أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / حرب باردة ساخنة..آفاق الصراع الروسي – الأوروأميركي

حرب باردة ساخنة..آفاق الصراع الروسي – الأوروأميركي

فتيل التوتر بدأ فى الاشتعال ببطء منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003. تسارعت الوتيرة خلال التدخل العسكري الروسي فى أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عام 2008 ثم تزايد سرعة بعد أحداث شبه جزيرة القرم وضمها إلى روسيا. أظهر ذلك موسكو أمام أميركا وأوروبا أكثر قوة ونفوذا بشكل لم يسبق له مثيل منذ انهيار الاتحاد السوفييتى أوائل تسعينيات القرن الماضي. 

كان الرهان الأوروبي عموما والأميركي خصوصا خلال الأزمة فى جورجيا أن روسيا لن تتدخل عسكريا لحماية مناطق الحكم الذاتى فى أبخازيا وأوسيتيا. فاجأت موسكو كل الأطراف ومن ضمنهم إسرائيل التى دعمت القوات الجورجية بأنواع عديدة من الأسلحة استولت القوات الروسية على كميات منها خلال المعارك. بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا فإن صعود روسيا بهذا الشكل جعل من الضرورى البدء فى خطة عسكرية وسياسية أشبه بخطط المانيا النازية لغزو روسيا عام 1941. ملخص هذه الخطة هو فتح جبهات سياسية وأمنية عديدة فى مناطق النفوذ الروسي بشكل يجعل روسيا فى حالة تحفّزٍ دائم يساهم فى إبطاء الصعود الروسي. ربما يتسبب أيضا فى ارتكاب القيادة الروسية لأخطاء داخلية وخارجية  تؤدى إلى زعزعة استقرارها الداخلى وأمنها الأقليمى. هذه الاستراتيجية اشتملت على مرحلتين: الأولى هي “فتح وتوسيع الجبهات” والثانية بدأت منذ شهور وهي “إغلاق وتقليل الجبهات”.

فتح وتوسيع الجبهات

كانت بداية المرحلة الأولى لهذه الخطة هي التحرك الذى دعمته أوروبا والولايات المتحدة فى أوكرانيا خلال شباط / فبراير عام 2014 والذى أدى فى النهاية إلى إزاحة الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانكوفيتش وسيطرة موالين للغرب على سدة الحكم فى البلاد. وجدت روسيا نفسها أمام تهديد مباشر راهن فيه الغرب على عدم التدخل العسكري الروسي المباشر. للمرة الثانية تدخلت روسيا بشكل سريع ودقيق وفعّال لتبسط سيطرة عسكرية شاملة على أهم جزء فى أوكرانيا وهو شبه جزيرة القرم حيث قاعدة لأسطول البحر الأسود الروسي. هذا التدخل ساعد بعد ذلك على إتمام الاستفتاء الذى وافق فيه سكان شبه الجزيرة على الانضمام إلى روسيا. لم تلتزم الولايات المتحدة والناتو الصمت كما حدث إبان الأزمة الجورجية بل بدأت فى توسيع تحالفها ودعمها للقيادة الجديدة فى أوكرانيا والتى تعلن صراحة معادتها لروسيا وبدأت فى شن حملة عسكرية فى المنطقة الشرقية ما زالت قائمة حتى الأن.توسعت الولايات المتحدة فى فتح الجبهات أمام روسيا فكانت ميادين سوريا والعراق وليبيا ومصر. فى سوريا مارست الولايات المتحدة ضغطا مستمرا على الحكومة السورية وكان التهديد بضربة عسكرية أميركية هو المحك الذى تمكنت روسيا من استثماره لتحقيق هدفين: تخليص دمشق من عبء الأسلحة الكيميائية وإخراج الحكومة السورية من دائرة التهديد بضربة عسكرية أميركية. لكن الضغط الأميركي ظل مستمرا سواء بدعم عناصر المعارضة المسلحة مثل “حركة حزم” أو بالخطة الجاري تنفيذها لتسليح وتدريب “المعارضة المسلحة” من قبل حلفاء واشنطن الإقليميين.

فى الميدانين المصري والليبي حاولت الولايات المتحدة منذ ثورة 30 حزيران / يونيو ممارسة ضغط على مصر لتأخير توجهها الملحوظ فى اتجاه روسيا لكنها فشلت ليقترب التوجّه من تحالف كامل بين الدولتين ما يساعد مصر فى العودة إلى موقعها الطبيعي كلاعب مؤثر فى المنطقة. بوادر ذلك ظهرت فى التحركات المصرية العسكرية فى ليبياوفاجأت الإدارة الأميركية التي لم تخفِ معارضتها لها. عادت مصر إلى الاهتمام بالدفاع عن أمنها الإقليمى ومصالحها، وهي اليوم تدعم الجيش الليبي والحكومة المؤقتة دعما علنيا يصل الى الدعم التسليحي الذى يتحدى حظر التسلح المفروض على الحكومة الليبية. بات مشهد القنابل مصرية الصنع “نصر 250” المحملة على طائرات “ميغ 21” والتى زودت مصر بها سلاح الجو الليبي دليلاً واضحاً على تأثير الدعم الروسي غير المحدود لمصر خصوصاً بعد المؤتمر الاقتصادى الأخير وقرب وصول شحنات الأسلحة الروسية إلى مصر وعلى رأسها منظومة صواريخ “أنتاى 2500″والمناورات العسكرية المشتركة الواسعة المتوقعة قريباً.

الميدان العراقي كان أيضا معركة مفتوحة بين روسيا والولايات المتحدة. فروسيا تحاول دعم الجيش العراقي بالأسلحة والذخائر فى حين أن الولايات المتحدة تقلص شيئا فشيئا دعمها العسكري لبغداد وتلقي طائراتها بالذخائر والأسلحة الى عناصر تنظيم “داعش” فى سوريا والعراق ودائما “عن طريق الخطأ”.

إغلاق وتقليل الجبهات

من الملاحظ أن الولايات المتحدة بدأت منذ أشهر فى عكس الاستراتيجية السابقة ليصبح الهدف الرئيسى هو تقليل جبهات المواجهة مع روسيا، خصوصا الجبهات التاريخية. هي إذاً المرحلة الثانية من الاستراتيجية.  يبدو في هذه المرحلة أن المواجهة قد تحددت فى جبهات عدة محدودة تتميز بالقرب من الأراضي الروسية مع عدم إهمال بقية الجبهات التى تم فتحها سابقاً، ولكن فى الوقت نفسه تقليل التركيز الأميركي فيها وإعطاء مزيد من حرية التصرف لدول إقليمية حليفة للولايات المتحدة. كانت بداية هذا التحول الخطوة المفاجئة التى اتخذتها الولايات المتحدة بإعلانها أواخر العام 2014 تطبيع العلاقات مع الشوكة الروسية فى خاصرتها “كوبا”. تلا ذلك بوادر الاتفاق النووى مع إيران والوتيرة السريعة التى بدت عليها المفاوضات. هذه البوادر تبعها تراجع مستمر للدعم العسكري الأميركي للجيش العراقي الذى اقتصر فى الفترة الأخيرة على 45 مدرعة من نوع “MRAB” فى مقابل تزايد مطرد فى الدعم الإيرانى للجيش العراقي كانت آخر مظاهره بدء ظهور دبابات إيرانية الصنع من نوع “تي-72 أس” مع الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبى بالإضافة إلى أنواع اخرى من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وراجمات الصواريخ والعربات العسكرية.جاءت التصريحات المتتابعة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري حول مصر وسوريا لتكمل التغير الاستراتيجي في السياسة الأميركية فى المنطقة. فى مصر، حضر كيري المؤتمر الاقتصادي المصري الذى عقد مؤخرا فى شرم الشيخ وهو حضور سياسي بامتياز يعتبر فى حد ذاته تطوراً لافتا ومعاكساً للعلاقات المتأزمة بين البلدين منذ 30 حزيران / يونيو 2013. كيري أدلى في مصر بتصريحات لافتة، أثنى فيها على التطور المصري فى المجال الاقتصادى وأعرب عن توقعه إفراجاً أميركياً قريباً عن طائرات “أف-16” ومروحيات الأباتشي التى تم إيقاف تسليمها لمصر عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي.

قد لا تمثل هذه التصريحات تراجعاً كاملاً للسياسة الأميركية تجاه مصر، لكنها فى نفس الوقت دليل على تغيير مهم فى هذه السياسة لعل أهم أسبابه هو التقدم السريع فى العلاقات المصرية الروسية ونجاح القاهرة فى تنظيم المؤتمر الاقتصادى فى شرم الشيخ ما شكّل ضربة قاضية لأى رهان أميركي على عدم خروج مصر من أزماتها الحالية وبالتالي ابتزازها. بعد هذه التصريحات بيوم واحد صدر عن كيري تصريحات تتعلق بالشأن السوري ملخصها أن الغرب فى النهاية لن يجد مفراً سوى التفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد. رسالة كيري كانت واضحة على الرغم من ردود الفعل على تصريحه سواء من المتحدثة باسم الخارجية الأميركية أو من دول مثل تركيا والمملكة المتحدة وفرنسا. في السياسة والدبلوماسية، كل ما يقال مدروس. لعل الزيارة التى قام بها سابقا وفد نيابي فرنسي والتصريحات التى أدلت بها مفوضة السياسة الخارجية في الأتحاد الأوروبي حول لقاء مع ممثلين عن الحكومة السورية هما مؤشران مهمان على تعديل فى الاستراتيجية الغربية وعلى رأسها أميركا تجاه سوريا. 

مقابل التراجع، تحرك أميركي في المنطقة..للدعم المعنوي

أصبح الغرب أقل تصلبا نسبياً وأكثر اعتماداً على دول مثل تركيا لكن بحذر. الخطة الأميركية لتدريب عناصر المعارضة فى معسكرات تقع فى ولاية قيرشهيد التركية يضاف إليها حادث إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية “بريديتور أم كيو-1” فى أجواء اللاذقية يشيران إلى تحرك أميركي فقط لتقديم “دعم معنوي” للأطراف المدعومة منها فى الداخل السوري وللدول الأخرى المتورطة فى دعم أطراف مسلحة داخل سوريا. لعل التصريحات الأخيرة لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية حول إمكانية فرض منطقة حظر للطيران فوق حلب السورية تصب في خانة الدعم المعنوي نفسها. الحديث عن مناطق حظر للطيران ليس جديدا وسبق تكراره وهو تصريح موجه فى الأساس إلى تركيا التي بدأت تستشعر التغير فى الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا وتراقب إنجازات الجيش العربي السوري الميدانية فى درعا واللاذقية وحلب. دعم إيران وروسيا ليس بعيداً عن هذه الإنجازات وآخر ملامحه ظهور قاذفات إيرانية من نوع “سوخوي-22” للمرة الأولى فى أجواء حمص.كان التراجع الأميركي لافتا أيضا فى جبهات أخرى. يبدو أن الولايات المتحدة قد سحبت يدها تماما من الملف اليمني وتركته للسعودية التى تحاول دعم الرئيس عبد ربه منصور هادي، لكن الأخير يواجه موقفاً صعباً وصل الى قصف مقره الرئاسي بطائرات يمنية، ما اضطره إلى الخروج منه.

والوضع نفسه يتمظهر في العلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية التي هدّأت من خطابها الكلامي تجاه واشنطن ووجهته بصورة أساسية إلى جارتها الجنوبية واليابان.

أميركا تعيد تموضعها العسكري..الوجهة: دول البلطيق

فى نفس الوقت الذى بدأت فيه الولايات المتحدة فى أعادة التموضع فى الجبهات المذكورة سابقا بدأت فى تركيز ثقلها العسكري والدبلوماسى والتكتيكى فى جبهة رئيسية هى جبهة “دول البلطيق” وأوكرانيا. فقد بدأت بمعية حلف الناتو فى تشكيل ما يشبه جبهة عسكرية موحدة ضد روسيا تشمل دولا كانت سابقا فى الاتحاد السوفييتي وهي : 

أوكرانيا: بدأ حلف الناتو والولايات المتحدة فى تكثيف دعمهما السياسى والعسكري للرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو الذي أعلن الجهوزية الكاملة لجيشه بعد قرار البرلمان الأوكراني اعتبار لوغانسك ودونيتسك أراضٍ محتلة، ولعل هذا يؤشر إلى أن الحكومة الأوكرانية، متسلحة بدعم الغرب، تريد خوض المعركة فى الشرق الأوكراني إلى النهاية. 

أستونيا وليتوانيا : كان لافتاً العرض العسكري الذى أقيم في شباط / فبراير الماضى في مدينة نارافا الأستونية على بعد أمتار من الحدود مع روسيا والذى شاركت فيه أكثر من 140 دبابة ومدرعة أميركية ضمن الاحتفالات بعيد استقلال استونيا. دلالات توقيت هذا العرض تضاف الى تعزيز الناتو لقواته المتواجدة فى البلدين والمفاوضات الحثيثة التى تجريها أستونيا للتسلح ومنها مفاوضات لشراء صواريخ “غافلين” الأميركية المضادة للدروع بقيمة 55 مليون دولار ومفاوضات اخرى لشراء مدرعات من هولندا بقيمة 154 مليون دولار إلى جانب مفاوضات ليتوانيا مع بولندا لشراء منظومات للدفاع الجوى بقيمة 38 مليون دولار. 

لاتفيا : وصل مؤخرا اليها نحو 120 مدرعة ودبابة تابعة لحلف الناتو من طرازي “أبرامز” و”برادلي” إلى جانب 150 جندياً للبدء فى مناورات مشتركة مع جيشها، إضافة إلى توقيع صفقة بقيمة 60 مليون دولار لتزويدها بعربات قتال بريطانية مدرعة. 

بولندا : وصل اليها مؤخراً من الولايات المتحدة عدة بطاريات دفاع جوي من نوع “باتريوت” مع 100 جندى و40 عربة عسكرية تمهيدا للبدء فى مناورات بمشاركة الدفاع الجوي البولندي للتدرب على تكتيكات النشر السريع للبطاريات لحماية المنشات المهمة والمناطق السكنية ضد “هجمات صاروخية وجوية محتملة” وهذه المناورات جزء من خطة أكبر للتدريب المشترك بين حلف الناتو والجيش البولندي. 

كما بدأت بحرية الناتو فى مناورات بحرية فى البحر الأسود، وعزز الحلف بشكل متفاوت قدراته وقواته فى بلغاريا والمجر ورومانيا وسلوفاكيا ضمن قرار تمديد مدة النشر “المؤقت” لقوات الناتو فى دول البلطيق حتى أواخر العام الجاري، وهذا يعد تحايلاً على الاتفاقية التى تم إبرامها مع روسيا عام 1997 والتى تحظر أى تواجد “دائم” لقوات حلف الناتو فى هذه المنطقة. أيضا يشار هنا الى نية النروج بدء مناورات عسكرية تعد الأكبر لجيشها بالقرب من حدودها مع روسيا.

الرد الروسي..مناورات ضخمة وانتشار عسكري

لم تقف روسيا مكتوفة الأيدي حيال هذا التصعيد غير المسبوق على أطراف أراضيها فبدأت سلسلة ردود مباشرة وغير مباشرة على الناتو والولايات المتحدة.الردود السياسية والدبلوماسية: بدأت الحكومة الروسية على لسان عدد من مسؤوليها لم تخلُ من نبرة تهديدية وصلت إلى الحديث عن حق روسيا فى نشر أسلحة نووية فى شبه جزيرة القرم واستعدادها لاستخدام قوتها النووية إبّان أزمة شبه جزيرة.

الردود العسكرية: ردا على التحركات العسكرية للناتو والولايات المتحدة فى منطقة البلطيق، أعلنت روسيا خروجها التام من معاهدة الأسلحة التقليدية بعد أن كانت قد علقت العمل بها العام 2007. بدأت روسيا أيضاً هذا الأسبوع بأمر مفاجئ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوسع مناورات عسكرية تشهدها منذ المناورات الاستراتيجية التى أمر بها الرئيس السوفييتي “يورى أندروبوف” العام 1982.

فى شبه جزيرة القرم نشر الجيش الروسي قرابة ثمانية آلاف جندي تابعين لسلاح المدفعية والصواريخ بالإضافة إلى نشر قوات من مشاة البحرية الروسية وسلاح المهندسين فى محيط مضيق “كرتش” الذى يفصل ما بين شبه الجزيرة وروسيا. هذه القوات ستقوم بتجهيز منشآت دائمة لمراقبة المضيق وللرصد الجوى والبحرى. وصل أيضاً إلى شبه الجزيرة عشرة قاذفات استراتيجية من نوع “توبوليف 22” لها قدرة على شن هجمات نووية. ويعتزم سلاح الجو الروسي إبقاء هذه القاذفات فى شبه الجزيرة بصفة دائمة بداية العام المقبل. فى سيبريا  تنفذ القوات الجوية الروسية تدريبات على الأجراءات المضادة للحرب الإلكترونية وتشارك القاذفات الاستراتيجية الروسية من أنواع “توبوليف-95″ و”توبوليف-160″ و”توبوليف-22” فى مناورات لاختبار الدفاعات الجوية الروسية فى المنطقة بجانب تنفيذ مشاة البحرية الروسية لإنزال جوى كبير فى القطب الشمالى. أما فى إقليم كالينغراد الروسي تشارك طائرات “سوخوي-34″ و”سوخو-ي27” فى مناورات تدريبية بالإضافة الى مناورات لاختبار الجاهزية القتالية لقوات الصواريخ الروسية فى الأقليم .

تعتبر البحرية الروسية هى الجانب الأكبر الذى يشارك فى هذه المناورات حيث تنفذ البحرية الروسية بالاشتراك مع سلاح الجو تدريبات فى البحر الأسود، وكان لافتاً استخدام مقاتلات “سوخوي-30″ و”سوخوي-24” لبارجتين حربيتين تابعين للناتو فى البحر الأسود كأهداف للتدريب. أيضا تشمل رقعة تدريب البحرية الروسية جزيرة سخالين فى أقصى الشرق قرب اليابان وبحر بارينتس وبحر البلطيق. فى جزيرة سخالين نشرت البحرية الروسية قرابة ثلاثة الاف جندي وبدأت فى التجهيز لنشر دائم لبطاريات مضادة للطائرات. وفى بحر بارينتس تشارك الغواصات النووية الروسية بجانب القوات الجوية وقوات المظلات وقطع بحرية متنوعة فى تدريبات مكثفة. وتشارك نحو 40 قطعة بحرية روسية متنوعة بجانب طائرات من سلاح الجو فى مناورات فى بحر البلطيق. كان لافتا أيضا حدوث أول مواجهة اعتراضية بين طائرات روسية من نوعي “سوخوي-24″ وسوخوي-30″ و”اليوشن-76” وبين مقاتلات لحلف الناتو فى أجواء البلطيق. يضاف الى كل ما سبق تدريبات أخرى تجريها قوات مكونة من600 جندي من المشاة الميكانيكية والمدرعات والمدفعية الروسية فى أوسيتيا الجنوبية التى وقّعت مع روسيا مؤخرا اتفاقية للتعاون العسكري ومن المتوقع إجراء تدريبات مماثلة  فى أبخازيا وأرمينيا .

و نستطيع ان نضيف لكل ما سبق تكثيف سلاح الجو الروسي لطلعاته الجوية قرب اجواء النروج والمملكة المتحدة وتركيا والبرتغال وفنلندا وألمانيا بجانب التواجد الدائم للغواصات الروسية بالقرب من سواحل السويد.

الرد ايضاً..تعاون عسكري مع دول العالم

لم تكتف روسيا بهذا الرد الضخم على المستوى العسكري بل بدأت فى توسيع تعاونها العسكري مع دول العالم. حافظت على موسكو على علاقاتها العسكرية مع سوريا وبدأت فى التطوير المتزايد للعلاقات مع مصر وشرعت فى صياغة علاقة عسكرية خاصة مع فيتنام وقبرص واليونان وأميركا الجنوبية. فيتنام أعلنت رفضها لانتقادات أميركية سابقة لتواجد القاذفات الروسية من نوع “سوخوي-24” وطائرات النقل “اليوشن-78” فى قاعدة “كام رانه” التى تضم أيضا قطعاً بحرية روسية. الجدير ذكره أن القاذفات الروسية تتزود بالوقود من هذه القاعدة وتنفذ دوريات فوق جزيرة “غوام” التى تتواجد فها قاعدة جوية وبحرية أميركية. فنزويلا أيضاً رفضت تصريحات أميركية سابقة تنتقد نظام الحكم فيها والتعاون العسكري المتزايد بينها وبين روسيا. شرعت فنزويلا  فى مناورات للدفاع الجوى تشارك فيها روسيا والصين وتعتزم تقديم تسهيلات للقوات البحرية والجوية الروسية. أما عن قبرص فقد اتفقت روسيا معها من حيث المبدأ على تسهيلات تسمح باستخدام سلاح الجو الروسي لقاعدة “أندرياس باباندريو” الجوية القريبة جدا من قاعدة “أكروتيرى” الجوية البريطانية، واستخدام البحرية الروسية لميناء “ليماسول”، في ما أبرمت روسيا اتفاقا للتعاون العسكري والتدريبي مع اليونان . 

الاستحقاق الأهم الذى أثبتت فيه روسيا انها تستطيع المضي قدما فى هذه المواجهة متعددة الأوجه هو محافظة روسيا على المركز الثانى فى مبيعات الأسلحة على مستوى العالم برغم العقوبات الأوروبية حيث صدرت خلال شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط من العام 2015 – أسلحة ومعدات حربية بقيمة 2 مليار دولار –  وهذا الواقع أدّى الى تيقّن 7 دول أوروبية على رأسها  إسبانيا وإيطاليا من عدم فعالية العقوبات، وهذا قد يكون السبب وراء القرار الأوروبي المتوقع بتأجيل فرض عقوبات جديدة على روسيا . 

لعلها مفارقة مثيرة أن يتخذ الناتو نفس المنهج الذى اتخذته ألمانيا النازية فى أثارة القلاقل على تخوم روسيا تزامنا مع حلول الذكرى الـ 70 لانتصار الروس والحلفاء على المانيا النازية. ربما لن يحضر معظم القادة الأوروبيون للاحتفال الروسي بهذه المناسبة لكن الأكيد أن هذه الذكرى تعيد إلى الأذهان حقيقة أن روسيا كانت على شفير الهزيمة أثناء الحرب العالمية لكنها تمكنت فى النهاية من دخول برلين وإنهاء الحقبة النازية، فهل يقرأ الغرب هذه المقاربة قبل أن يصل التوتر فى منطقة البلطيق الى مرحلة الانفجار؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*