفة. اذ تتعلق المسألة باحتلال عاصمة عربية من اكثر العواصم ملامسة لتراث ومكونات العقل الجمعي العربي. كما تأثرت البنى النفسية – الاجتماعية العربية بالفوضى الجيوسياسية الناجمة عن الاحتلال وتهديدها لمستقبل الشعوب العربية ومساهمتها بترسيخ الازمات الاقتصادية في كل البلدان العربية. وعليه نقترح محاور البحث التالية:

مراجعة المسلمات: ولقد سبقنا الى هذا الطرح ومارسه ميدانياً الزميل المصري قدري حفني الذي تجاوز إنفعالاته الشخصية العميقة كمناضل مزمن الى موضوعية طرح الأسئلة وإعادة محاكمة المسلمات. وهي لعمري خطوة مؤسسة تفتح الطريق امام فهم موضوعي لحقائق الواقع بدل العيش خارجها. فقد أثبتت ثورة مصر خصوصاً أن قائمة من مسلماتنا السابقة للثورة كانت مجرد قناعات خاطئة تستوجب المراجعة والاستبدال بقناعات صائبة وموضوعية.

توظيف الاتصال الرقمي في خدمة المجتمع: وهو يستتبع البحث عن حجم المساهمة الحقيقي التي قدمها الفايسبوك في الثورة المصرية. وذلك عبر متابعة دقيقة لدينامية حركات الفايسبوك وقياداتها. كما عبر متابعة العبر المستفادة من قبل الاحزاب السياسية المصرية التي عاشت حالة تواطوء سياسي مع النظام دون ان تتمكن حتى من القيام بوظيفة المعارضة السياسية الديمقراطية المشروعة. كما يجب عدم اهمال احتمالات إساءات توظيف واستخدام الاتصالات الرقمية بصور ضارة للمجتمع.

الشخصية المصرية: كانت لافنة استجابة الجمهور المصري لخطاب مبارك الداعي للحفاظ على كرامته. وهي استجابة سيهملها التاريخ الذي يكتبه المنتصرون. لكن العلوم يجب الا تهملها بل ان تتعمق في دراستها. فهي تشكل لحظة انفعال قصوى تفتح الابواب عريضة لدراسة الشخصية المصرية وعبرها العـربية. كما انها تعكس حس المسؤولية من قبل شعب يريد الاصلاح ولكنه اصلاح يتجنب الفوضى والمجهول وفتح ابواب التدخلات الخارجية تأسيساً على هذه الفوضى. اما خطاب مبارك فهو نموذج لدراسات سيكولوجية الزعامة فقد تمكن الرجل بكلمات قليلية ان يخلق حالة من التعاطف الشعبي حوله اربكت المعارضين والمتظاهرين. على امل الا تثير هذه الملاحظات العلمية لدى المتحمسين للثورة ما يتجاوز موضوعية طرحها.

بطريركية المجتمع العربي: المحتجون الشباب تحاوزوا البحث في هذه الاشكالية في تحركات عفوية صادقة للمطالبة بحقوقهم المشروعة التي ارادوا الحصول عليها دون الخوض في جدالات تخص هيكلية المجتمع وبنيته السياسية الاجتماعية. لكن حضور الجمهور الشعبي الداعم لهذه الحركات أعاد طرح الخطوط الحمر والمحرمات الاجتماعية مذكراً الشباب بها. ومع اننا لا نجد في البطريركية تهمة كما يجدها آخرون الا اننا نطرح الموضوع من زاوية البحث في دينامية العلاقة بين الجماعات الافتراضية والجماعات الشعبية الواقعية. وسبل انتظام هذه العلاقة والعقد الاجتماعي السياسي الذي قامت عليه.

ثغرات الحركات وتحصينها: هي تجربة غير مسبوقة شابتها جرعات من العفوية الصادقة وتلقت العديد من اتهامات التخوين عبر ثغرات تبررها ظروف التجربة. وهي كلها عوامل من واجب الاختصاصي النفسي طرحها للمناقشة ،وليس فرض رؤيته لها، بهدف انتاج لقاحات نفسية تقي حركاتنا الشبابية ونشاطاتنا الرقمية من اخطار سوء التوظيف والاستغلال.

د محمـد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*