أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / هل انتهى مشروع الديموقراطية؟

هل انتهى مشروع الديموقراطية؟

ماذا يأتي «مشروع الديموقراطية» لديفيد غريبر على قائمة الكتب التي يتعين على القارئ مطالعتها؟ لأن قراءة كتاب غريبر ضرورية لفهم علاقة حركات الربيع العربي بالحركة الفوضوية العالمية المناهضة للدولة الوطنية، ولإدراك الفوارق في الطروحات النظرية وفي النتائج التي تترتب عليها، عندما تتحول إلى مواجهات في الشارع بين حركات سياسية في نيويورك ومدريد وأثينا وغيرها في بلدان لا تمتلك مجتمعاتها ودولها قدرا مماثلا من التماسك والمرونة.

التساؤل السابق والإجابة عنه هما للكاتب أسامة الغزولي مترجم كتاب «مشروع الديموقراطية.. التاريخ، الأزمة، الحركة» الصادر أخيرا عن سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

الكتاب للباحث ديفيد غريبر استاذ الأنثروبولوجيا في كلية غولد سميث بجامعة لندن وأحد منظمي حركة «احتلوا وول ستريت».

يبدأ غريبر كتابه بالحديث في مقدمته عن حركة «احتلوا وول ستريت» تلك الحركة الاحتجاجية الفوضوية التي بدأت في السابع عشر من سبتمبر 2011 في منطقة المال وول ستريت، الحركة تأثرت يومها بثورات الربيع العربي، وأرادت تحويل شارع وول ستريت إلى ميدان تحرير لوقف احتكار الشركات الكبرى وتأثيرها في القرار السياسي الاميركي.

ويشير غريبر إلى ما أطلق عليه «انفتاح الخيال الراديكالي» الذي سمحت به حركة «احتلوا وول ستريت» حيث يشير إلى أن تخليق ثقافة ديموقراطية سيتعين أن يكون عملية طويلة الأمد.

يتحدث غريبر عن بداية تكون فكرة حركة «احتلوا وول ستريت» ويقارن بينها وبين نشوء حركة «6 ابريل في مصر» التي لعبت دورا كبيرا في اندلاع الثورة المصرية، فيقول ان نظام مبارك القمعي كان محصنا على نحو يضمن الحيلولة دون سقوطه، لكنه سقط، ثم يتساءل: لماذا لا يحدث هذا هنا؟.

لكن غريبر يفرق بين هدف الحركتين؛ فالحركة المصرية كانت تسعى إلى سقوط دكتاتور، بينما «احتلوا وول ستريت» تسعى لانطلاق حركة جماهيرية تقوم على الديموقراطية المباشرة، إنه الحلم الذي طال منظمي الحركة بتحقيقه بقدر ما طال تخوف الممسكين بالسلطة منه، وكان عدم التيقن بتجسيده النهائي مماثلا لعدم التيقن بسقوط مبارك.

ويتساءل غريبر في الفصل الثاني من كتابه «لماذا نجحنا؟» ويطرح العديد من الأسئلة الموازية: لماذا اختلفت تغطية وسائل الإعلام لـ«احتلوا وول ستريت»؟ لماذا انتشرت الحركة بهذه السرعة في جميع أنحاء اميركا؟ لماذا يمسّ احتجاج نظمه شباب متعلم وتراً حساسا لدى الطبقة العاملة في أميركا؟ لماذا رفضت الحركة التقدم إلى النظام السياسي بمطالب أو أن تشتبك معه؟.

ربما كان أهم الأسئلة التي طرحها غريبر: لماذا حركة هي ثورة صريحة؟ ويجيب بأن أهم اسباب نجاح «احتلوا وول ستريت» يعود إلى راديكاليتها، ويشير إلى أنها لم تكن مجرد حركة شعبية ولا حتى مجرد حركة راديكالية، بل حركة ثورية فجرها فوضويون واشتراكيون وثوريون.

ويشير غريبر الى انه إذا كان بوسع المصري والتونسي والاسباني واليوناني أن ينظروا جميعا إلى الترتيبات السياسية والاقتصادية التي يحيون في ظلها، وبالتالي استهجانها من تحول راديكالي، فالأميركيون لا يمتلكون هذا الترف، وبالتالي فعلوا الأمر بأنفسهم ومن خلال حركة ثورية بدأت بتحد مباشر لطبيعة النظام الاقتصادي ذاته.

لكن ثمة سؤالا آخر لا يقل أهمية عن سابقه يطرحه غريبر: لماذا بدا على الحركة أنها تنهار على هذا النحو السريع بعد إخلاء المخيمات في نوفمبر 2011؟ ويشير غريبر إلى مجموعة من الأسباب أعطت هذا الإيحاء، ومنها انهيار الجمعية العمومية للحركة، وأن التباطؤ في القرار أعطى الناس إيحاء بان الحركة تنهار، بالإضافة إلى التحول المفاجئ في تكتيكات الشرطة الذي جعل من المستحيل على الناشطين أن يخلقوا أي نوع من الفضاء، كما أن وسائل الإعلام ساهمت في التعتيم على ما يحدث.

ويشير غريبر إلى أنه في حدود الحراك الاجتماعي فإن سنة واحدة ليست بشيء، وان الحركات التي نجحت في استهداف تحول خلقي واسع احتاجت وقتا أطول، لكن في عام واحد نجحت «احتلوا وول ستريت» في تشخيص المشكلة: نظام للسلطة يصهر كلا من صناعة التمويل والحكم معا، كما نجحت في اقتراح الحل: تخليق ثقافة ديموقراطية على نحو أصيل.

وبعد أن يتحدث غريبر عن التاريخ الخفي للديموقراطية وكيفية تحول الصراع بين السلطة والجماهير، ينتهي إلى أن حل مشكلاتنا يكمن في الديموقراطية التي تتخذ من التوافق بديلا للتصويت، والإجماع بديلا للأغلبية، إنها الديموقراطية التي يراها ببساطة غريبر في قدرتنا على أن نجتمع ككائنات بشرية تحتكم إلى العقل لنستنبط المشكلات المترتبة على ذلك، وهي قدرة لن يتيسر تحقيقها بصدق إلا عندما تنهار أو تتلاشى بيروقراطيات الإجبار التي تقوم على البنى الراهنة للسلطة.

وإذا كان حلم غريبر يبدو بعيد المنال، على الاقل في اللحظة الراهنة، فهو يعلن عن تفاؤله بأن أحداث 2011 كشفت أن زمن الثورات لم ينته، وأن الخيال الإنساني يرفض في عناد أن يموت.

موضوع ذو صلة 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*