أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / الشرق الأوسط انتهى: حروب جديدة ترسم معالم المنطقة

الشرق الأوسط انتهى: حروب جديدة ترسم معالم المنطقة

لم يستبعد المتخصصون في الدراسات المستقبلية (Futures studies) سيناريو تفكك العالم العربي. ظلت هواجس التجزئة، الأشد خطورة، حاضرة في موازاة سيناريوات أخرى أقل سوداوية، تراوحت بين ثبات الأنظمة العربية المأزومة في جغرافية عربية مترامية الأطراف، وُصِفت بـ «المنطقة الميتة سياسياً»، وبين إمكان النهوض من ربقة التخلف والاستبداد السياسي والديني. لا يتوانى المراقب حين يتأمل الأحداث الكارثية الجارية منذ أربع سنوات، عن استجلاء مستقبل قاتم للمنطقة العربية، ترسمه الطوائف والمذاهب المعسكرة، في مشهد اقتتالي حدوده النزاعات الدامية ومخاوف الأقليات والأكثريات على حد سواء. إننا في عمق الاستئصال العربي الذي محوره حرب الجميع ضد الجميع.
ليس خافياً على أحد، أن الاضطرابات السياسية الراهنة المصحوبة بالتجييش الدموي: الطائفي والمذهبي، المدعوم إقليمياً، تستمد قوتها من مقومات بنيوية متجذرة، حيث ان ظواهر التفكك وآلياته المدمرة للأوطان والذاكرات والحضارة والتاريخ، إنما هي نتاج أزمات متراكمة في المجتمع والسياسة والثقافة والدين. وبعدما تمادت الأنظمة العربية في توطيد عرى الاستبداد المباشر والمقنع، تحت شعار الأحادية السياسية، والحكم المطلق، وتجويف المجتمعات من الداخل، ومنع الاصلاح، وجدت نفسها أمام انفجار داخلي شديد التشظي، مرده عاملان: الأول، تراكم الفشل السياسي في إدارة رشيدة وحداثية للدولة والمجتمع، والثاني، تفشي أنماط العنف الديني في بيئات مقهورة.
في مؤتمر نظمته جامعة «جورج واشنطن» أواخر الشهر الماضي، أكد مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه، أن الحرب في سوريا والعراق تُنذر بتغيير في خريطة المنطقة، وأن الشرق الأوسط الحالي «انتهى إلى غير رجعة»، من دون أن يستبعد استقرار المنطقة في المستقبل لكنها «في مطلق الأحوال ستكون مختلفة عن تلك التي رُسمت بعد الحرب العالمية الثانية». ولفت نظيره الأميركي جون برينان إلى «أن العراق وسوريا لن يستعيدا أبداً حدودهما الحالية (…) وعندما أنظر إلى الدمار في سوريا والعراق وليبيا واليمن، يصعب عليّ أن أتخيّل وجود حكومة مركزية في هذه الدول قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على هذه الحدود التي رُسمت بعد الحرب العالمية الثانية». وفي إطار أعمال ندوة «مستقبل التغيير في الوطن العربي» عقدها «مركز دراسات الوحدة العربية» و «المعهد السويدي في الإسكندرية» ما بين 9 و12 تشرين الثاني الحالي، كان لافتاً ما أدلى به بيتر ودورد مدير المعهد السويدي عن أن منطقة الشرق الأوسط «تعاني نزاعات هي الأكبر منذ الحروب الصليبية».
ترسم حدود المنطقة العربية، في قلب الشرق الأوسط القديم أو الجديد، حروب الاستنزاف، المشفوعة بخريطة الطوائف والهويات المتناحرة. يشهد العالم العربي، لا سيما في بؤر النزاع الأهلي والجهادي، ما يطلق عليه الخبراء «الحروب الجديدة» التي تبلورت في القرن الحادي والعشرين، لتمييزها عن الحروب التقليدية القائمة بين الجيوش النظامية التي تخوضها دولتان أو أكثر. تمحورت أهداف الحروب القديمة حول نشر أيديولوجيات معينة مثل الديموقراطية أو الاشتراكية، أما الحروب الجديدة، فهي تخاض باسم الهوية، وغالباً ما تكون دينية أو إثنية أو قبائلية، وترمي إلى سيطرة مجموعة معينة، محلية أو إقليمية على الدولة، كما أن الحروب القديمة ارتبطت بفكرة بناء الدولة والمحافظة عليها، في حين لا تؤدي «الحروب الجديدة» إلاّ إلى هدم الدولة ونشر الفوضى والتطرف». (راجع: حياة الحريري، حروب القرن الحادي والعشرين عنوانها الهوية: دمار وفوضى وتطرف، جريدة الأخبار اللبنانية، 30 كانون الثاني، 2014).
تُعد الحركات التكفيرية وفي طليعتها فرق الموت القاعدي والداعشي إحدى أهم أذرع الحروب الجديدة في الشرق الأوسط، حيث يعمد التكفيريون إلى استنزاف الدولة في صراع دموي غير متكافئ، يسمح بفقدان السلطة الرسمية الحاكمة لمساحات من أراضيها لمصلحة تمدد العصابات الجهادية التي تستند إلى عمليات الكر والفر.
أطلق المحللون الاستراتيجيون في الولايات المتحدة الأميركية ومن بينهم ويليام ليند (William S. Lind) مصطلح «الجيل الرابع من الحروب» (Fourth-Generation Warfare) للمرة الأولى العام 1989، في إشارة إلى «الحرب اللامتماثلة» لوصف عودة الحرب إلى شكل «اللامركزي»، ما يؤدي إلى دخول الدول القومية في اقتتال مع عناصر ومجموعات ترتكز على وسائط قتالية في عصور ما قبل الحديثة. ومن سمات حروب الجيل الرابع الإبقاء على الصراع المسلح، بينما الحرب التقليدية كانت تنتهي بهزيمة أحد الأطراف وانتصار آخر. ومن مواصفات هذا النمط الاستهداف المقصود للمدنيين، وتأطير البيئات الاجتماعية الحاضنة لجماعات العنف الديني، كما يجري في بعض المناطق التي تسيطر عليها «داعش» في سوريا والعراق.
يتناول كتاب Issues in 21st century world politics «قضايا في السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين» الصادر عن دار Palgrave Macmillan, 2010 في أحد فصوله «الحروب القديمة والجديدة»، ويشير إلى تراجع الحرب التقليدية نتيجة مؤثرات العولمة وصراع الهويات، لافتاً إلى مخاطر تمدد الميليشيات التي توجه سلاحها ضد الجيوش النظامية والمدنيين، ومحدداً مصادر تمويلها من خلال النهب والسرقة وخطف الرهائن وتهريب السلاح والمخدرات والوقود وغسل الأموال.
يخوض «مقاولو» الجماعات التكفيرية في العراق وسوريا واليمن وليبيا، حرباً طويلة الأمد ضد الدولة والمجتمع في اتجاه خطر نحو خصخصة الأمن (نحيل على: خصخصة الحروب: الشركات المتعددة الجنسية والمحاربون المرتزقة، في: أوضاع العالم 2015: الحروب الجديدة، مجموعة باحثين مؤسسة الفكر العربي، ترجمة: نصير مروة). وفي هذا السياق خلص يزيد صايغ (باحث أول في «مركز كارنيغي للشرق الأوسط») إلى أن «الحرب ليست عملية انحلالية أو تفسُّخية فحسب، إذ تخوض أنواعٌ جديدةٌ من الجماعات المسلحة، غير الدول، الحربَ بطرق لا تؤدي فقط إلى إعادة تركيب الدول الوطنية (أي القُطرية) القائمة، بل وتساهم في بناء كيانات سياسية بديلة تستند إلى أواصر وهويات اجتماعية – ثقافية دون الوطنية أو فوقها، أكانت حقيقية أم مُتخيَّلة». ويرى صايغ أن هذا النمط من الحروب «ليس مجرد ردّ مألوف على ما عُرف بالدولة الفاشلة، في عقد التسعينيات من القرن الماضي، فالجماعات المسلحة الجهادية أمثال «الدولة الإسلامية» و «جبهة النصرة» وغيرهما، تتصور مجالاً أو فضاءً سنياً يتجاوز حدود الدولة الوطنية في بلاد الشام، وصولاً إلى شبه الجزيرة العربية. وبات يقابلها تصور منافس لمجال أو فضاء شيعي يربط أماكن جغرافية ونقاط علام دينية – تاريخية محددة من العراق إلى لبنان، مروراً بسوريا».
تشن «الميليشيات الإرهابية» و «سلالة داعش وأخواتها» حروباً تدميرية في العالم العربي، تنهض على مرتكزات عدة: تحطيم هيبة الدولة ومؤسساتها، إضعاف الجيوش النظامية، استغلال التوتر المذهبي والطائفي، تعميم الفوضى، اطالة أمد النزاعات، ترهيب الجموع عبر فنون القتل والإبادة، استخدام التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي في لعبة الصراع، وتوظيف المقدس إلى حدوده القصوى.
يخط «مجاهدو الموت» تحت الرايات السود خريطة الشرق الأوسط. وكي لا نضع الخراب الراهن والقادم على شماعة «داعش» وحدها، قد يكون المهم القول إن الدمار المتمادي توافرت أرضيته الخصبة نتيجة معطيات متداخلة: ديكتاتورية الأنظمة السياسية، انتهاك حقوق الإنسان، تجييش الخطاب المذهبي، الاستيلاء على مقدرات الدولة وثرواتها، ارتفاع معدلات الفقر، استشراء الفساد، وتخلف التعليم… إلخ.

ريتا فرج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*