أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / سوريا في ظل تحولات المنطقة

سوريا في ظل تحولات المنطقة

مجموعة من المتغيرات الهامة شهدتها منطقة الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة. اتفاق نووي بين إيران والقوى الست. اتفاق آخر بين الولايات المتحدة وتركيا حول مشاركة الأخيرة في عملية مكافحة الإرهاب بصورة أكثر جدية. فضلاً عن مباحثات ثنائية بين دول المنطقة والدول الكبرى، في اتجاهات وموضوعاتٍ مختلفة. ما يوحي بتغير طبيعة التحالفات التقليدية في المنطقة، أو على الأقل زيادة منسوب حرية القوى الإقليمية في نسج تحالفاتها المبنية على المصلحة الوطنية، بعيداً إلى حدٍ ما عن حليفاتها من القوى الكبرى. فكيف ستتأثر قضايا المنطقة، وفي طليعتها الأزمة السورية بالحراك الدائر في المنطقة بين القوى الإقليمية في ما بينها، وبينها وبين القوى الكبرى؟ وما هو مصير دولة تنظيم “داعش” التي يبدو أن الجميع قد سلّم بخطورتها على أمنه، وبأنه يجب التعاون بين كل المتضررين لإنهائها؟ وما هي احتمالات التقارب والتباعد بين أصدقاء الأمس، أو أعداء الأمس؟ ما هي الصورة الاستراتيجية في الشرق الأوسط بعد منتصف العام الحالي، وإلى أين تتجه؟
إن إظهار العديد من الدول الكبرى في الشرق الأوسط لإشارات تمرد على القوى الكبرى يوحي بتحول حقيقي في طبيعة العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الفائتة، التي كانت خلالها هذه العلاقة مبنيةً على الإملاءات، أكثر مما هي مبنية على مصالح مشتركة متوازنة.
وقد باتت مفاعيل التغير في هذه العلاقة ظاهرةً إلى حدٍ لا يمكن معه تجاهل التفكير في زيادة هامش القرار الوطني في هذه الدول، بالرغم من أن ذلك قد يبدو غريباً بعض الشيء لمن تابع شؤون الشرق الأوسط خلال عقدي الأحادية القطبية.
فبعد أن كانت الدول الإقليمية تستمد نفوذها وحمايتها الاستراتيجية من القوى الكبرى، أتت أحداث السنوات الأخيرة لتشكل فرصة لمزيدٍ من الانعتاق من إلزامية خيارات تلك القوى، باتجاه سياسات محلية تحاول القوى الإقليمية فرضها على القوى الكبرى، من خلال شبك تفاهمات بين بعضها البعض، كما من خلال اللعب على تباينات الدول الكبرى، في لحظة مفصلية بالنسبة لرسم ملامح النظامٍ العالمي الجديد.
ولكن المخيف في ما يجري هو أن هذا الهامش المستجد من القرارات المحلية لبعض هذه القوى، يبدو متفلتاً من الضوابط التي كانت ترعاها القوى الكبرى، وحتى القوى الإمبريالية منها، من ناحية الوسائل والأدوات التي تستخدمها (الإرهابيون على سبيل المثال) ومن ناحية الأهداف التكتيكية، والتي جنحت لتشمل تقسيم الدول وتسليمها لأصحاب الفكر الإلغائي، ممن يرغبون في إبادة كل الآخرين الذين يختلفون معهم في رؤيتهم الضيقة. فأي دورٍ لـ”داعش” في تقريب وفرز قوى المنطقة؟ وأي أفق لدولته “الإسلامية”؟

حدود الممكن بالنسبة لـ”داعش”

لعل احتلال “داعش” لمساحات شاسعة من العراق وسوريا، والسهولة النسبية التي تم بها، هو أكثر ما يثير الريبة ويعزز التساؤلات التي يطرحها الجميع، والتي أربكت المواطنين والصحافيين والساسة على حد سواء، حتى بات البعض قابلاً لتصديق أن تنظيماً مرفوضاً من قبل الأغلبية الساحقة من السكان، يحارب جيشين ويتعرض لقصف من قبل تحالفٍ دولي تقوده الولايات المتحدة، يمكن له أن يصمد، بل يتوسع، من دون دعمٍ مستمرٍ عسكرياً ومخابراتياً ومالياً.فمن الذي يغذي “داعش”؟ ومن الذي يحاربه فعلياً؟ وما هدف هذا وذاك؟ هل كل ما يجري يندرج في إطار “خطة” أميركية لتقسيم المنطقة والسيطرة عليها؟ وبالتالي هل الفوضى الحالية محسوبة النتائج، أم أن ما يحدث هو شيء آخر؟ وأنه ليس بالضرورة أن تكون الأحداث والمواقف تسير وفق خطة دقيقة الإحكام؟وخلافاً لما قد يبدو لكثيرين بحكم الأمر الواقع من قدرة كبيرة للتنظيم على الانتصار في المعارك وكسب مزيدٍ من الجغرافيا، لا يمكن لتنظيم “داعش” المحافظة على بقاء “دولته” بالصيغة الحالية التي تحكم مدناً كبرى ومناطق كبيرة، وسكاناً كثيرين.وتعود استحالة بقاء دولة “داعش” إلى عدة عوامل، ترتبط في أولها وفي آخرها بطبيعة العقيدة الدينية الإلغائية التي يحملها التنظيم، والتي لا ترفض حقوق الآخر فحسب، بل إنها ترفض وجود الآخر وحقه الأول بالحياة.
وعليه، فإن ما يبدو من تراخٍ للقوى الدولية القادرة على هزيمة التنظيم، وما بدا لفترةٍ طويلة من استرخاء للقوى الإقليمية التي تغذيه، لا يعدو كونه إدراكا لحقيقة فرص “داعش” الضئيلة في الحياة تحت شمس هذه المنطقة.إن طبيعة المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو البغدادي، بمعظمها صحراوية أو مدينية، تغيب عنها التضاريس الصعبة، وباستثناء بعض المدن، فإن الكثافة السكانية غير عالية في مناطقه تجعل القيمة السياسية لسيطرته في حدود قليلة الأهمية.إن مقومات الدولة القابلة للحياة في هذا العصر غير متوافرة في حال دولة “داعش”.
وإذا ما تجاوزنا وجود المساحة الجغرافية، وسيطرته على مساحات وفيرة منها، والقدرات العسكرية والأمنية، إضافةً إلى العقيدة الدينية التي تدفع بمقاتليه إلى الجبهات بغزارة وتصميم؛ والمساعدة اللوجستية التي يتلقاها من الدول المستفيدة من وجوده في المنطقة اليوم، يمكن القول إن كل المقومات الأخرى لاستمرارية التنظيم غير موجودة. حتى أن التنظيم لا يتلقى دعماً سياسياً معلناً من أي من القوى الإقليمية، وممارساته مدانة من قبل الجميع، بمن فيهم الدول التي تسهل لمسلحيه الانتقال إلى مناطق الاشتباك في العراق وسوريا.
وعليه، فإن إقفال الحدود السعودية-العراقية، والتركية-السورية، بجدية ومسؤولية، يطلق العداد الزمني لزوال “داعش” بما لا ريب فيه، ويلغي قيمة العاملَيْن الأكثر حسماً في تمدده، وهما: البروباغندا الإعلامية لوحشيته والتي تساهم في كسبه لمعارك من دون قتال، والعقيدة المتطرفة والإلغائية التي تدفع بمقاتليه إلى الجبهات طمعاً بتحقق وعود المعبّئين الدينيين في التنظيم بمكاسب أخروية، هي عبارة عن ممنوعات الدنيا بالنسبة لهم.ويستند هذا الرأي إلى عدم قدرة التنظيم على دخول المدن الأكثر أهمية من الناحيتين السياسية والسكانية، وخسارته لمعارك عديدة حول هذه المدن.
ففي سوريا، لم تتمكن أي من التنظيمات المتطرفة دخول العاصمة دمشق، ومدينة حمص ذات الأهمية الفائقة وسط البلاد، بالإضافة إلى عدم قدرتها جميعاً على بسط سيطرتها على حلب، بالرغم من قرب هذه المدينة من الحدود التركية، وسعي حكومة العدالة والتنمية بإصرارٍ لإسقاط حلب. وبالتالي، فإن بقاء داعش – في أحد أهم أسبابه – مرتبط بقراءة العقل السياسي والعسكري في دمشق وبغداد وطهران للأفق الزمني للمعركة من جهة، وانتخابهم للطريقة الأمثل لتخفيف الأكلاف المترتبة على المعركة النهائية مع التنظيم؛ مع حسم مسألة زواله.

الموقف الأميركي من داعش وخيارات واشنطن الشرق أوسطية

كثر التساؤلات حول الموقف الحقيقي لواشنطن من التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، فالبعض يرى أن عنوان محاربة الإرهاب أصبح رتيباً وفاقداً للمصداقية عندما يخرج عن ألسنة المسؤولين الأميركيين، وذلك بناءً على تجارب عديدة رفع خلالها هذا الشعار في دول الشرق الأوسط، قبل أن ينتهي الأمر إلى تحالف بين القوى الإرهابية والقوات الأميركية ضد مواطني تلك الدول. ولهذا الرأي الكثير من الدعائم المنطقية. من ناحية ثانية، يرى البعض الآخر بأن الولايات المتحدة صادقة في موقفها من محاربة الإرهاب، وأنها فعلاً تسعى للقضاء على التنظيمات الإرهابية، ولهذا المنطق أيضاً ما يبرره.غير أن التعمق في فهم الموقف الأميركي من هذه التنظيمات يتطلب رؤيةً أكثر شموليةً لتأثير هذه التنظيمات، ليس على أمن الشرق الأوسط، بل على أمن الولايات المتحدة نفسها، وعلى الأمن الدولي بصورة عامة. ويمكن في هذا السياق القول إن قدرة أي دولة في العالم على إقفال حدودها بوجه التمدد الإرهابي، أصبحت صعبة للغاية، وتتجه لتكون غير ممكنة على الإطلاق في مرحلة ترابط الأمن الوطني بالأمن الدولي، وعليه فإنه مع هذا النوع من الأعداء، أي داعش والنصرة ومن ماثلهما، يكون أمن آخر مدينة في الغرب الأميركي من أمن أصغر قرى الشمال السوري؛ خصوصاً وأن تنظيم “داعش” كورقة ابتزازٍ قد أدى دوره من ناحية الضغط على إيران وسوريا والعراق، ودفعهم للقبول بدورٍ أميركي للحل الكبير المنتظر في المنطقة.فضلاً عن أن تبدلات موازين القوى الدولية، وتقدم قوى أخرى للعب دور عالمي، أرخى بظلاله على التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، وبالتالي أفرز ضرورات جديدة للسياسة الخارجية الأميركية، منها ما هو مرتبط بالحفاظ على حلفائها الذين يعيشون معها أزمة ثقة اليوم، ومنها أيضاً بكسب شركاء جدد لتعويض خسارات استراتيجية لمصلحة منافسيها الصاعدين.لذلك فقط فإن الولايات المتحدة تبدو جادّةً في محاربة “داعش”، وفي تصنيف “جبهة النصرة” كتنظيمٍ إرهابي، وليس لأي سببٍ أخلاقيٍ أو مبدئي.
وعليه، فإن مساحة المناورة الأميركية في هذه الحرب تتجه لتصبح أكثر تقلصاً، خصوصاً بعد حصول واشنطن ومعها حلفائها الغربيين على اتفاق مع إيران، والتحفّز الغربي الواضح باتجاه كسب إيران كشريكٍ مستقبلي، على المستوى الاقتصادي للضرورة، وعلى المستوى السياسي كاحتمالٍ وفرصة.ولكن، كيف للقضاء على داعش أن يتحقق مع بقاء خطوط إمداده مفتوحةً من الحدود التركية؟

الخيارات التركية بعد الانتخابات والاتفاق النووي

يعيش الحكم في تركيا هذه الأيام أوقاتاً عصيبة، فنتائج الانتخابات الأخيرة أدخلت الكرد إلى البرلمان بحوالى 70 نائباً لأول مرة في تاريخهم. فيما يزداد الضغط على الرئيس رجب طيب أردوغان من الداخل والخارج، لاتخاذ موقفٍ حاسم يجنب البلاد خطر تنظيم “داعش” والجماعات الإرهابية الأخرى التي تتجول على طرفي الحدود مع سوريا. وبعد الاتفاق النووي بين إيران والدول الست، وجدت القيادة التركية أن الكسب غير المشروع الذي يقول خصومها إنها حققته طوال السنوات الماضية من الاستثمار على الإرهاب في المنطقة، قد تحول إلى عبءٍ قد يحيل المكاسب التكتيكية كلها إلى خسارةٍ استراتيجية تهدد وحدة تركيا نفسها.
من هنا، لا بد من التفريق بين الاهتمامات الاستراتيجية لأنقرة، وبين الوسائل التكتيتية التي كانت تستخدمها في السنوات الماضية لابتزاز الدول الأخرى. ففي الاهتمامات الاستراتيجية، يتصدر موضوع منع الكرد من الحصول على دولة مستقلة رأس أولويات تركيا؛ ويأتي بعده على سلم الأولويات، تثبيت مكانة البلاد كمركز لتصدير الغاز من دول المنطقة، ومن روسيا، إلى أوروبا.أما في التكتيك، فإن القيادة التركية عملت على مبدأ أن كل شيء مشروع، بما في ذلك تحويل حدودها إلى حاضنة دافئة لنمو الوحوش الإرهابية. لذلك فإن لحظة الحقيقة التي دنت، تضع تركيا أمام التركيز على اهتماماتها الاستراتيجية في مقابل التخلي عن أساليبها التكتيكية.وفي سبيل ذلك، توصّل الأتراك والأميركيون إلى تفاهم في الأيام القليلة الماضية على التعاون في مكافحة الإرهاب، فتِحت على أثره قاعدة “إنجرليك” أمام الطائرات الأميركية لقصف “داعش” في سوريا، وبدأت تركيا نفسها حملةً ضد التنظيم ما لبثت أن تحولت إلى حرب على “حزب العمال الكردستاني” بصورة رئيسة، وتشير الأرقام المتوافرة عن الطلعات الجوية التركية بعد الاتفاق إلى أن ما يفوق 90% من هذه الطلعات استهدفت حزب العمال، بينما استهدفت الطلعات المتبقية تنظيم “داعش”.
لقد تحول الاتفاق هذا إلى مثار جدلٍ كبير بعد التصريحات التركية التي تقول إنه تضمن إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، الأمر الذي نفاه الناطق باسم الخارجية الأميركية جون كيربي، مؤكداً أن شمال سوريا لا يندرج تحت إطار منطقة آمنة أو حظر للطيران نظراً إلى أن طائرات التحالف هي الوحيدة التي تحلق في تلك المنطقة. وزاد فوق ذلك أن بلاده لا تقدم ضمانات بعدم استهداف جبهة النصرة في الأراضي السورية، وبالتالي فإن كل رهانات تركيا على تحويل التنظيمات الإرهابية إلى معارضة سورية معتدلة قد باءت بالفشل.وبالعودة إلى نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فإن الصدمة التي تلقاها حزب العدالة والتنمية الحاكم، فاقت كل التوقعات التي سبقت الاستحقاق، بما في ذلك توقعات صحيفة “واشنطن بوست” في حزيران الماضي بأن يحوز الأكراد على 50 مقعداً. وكانت أولى الارتدادات لهذه النتائج، سقوط طموح أردوغان بتحويل النظام السياسي للبلاد إلى نظام رئاسي، وتشديد قبضته على مفاصل الدولة حتى يتمكن من إتمام مشروعه.ولكن تركيا ليست أردوغان وحزبه وحدهما، هي أيضاً دولة كبرى في المنطقة، والدول تغامر ولكنها تحتفظ بحدٍ أدنى من حسابات التعامل مع سيناريو الفشل، فقد أتى الاتفاق مع الأميركيين نتيجةً لجهودٍ بدأها الطرفان لإبعاد المقاتلين المتطرفين عند حدودهم الجنوبية، وتحدثت عنها صحيفة “نيويورك تايمز” في الثاني من حزيران الفائت، حتى توصلوا إلى الصيغة التي تحدثنا عنها، والتي خرجت حول مضمونها تحليلات كثيرة.
وبالاستناد إلى نتائج اهتزاز قدرة “العدالة والتنمية” على تسيير النظام أحادياً، وتقدم الأهداف الاستراتيجية التركية المتعلقة بمنع الكرد من تنمية قدراتهم وصولاً إلى الانفصال، إضافةً إلى الضغط الأميركي على تركيا لسلوكٍ جديٍ في محاربة الإرهاب، كان لا بد من بدء ما يشبه التحول في السلوك التركي حيال الأزمة السورية تحديداً.لقد صرح رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بأن النصرة كما داعش منظمتين إرهابيتين، وعلى الرغم من قصف الطائرات التركية الخجول لداعش مقارنة بقصفها لحزب العمال الكردستاني، فإن الخطوة التركية الجديدة تفيد سوريا من ناحية التضييق على إمدادات السلاح لداعش، أو على الأقل شيوع رؤية واحدة لدى كل الأطراف تفيد بتصنيف التنظيمات المتطرفة كمنظمات إرهابية.
ولكن ما البديل الذي تسعى إليه تركيا، خصوصاً وانها لم تتخل عن طموح إسقاط النظام في سوريا؟في هذا المجال، تحاول تركيا التوصل إلى صيغة ترضي الأميركيين، وتحقق هدف إسقاط النظام في الوقت نفسه، وهي تلعب في هذا المجال ورقة تقوية المقاتلين التركمان المنتشرين على الحدود التركية – السورية، وتسعى إلى تدريبهم وتسلحيهم ومن ثم تحويلهم إلى معارضة معتدلة مقبولةٍ أميركياً. هذا الأمر أدى في خطوته الأولى إلى استفزاز جبهة النصرة التي كانت تراهن على أنها الحصان التركي المفضل لخليفة داعش في مناطق سيطرتها. فقامت النصرة بخطف أعضاء “المجموعة 30” الذين دربتهم المخابرات الأميركية وأرسلتهم إلى سوريا كطرفٍ معارض موثوق فيه، وهم بالمناسبة من التركمان، ما يؤشر على فداحة مأزق أردوغان بخصوص الأزمة السورية.إذاً، تركيا غير قادرة على إسقاط النظام السوري، خصوصاً بعد المستجدات الأخير في المنطقة، وهي غير قادرة على خلق معارضة سورية معتدلة تكون حليفاً مطمئناً لها، وفي الوقت نفسه هي مضطرة للتخلي عن “داعش” و”النصرة”، كما أنها لا تستطيع السير وفق الإرادة الأميركية المتغيرة باتجاه التقارب والتفاهم مع إيران. هذا التقارب الذي تراه واشنطن اليوم أهم منجزات فترة أوباما الثانية، ولا تريد المخاطرة فيه من أجل طموح أردوغان. فما هي خيارات أردوغان الأخرى؟إستناداً إلى المقدمة التي بدأنا بها، تجد القوى الإقليمية، وتركيا منها، أن المجالات اليوم مفتوحة لحركة تعاون ثنائي بين الدول المؤثرة في المنطقة، بما يتجاوز التحالفات السابقة مع القوى الكبرى، والتي لطالما فرزت دول المنطقة إلى حلفاء لأميركا ومحور المناهضين للسياسة الأميركية.
من هنا، يلاحظ في السنوات الأخيرة، وخصوصاً في السنة الأخيرة، أن هناك تقارباً تركياً مع روسيا من جهة، ومع إيران من جهةٍ أخرى، من دون التخلي عن موقع أنقرة كعضو في “الناتو”، أو عن العلاقة مع واشنطن، وهي في هذا السياق دعت دول “الناتو” الى الانعقاد وفق المادة الرابعة من ميثاق الحلف، ومساندتها لأنها تشعر بتهديدٍ لأمنها من قبل “داعش” والكرد.بالنسبة للعلاقة مع روسيا، فإن قاعدتها الجديدة هي إمدادات الطاقة التي فتح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أفقاً واسعاً لها عندما ألغى مشروع “السيل الجنوبي” لمد الغاز الروسي عبر البحر الأسود إلى بلغاريا متجنباً تركيا، واستبداله بخط يمر من روسيا إلى تركيا عبر البحر نفسه تحت مسمى “السيل التركي”، الأمر الذي يعطي تركيا مكانةً اقتصادية هامة خلال العقود المقبلة. أكثر من ذلك، أكملت روسيا خطوتها هذه بتوقيع مذكرة تفاهم مع اليونان في 19 يونيو / حزيران الماضي، للتعاون في بناء وتشغيل خط أنابيب لنقل الغاز عبر الأراضي اليونانية، يكون امتداداً لخط “السيل التركي”. وهنا يمكن تلمّس سياسة استقطاب روسية موجهة للدول التي تعاني صعوبات في علاقاتها مع الغرب، من مصر إلى تركيا إلى اليونان والسعودية، فيما الاستقطاب المقابل من قبل الأميركيين يتمحور بالدرجة الأولى حول إيران.كما أن الروس والأتراك تعاهدوا على زيادة حجم التعاون التجاري بين البلدين من الرقم الحالي البالغ 33 مليار دولار إلى 100 مليار مع نهاية العقد الحالي، فتركيا هي ثاني أكبر سوق لصادرات الغاز الروسي بعد دول الاتحاد السوفياتي سابقاً، وفي مجال التعاون التكنولوجي والفضائي، أبرمت مؤسسة البحوث العلمية والتكنولوجيا التركية “توبيتاك” اتفاقاً مع معهد البحوث الفضائية الروسية وجامعة “كازان” للتعاون بينهما في مجال استكشافات الفضاء، وبالتالي فإن تطور العلاقة يسير بوتيرةٍ سريعة، لا يماثلها إلا التحولات الإيجابية المرتقبة في مسار الحل في المنطقة خلال الأشهر القادة.
أما من ناحية العلاقة مع إيران، فإن الصبر الإيراني على السلوك التركي في المنطقة خلال السنوات الماضية بدأ يثمر تقارباً بين أنقرة وطهران، باتجاه التعاون في شأن الحل في المنطقة وفي سوريا. ضرب “داعش” يصب في مصلحة هذا التقارب، ولكن عمقه مرتبط أيضاً بالمصالح الاقتصادية، فزيارة أردوغان الأخيرة إلى طهران كانت مؤشراً هاماً على ذلك، حيث صرّح الرئيس التركي بأن لقاءه “المهم والعميق” بالرئيس الإيراني “تطرق بشكلٍ أساسي إلى العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بالإضافة إلى الوضع الأمني والسياسي في المنطقة”، وأنه تم “الاتفاق على التعاون بين إيران وتركيا على مختلف الأصعدة، واعتبر أن هذا التعاون يمكن أن يمثل نموذجاً لبلدان المنطقة”، مشدداً على “ضرورة التحاور من أجل حل الأزمة في سوريا والعراق”.وركّز أردوغان على شعوره بالأسى لمقتل “المسلمين” في سوريا، في إشاره تقارب مع النظام الإسلامي في إيران، قائلاً: “في سوريا قُتل نحو 300 ألف شخص مسلم، ونحن لا نعلم من يقتل على يد من، وأنا لا أتحدث عن القضايا المذهبية لأن المهم لدي هم المسلمون والإسلام وعلينا أن ننظر إلى الأمور من منظار الإسلام”.

هذه الوداعة الإسلامية في تصريح أردوغان من طهران، ربطها في التصريح نفسه بالمصالح الاقتصادية. فبعد توقيع 8 مذكرات تفاهم اقتصادية مع إيران، أشار أردوغان “إلى وجود عقبات في الميزان التجاري بين البلدين كونه يميل لصالح إيران”، خاصة لجهة ثمن الغاز الطبيعي الذي تدفعه تركيا لإيران، إلا أنه أكد أن لدى البلدين الاستعداد اللازم لاتخاذ “خطوات كبيرة” لتذليل هذه العقبات.وعليه، واستناداً إلى فرضية أن نهاية الجزء الأهم والأكبر من الأزمة في سوريا مرتبط بموقف تركيا من محاربة الإرهاب، وبمدى جديته، فإن بوادر التحول التركي قائمة وتتقدم بسرعة، وستتجلى بشكلٍ أوضح خلال الأشهر القادمة.

في الجزء الثاني

نتابع في الجزء الثاني من هذه المادة، إمكانية تحول الموقف السعودي من الأزمة السورية بعد الاتفاق النووي، وبعد الاتفاق الأميركي – التركي حول مكافحة الإرهاب، كما نتطرق إلى خيارات إيران في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة؛ وبالطبع الواقع الميداني في سوريا واتجاهات الأزمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*