أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / ديموقراطية بلا اخلاق

ديموقراطية بلا اخلاق

ترتبط السياسة بالسيكولوجيا بعلاقة عضوية تعود الى البدايات الأولى للفكر الإنساني. اي الى ما قبل تشكل المفاهيم النظرية لأي منهما. و بالعودة الى أرسطو نجده يصنف السيوكولوجيا والسياسة و الاقتصاد في إطار العلوم التطبيقية . معرفا الأخلاق على انها علم دراسة السلوك الشخصي ، و الاقتصاد على أنه علم تدبير معيشة العائلة و السياسة على انها علم تدبير “المدينة – الدولة”. لكن الطابع العضوي لهذه العلاقة يعود عمليا الى حاجة السياسة الماسة لأية وسيلة تسهل الاتصال الذي يحتاج بدوره الى أية معلومة تساهم في إكمال فعاليته و تدعيمها.

هذا وتعود البدايات الحديثة لعلم السياسة إلى مطلع الخمسينيات وهي اقترنت ببدايات علم النفس السياسي. فقد نشرت منذ مطلع هذا القرن العديد من البحوث النفسية –السياسية. التي بدأها فرويد بعودة إلى ما قبل الحضارة البشرية لينتقل بعدها إلى دراسة الأساطير وتحديدا مناقشة الأساطير اليهودية ومسألة التوحيد في كتابه “موسى والتوحيد”ليدخل بعدها مباشرة إلى السياسة في مقالته “أفكار لأزمنة الحرب والموت”. ثم كانت دراسات يونغ الشهيرة حول الأساطير واللاوعي الجماعي وعلاقتهما باللاوعي الفردي. وبعدها أتت محاولة إتباع فرويد والمنشقين عنه للتوفيق بين التحليل النفسي والسياسة والنظرية الماركسية خصوصا. كما تجدر الإشارة إلى الكتاب الذي نشره غراهام والاس في العام 1921 تحت عنوان ” الطبيعة الإنسانية في ميدان السياسة”.

لكن البحث العلمي الحقيقي في ميدان السيكولوجيا السياسة بدأ في الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية. حين تدعمت هذه البحوث بهجرة مكثفة لعلماء النفس الأوروبيين الهاربين إلى أميركا من الحرب. فبدأت هذه البحوث من منطلقات أثنية (عرقية) وسخرت هذه البحوث لدراسة اللاوعي الجماعي والشخصيات الأممية لأصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها. في محاولة لتسخير سيكولوجية الرأي العام في الاتجاه السياسي المناسب. وهكذا بحيث يمكن اعتبار ولادة السياسة وايكولوجيا السياسية في مطلع الخمسينيات ولادة توأميه. لكن هذه الفترة وتحديدا العام 1952 سجلت ترسيخ العلوم النفسية كعلم له منهجيته الطبية الصارمة. إذ شهد هذا العام ظهور دواء الكلوربرومازين (دواء معقل) الذي كان مقدمة لإرساء الطب النفسي كأحد فروع الاختصاصات الطبية مما أذكى الصراع بين هذا الفرع المستجد ( الذي وجد لنفسه التطبيقات في الميادين السياسية والعسكرية والحضارية….الخ) وبين بقية الفروع المعنية بهذه الميادين. بل إن الطب النفسي بدا وكأنه يحاول وضع النظم الأخلاقية لهذه الفروع وخصوصا السياسية منها. إذ يرى الطب التفشي ضرورة الإفادة من معارفه( وضرورة مساعدة بقية الفروع له) لكي يحقق الضوابط الأخلاقية التالية:

1- إن أية أبحاث تعمل على إحداث تغييرات في كينونة الإنسان (مثل التربية العبقرية وأبحاث الهندسة الوراثية والاستنساخ والجراحة الدماغية…الخ). ويجب أن تكون خاضعة لسياسة اجتماعية صارمة تهتم بتوجيه هذه الأبحاث لتحسين شروط معيشة وسعادة الإنسان..

2-  أن مثل هذه الأبحاث يجب أن يمنع توجيهها باتجاه تحقيق تفوق أفراد أو جماعات أو شعوب على حساب غيرها من البشر.

3- يجب النظر إلى جميع محاولات (تحسين) السلوك الإنساني على أنها اعتداء على حرية الشخص. باستثناء الحالات التي تتم فيها هذه المحاولات بطلب من الشخص نفسه لاستشعاره الحاجة إليها. على أن تدعم بالآراء العلمية-الموضوعية هذا الاستشعار.

4- إن “اللاانسنة” المتمثل باستبدال أعضاء بشرية هامة بأعضاء حيوانية هي مسألة تطرح إشكاليات أخلاقية خطيرة.

5- أن الرغبة الشخصية بالاستفادة من تقنيات معينة لاستغلالها لتحقيق أهداف شخصية من شأنها أن تنسف قواعد السياسة الاجتماعية وأخلاقياتها. الأمر الذي يقتضي التريث في تشريعها لقياس مدى قدرة هذه السياسة على استيعاب التعديلات. مثال على ذلك أن الدعوة العالمية للحد من زيادة السكان (ومعها دعوة الشعوب لا يتجاوز متوسط أعمارها الأربعين عاما للحد من التكاثر) تصطدم بالرغبات الشخصية في الإنجاب باستخدام تقنيات طفل الأنبوب أو الاستنساخ أو غيرها.

6- إن أية محاولة لتعديل الشخصية يجب أن تخضع لتحري دوافع هذه المحاولة سواء من قبل شخص أو من قبل الاختصاصي الذي يتولى عملية التعديل.

7- إن تطور تقنية الاتصال (ومعها التجسس على الأفراد) يؤمن مراقبة دقيقة لسلوك الأشخاص مما يزيد من احتمالات إساءة الاستغلال السياسي لهذه المراقبة ( خصوصا بعد أن نعلم أن دولا نامية عديدة تخضع بشكل جماعي لهذا النوع من المراقبةّ). 

8- أن موضوع ولادة بدون رحم ومعها موضوع الاستنساخ هي مواضيع تلامس حساسيات تحديد الانتماء العائلي. الأمر الذي يهدد مفاهيم البنية العائلية في المجتمع البشري. وهو تهديد يستحق الدراسة والمناقشة المعمقة.

9- إن محاولات زيادة الذكاء الإنساني (نسبة 20% ) أو مايعرف بمحاولات إنتاج جيل من العباقرة , وأيضا محاولات زيادة متوسط أعمار البشر بحوالي عشرين بالمائة إضافية , هي محاولات محفوفة بمخاطر الاحتكار الذي يؤدي إلى التفرقة والتمييز العنصريين( العلميين) مما يجعل تكاليف هذه الأبحاث الأخلاقية خارج إطار قدرة البشرية على تحملها. فهي تشجع فرز البشر إلى أذكياء وأغبياء لكى يعني ولادة نوع جديد من الأسباب الممهدة لانتهاك حقوق الإنسان.

10- ترتبط كرامة الإنسان بقاعدة ذهبية تقول إن البشر يكونون أكثر فعالية وعطاء(أي أكثر إنسانية) عندما نعاملهم كأحرار مسئولين متمتعين باستقلاليتهم الذاتية وبرفادتهم.

11- إن مسألة الحفاظ على التنوع الإنساني ( الجيني والثقافي ) هي مسألة حيوية –محورية.  ومحاولة إنتاج مخلوقات مثالية جينيا ( أو ثقافيا عن طريق العولمة) هي محاولة تحرم الإنسانية من هذا التنوع.

12- يجب أن تبقى العائلة الواحدة الرئيسة لتكاثر البشر ويجب الإصرار على عدم استبدالها بأي من الوحدات المقترحة. وحول حبة الرمل هذه (أي العائلة) أي تطور اللؤلؤة التي تشكل التنوع الثقافي الإنساني. الذي لم تستطع الاقتراحات المطروحة لغاية اليوم أن نأي ببديل له.

وبهذا تبدو العلوم النفسية , الطب النفسي خصوصا , وكأنها خط الدفاع الضابط لأخلاقيات السياسة. لكن هذا الضابط لا يشكل سوى قمة جبل الجليد. فمن ناحية يقع الطب النفسي ومعه العلوم النفسية والإنسانية كافة تحت تأثير علوم أخرى مثل الاقتصاد والاتصال والإحصاء. وهذا الأخير بات قادرا على فبركة النتائج بأي اتجاه كان , وباتت الإحصاءات لعبة بدون قواعد.

من ناحية أخرى فقد وقعت العلوم النفسية في أسر الفكر السياسي. فعلاقة هذه العلوم بالفلسفة علاقة قديمة وعضوية ومتبادلة. فلو راجعنا التصنيفات المقترحة للأمراض النفسية لوجدنا أنها متأثرة لدرجة التوحد بالفكر السياسي السائد. فالتصنيف الأمريكي يعتمد المبادئ البراغماتي والظواهري من خلال تحديده للتشخيص من خلال العوارض. حتى أعتبر بعض المؤلفين يئن التصنيف الأمريكي هو حصان طروادة الذي يحاول الفكر الأمريكي النفاذ من خلاله إلى عقول الأطباء النفسيين حول العالم. فإذا ما أضفنا الوقائع المتوافرة حول إساءات استخدام الطب النفسي فإنا نجد أن الفن المسمى بالسياسة قد أمتلك القدرة على السيطرة وعلى تسخير العلوم لمصلحته مع بقاء قواعده سرية وعصية على الإرصان في مناهج أكاديمية خاضعة للمنطق العلمي وقابلة للتجريب.

دول تسيء استخدام الطب النفسي

الديمقراطية بلا أخلاق

هنا تبرز إساءات الاستخدام السياسي الموجه من قبل دول للطب النفسي وهي إساءات لها تاريخها وبخاصة لدى المخابرات الأميركية. واحدثها تقرير مستقل صدر في 4/11/2013 أن أطباء وممرضين تواطأوا في تجاوزات وسوء معاملة بحق المعتقلين في سجون تديرها وزارة الدفاع (بنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) منتهكين بذلك واجباتهم الأخلاقية والمهنية.

وذكرت الدراسة، التي أجراها عشرون خبيرا من قانونيين وأطباء وعسكريين، أن العاملين الطبيين ساهموا في ابتكار وتيسير وتنفيذ “أعمال تعذيب ومعاملة قاسية ولا إنسانية ومهينة” للمعتقلين.

وطلب التقرير -الذي استغرق إعداده سنتين- من لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ التحقيق بشكل معمق في الممارسات الطبية في المعتقلات.

وجاء فيه أن “وزارة الدفاع وسي آي إيه طلبتا بشكل تعسفي من الطواقم الصحية أن تتعاون في عمليات انتزاع معلومات، وكذا في الممارسات الأمنية بشكل ألحق ضررا بالغا بالمعتقلين لدى الولايات المتحدة”.

التخلي عن الأخلاق

وردا على التقرير الذي صدر بعنوان “التخلي عن الأخلاقيات.. الاحتراف الطبي والتجاوزات بحق المعتقلين في الحرب على الإرهاب” اعتبرت “سي آي إيه” أن ما جاء فيه “خاطئ” في حين وصفت وزارة الدفاع استخلاصاته بأنها “عديمة المعنى”.

ولفتت الدراسة إلى أن تلك الانتهاكات التي اقترفت بالسجون الأميركية بأفغانستان وفي قاعدة غوانتانامو ومعتقلات “سي آي إيه” السرية بدأت بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وقال أحد واضعي الدراسة، وهو أستاذ الطب بجامعة كولومبيا، جيرالد تومسون، إنه “من الواضح أنه باسم الأمن القومي نكث العسكريون (بالقسم الطبي) وتم تحويل أطباء إلى عملاء للجيش نفذوا أعمالا مخالفة للأخلاقيات والممارسات الطبية”.

وأشار ليونارد روبنشتاين -وهو مشارك بالدراسة وأستاذ القانون والصحة العامة بجامعة جونز هوبكينز- إلى دور للأطباء والممرضين في التغذية القسرية للمضربين عن الطعام بغوانتانامو وتقنيات الاستجواب الشديدة والإيهام بالغرق الذي استهدف موقوفين مشتبها بهم في عمليات “إرهابية”.

وأعلنت “سي آي إيه” أن التقرير “يتضمن أخطاء بالغة واستنتاجات مغلوطة”. وقال مدير الاتصالات بالوكالة دين بويد إن “سي آي إيه لم تعد تحتجز أي معتقل” وإن الرئيس باراك أوباما وضع حدا لبرنامج الاعتقال والاستجواب بموجب مرسوم عام 2009.

وصدر رد فعل مماثل عن البنتاغون، وأثنى المتحدث تود بريسيل على احتراف الأطباء الذين يعملون “في ظروف من الضغط الشديد بعيدا عن بلادهم وعن عائلاتهم ومع مرضى مارسوا عنفا استثنائيا”.

د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المسقبلية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*