أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / الأبعاد السياسية الداخلية لطلب التفويض بالتدخل العسكري

الأبعاد السياسية الداخلية لطلب التفويض بالتدخل العسكري

تستمر وتتصاعد وتيرة العمليات العسكرية الأميركية ويتعزز الإعداد لها، لا سيما في العراق وسوريا واليمن وأماكن أخرى من العالم، ويسقط الضحايا دون عناء تحمل المسؤولية، بينما تنشغل المؤسسة الحاكمة في إدارة جدل حول سن قرار جديد يتناول التفويض القائم للسلطة التنفيذية حق إستخدام القوات العسكرية في عمليات عدوانية خارجية، بدواعي فرض قيود تحد من إستغلال الرئاسة للثغرات القائمة تورط البلاد في حروب قد تطول. ت
جاوب الرئيس أوباما مع “مطالب” قادة الكونغرس من الحزبين، الذين أمطروه بسلسلة ضغوط وتهديدات بغية “إشراك” السلطة التشريعية في التحكم بقرارات مصيرية ناجمة عن “ممارسة الرئيس لسلطته الدستورية في تطبيق السياسة الخارجية.” وأرسل مشروعه المقترح، بعد إنقضاء نحو ستة أشهر على شن أميركا غارات جوية في العراق وسوريا، لمناقشته والتصويت عليه تحت عنوان محاربة تمدد الدولة الإسلامية في العراق والشام، يحدّث التفويض السابق لسلفه الرئيس جورج بوش الإبن، 16 تشرين الأول 2002، بغزو وإحتلال العراق؛ ويستثني تفويض الكونغرس لعام 2001 الخاص بتعقب ومحاربة الإرهاب والإرهابيين. اللافت إن مشروع التفويض لا ينص على فترة زمنية تحدد إنجاز مهمته، والذي يمكّن الرئيس أوباما، والرئيس المقبل، الإستناد إليه كما هو للإستمرار في المغامرات العسكرية الخارجية لما ينطوي عليه من غموض وإبهام وثغرات تحجب مساعي إستبداله. فترة السنوات الثلاث المذكورة في التفويض وفرت فرصة لمناهضي التدخل داخل الحزب الديموقراطي للمطالبة بإخضاع قرار التفويض لعام 2001 أيضاً لنهاية متزامنة، كما دعت زعيمة الأقلية الديموقراطية في مجلس النواب، نانسي بيلوزي.

طالبت قيادات الحزب الديموقراطي مراراً بإلغاء “تفويض بوش” المذكور، لاسيما في الفترة الزمنية بين حزيران 2011 وآب 2014، والذي تبناه الرئيس أوباما معلناً نيته “إنهاء التورط بحرب العراق؛” وطالب بالمقابل إستصدار تفويض جديد “يتضمن أطر وصلاحيات قانونية لإستمرار العمليات العسكرية الجارية، ويلبي إحتياجات المرحلة بيد أنه تباطأ في صياغة مسودته خشية تحمل تبعاته المتعددة، وترحيل المسؤولية لخصومه في تركيبة الكونغرس الجديد. وسرعان ما واجه المشروع إنتقادات حادة ليس من خصومه الجمهوريين فحسب، بل من قادة في الحزب الديموقراطي عينه، كل لدوافعه واعتباراته الخاصة. رئيس مجلس النواب جون بينر قال إنه وزملائه الجمهوريين يريدون منح “القيادة العسكرية المرونة والصلاحية الكافية لهزيمة التنظيم المتشدد أينما وجد،” مشيداً تضمن النص تعهداً أنه لا يرمي لتورط “طويل الأمد” للقوات العسكرية الأميركية. وأضاف بينر السياسة الأميركية بحاجة “لصياغة إستراتيجية عسكرية شاملة وتفويض متين لا يفرض قيوداً على خياراتنا” المتاحة؛ متوجها بإنتقاد الرئيس أوباما “لعدم التيقن من أن إستراتيجيته المقدمة ستنجز المهمة الذي طالب بها الرئيس.

” محور إنتقاد “صقور” الحزب الجمهوري إن مسودة المشروع “تضع قيوداً متعددة على شن عمليات عسكرية.” وتطوع رئيس مجلس النواب جون بينر للتشكيك مرة أخرى بأهداف الرئيس الذي “يرمي لتفكيك وتدمير داعش، ولم أرى خطة استراتيجية للحظة أعتقد أنها بإستطاعتها تحقيق ذلك.”

بعض زعماء الحزب الديموقراطي إعتبر المشروع “فضفاضاً” ينطوي على جملة ثغرات قد تؤدي بالبلاد إلى الإنزلاق في حروب شبيهة بالحرب على فييتنام، اذ ان الصيغة النهائية للمشروع قد لا تضع أي قيود أو اشتراطات على مغامرات عسكرية، بل تمهد الأجواء للمضي في حروب مفتوحة الأمد؛ خاصة وأن الصيغة الأولية تفوض الرئيس “إستخدام قوات برية في ظل ظروف محددة،” لمدة 3 سنوات، بما فيها إستخدام القوات الخاصة والقيام بعمليات إنقاذ. مشروع التفويض خلا من أي قيود جغرافية تحد من تمدد رقعة الإنتشار ضد “أفراد أو قوات مرتبطة” بالدولة الإسلامية؛ مما يعيد إلى الأذهان “تفويض بوش .. لملاحقة أي كان له علاقة بهجمات 11 أيلول.”

الصديق الوفي للرئيس أوباما وعضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرجينيا، تيم ماكين، أصدر بياناً عاجلاً أعرب فيه عن “قلقه من أبعاد وغموض إستخدام القوات البرية الأميركية،” كما نصت مسودة المشروع والتي تتعهد بعدم السماح “للقوات البرية تنفيذ عمليات هجومية مستدامة؛” المصطلح الذي أثار حفيظة العديد من المسؤولين لضبابيته.

المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية، هارولد كول، أوضح أن إستناد الرئيس أوباما إلى التفويض السابق “يخالف وعوده بإنهاء الحروب مفتوحة الأجل.” بعد إنقضاء نحو 13 عاماً على التفويض الأساس، لا زالت القوات الأميركية تشن حروبها في أفغانستان وباكستان واليمن والصومال ومالي وتشاد، فضلاً عن العراق وسوريا. العضو الديموقراطي في لجنة الإستخبارات التابعة لمجلس النواب، آدم شيف، أوضح أن الغموض المقصود يسمح للرئيس “إمداد نحو 100،000 جندي للتدخل في سوريا ويبرره بأنه “تدخل غير مستدام”.”

وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” مشروع التفويض المقدم بأن غموض المضمون كان مقصوداً وشكل “حلاً وسطاً لتهدئة خواطر أعضاء الكونغرس في معسكري رفض التدخل الخارجي وأنصار التدخل ..”

جدير بالذكر أن “السيناتور أوباما” آنذاك وجه إنتقادات حادة للكونغرس لميوله إصدار “شيك مفتوح” للرئيس جورج بوش الإبن شن عدوان على العراق، إستناداً إلى نص التفويض المذكور (2002). مسودة أوباما تنطوي على جملة “إستثناءات” لتوسيع نطاق العمليات العسكرية، من بينها إخراج مجموع القوات الأميركية الراهنة في العراق، 3،000، من الإمتثال للنص؛ وبإستطاعته أيضاً نشر قوات عسكرية إضافية في صيغة “مستشارين، وقوات خاصة، ووحدات تحكم مشتركة لإسناد الغارات الجوية وطواقم البحث والإنقاذ.

يأخذ الجمهوريون على الرئيس أوباما ميله الإقلاع عن صياغة “حازمة أو هجومية” تفوق صيغة التفويض الراهن. وأوضح أحد قادة الحزب الجمهوري عشية تقديم المشروع أنه “إستناداً إلى جلسة مناقشة خاصة، فإن البيت الأبيض يستخدم تفسيرات تقيد بشدة مصطلح “عمليات هجومية مستدامة” أبعد مما كان متوقعاً، الأمر الذي يشكل عقبة كبيرة محتملة.” غني عن القول ان المصطلح الفضفاض أيضاً يثير قلقا داخل أوساط الحزب الديموقراطي ليس لعدم دقته فحسب، بل لمضمون الأمد المفتوح.

التفويض والمناكفات الحزبية
الأبعاد والتداعيات السياسية للتفويض دائمة الحضور في المشهد السياسي لاسيما والحملة الإنتخابية على الأبواب. إن إستطاع الرئيس أوباما إستصدار موافقة الكونغرس عليه بصيغته الحالية، وهو أمر مستبعد، فإن الرئيس المقبل سيجد نفسه مقيداً في شن حرب برية ضد الدولة الإسلامية لحين إنتهاء مفعوله عام 2018، على الأقل. أولى التداعيات، إستناداً لتلك الفرضية، ستصيب المرشحة المحتملة للرئاسة هيلاري كلينتون وخفض حظوظ نجاحها إلى الحد الأدنى، إذ سيستمر العمل بالسياسة الراهنة “والإستراتيجية غير الفاعلة” لنحو عام بعد مغادرة الرئيس أوباما. في هذا الصدد يشار إلى إدراك البيت الأبيض مبكراً مواطن ضعف المرشحة كلينتون لا سيما تدني شعبيتها أمام عدد من خصومها في الحزب الجمهوري. الجمهوريون الطامعين في الترشح لمنصب الرئيس سارعوا بإنتقاد مسودة التفويض نظراً “لهشاشته والقيود التي يفرضها على أي إجراء محتمل” يتطلب قراراً رئاسياً للتدخل العسكري؛ وتوجيه اللوم للرئيس أوباما لخلو المسودة من خطوات واضحة مفصلة لشن الحرب “بغية الفوز بها.” المرشح المتشدد تيد كروز أوضح أمام جمع في مركز السياسة الأمنية أنه “يأمل أن يؤدي الجدل حول المسودة إلى الضغط على الإدارة لصياغة أدق وأوضح للأهداف والإجراءات التي تنوي تحقيقها.” وأضاف أن السؤال البديهي يتمحور حول طلب الإدارة “إستصدار تفويض من أجل ماذا، ماذا ينبغي فعله وآلية تحقيق ذلك.” وشدد كروز على أن الرئيس أوباما أخفق في ترك إنطباع “بجدية الهدف.”
وكعادة الساسة الأميركيين تحديداً في إزدواجية الآراء والمعايير، طالب تيد كروز بلاده بتسليح أكراد (العراق) على الفور؛ وإستدرك محذراً إقرانه في الكونغرس من ضرورة التوجس بمنح القائد الأعلى للبلاد “تفويضاً مفتوحاً” لشن الحرب. ويسخر كروز من خصومه الديموقراطيين معتبراً السياسة الخارجية هي ثمة ثلاثية “أوباما وكيري وكلينتون.” في الطرف المقابل، معسكر صقور الحرب، أوضح السيناتور ليندزي غراهام – عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، أنه يتعين على الكونغرس المصادقة على “تفويض لا لبس فيه” للرئيس أوباما لمحاربة مسلحي داعش. يشار عادة إلى العلاقة الوطيدة بين الثنائي “جون ماكين وليندزي غراهام،” وتطابق مواقفهما السياسية المتشددة من مجمل القضايا الداخلية والعالمية. إعتبر جون ماكين أن زميله غراهام سيصعد نجمه في السياسة الخارجية “إضطراداً مع تردي الأوضاع” وإزدحام المشهد الإنتخابي، ممهداً بذلك لإحتمال دخول غراهام السباق الرئاسي عن الحزب الجمهوري. سياسات غراهام المتشددة وميله للتدخل العسكري لقي امتعاضاً من مرشحين محتملين للإنتخابات، اذ قال السيناتور راند بول إنه “غير متحمس” لإرسال قوات أميركية للشرق الأوسط، ويطالب الكونغرس بتقييد التفويض لشن الحرب لسنة واحدة. يدرك بول وآخرين عزوف الجيل الناشيء عن دعم سياسات الحزب وجهوزيته للتدخل العسكري، متوسلا تأييد ذلك الجيل باعلانه “لست من أنصار إعلان حرب عبر العالم .. أناهض إعادة 100،000 جندي إلى الشرق الأوسط”.
في الطرف المقابل والمقامر يبرز السيناتور المتشدد ماركو روبيو إعلان جهوزيته “لإرسال قوات برية لتلك المنطقة، إن تطلب فوز المعركة ذلك.” روبيو يشاطر غراهام سياساته وتطلعاته، بيد أن ما يفصلهما عن بعضهما البعض “الخبرة الطويلة،” التي يتمتع بها غراهام، كما أشار ماكين.
الحزب الديموقراطي أيضاً يواجه إمتحاناً قاسياً لو تمت المصادقة على التفويض بشن الحرب. وعمدت السيناتور اليزابيث وورين، المعروفة بميولها الليبرالية، إلى الإبتعاد المبكر عن سياسات الرئيس أوباما وخصمها المحتمل هيلاري كلينتون اذا دخلت السباق الرئاسي. وقدمت مشروع قرار في الكونغرس يلغي التفويض السابق للعدوان على العراق الشهر الماضي. وأوضحت وورين أن الغاية من “المشروع هي للتذكير بتفويض الكونغرس لإستخدام القوات العسكرية وإن العمل العسكري ينبغي أن يلجأ اليه كخيار أخير” أمام الرئيس. قاعدة الحزب الديموقراطي تشاطر وورين معارضتها للحروب، مقارنة مع ميل هيلاري كلينتون للخيار العسكري، لا سيما في العدوان على ليبيا اثناء توليها منصب وزير الخارجية. التصويت لصالح المشروع سيكلف المرشح خسارة قاعدة إنتخابية معتبرة. إستطلاعات الرأي التي أجريت حديثاً أشارت إلى تفوق وورين على كلينتون في “ولايتي جس النبض الإنتخابي،” ايوا ونيو هامبشير، على الرغم من تصريحات وورين العلنية والحازمة بأنها لا تنوي دخول السباق الرئاسي. أيضاً من بين “الأقلية” المناهضة للحرب في الكونغرس يبرز السيناتور المستقل بيرني ساندرز والذي صوت ضد قرار التفويض عام 2002. وأوضح ساندرز لجمع في معهد بروكينغز للأبحاث أن “هناك بعض الزملاء في الكونغرس يحبذون الحرب اللامتناهية. إنني غير راغب في رؤية حرب مفتوحة الآفاق في الشرق الأوسط؛” لكن ساندرز لم يفصح عن وجهة تصويته المقبلة. جدير بالذكر أن التفويض الراهن ساري المفعول يخول الرئيس اوباما المضي في حربه وفق المستويات الحالية، واشد ما يخشاه زعماء الحزب الجمهوري أن تصبح الحرب ضد داعش متلازمة معه (أي الكونغرس) بدلاً من توصيفها بحرب الرئيس أوباما. كما يجتاح القلق الطامعين في الترشح لمنصب الرئيس خاصة في حال تدهور الحرب إلى الاسوأ، مما يتعين على المرشح الجمهوري الذي صوت لصالح التفويض الشعور بالحرج والتزام موقف الدفاع.
كما من شأن مصادقة الأغلبية الجمهورية على قرار التفويض ترك تداعيات سلبية على عدد من أعضاء الكونغرس المرشحين لدخول السباق الرئاسي، لا سيما وأن أوفرهم حظا يتبوأ منصب حاكم ولاية ويوفر لهم مادة لإنتقاد المشروع دون الخشية من تداعياته – كما هو الحال مع المرشح جيب بوش وحاكم ولاية ويسكونسن، سكوت ووكر. في نهاية المطاف، وبعد إنقشاع ضباب الجدل والمزايدة بين الحزبين، سيجد الرئيس أوباما أقلية من النواب تؤيد مشروع إقتراحه.
وعليه بإستطاعتنا القول أن غرض الرئيس اوباما ليس في الحصول على تفويض جديد، بل لإستخدامه كغطاء سياسي يمتد لما بعد انتهاء ولايته الرئاسية يرث تداعياتها الرئيس المقبل. عقلاء الحزب الجمهوري يرون أنه لا لزوم للمشروع المقدم خاصة وأنه لا يتميز عما هو ساري المفعول به لتنتفي ضرورة المصادقة عليه بأكملها؛ فضلاً عن أن مستقبل مرشحيهم السياسي يعتمد كلياً على كيفية إدارة الرئيس أوباما للحرب، اذ أن فشلها سيتحمل مسؤوليته المرشحين الجمهوريين الذين صوتوا ضد المشروع وحكام الولايات المرشحين لتفاديهم المشروع برمته. الحزب الديموقراطي أيضاً أمام مأزق التفويض اذ سيسعى مرشحيه للقفز عن المسألة بالكامل طمعاً بإسترضاء القاعدة الإنتخابية المناهضة للحرب.
يدرك الحزبان جيداً، خاصة النخب السياسة في كليهما، أنه من غير المرجح أن يحالف النصر الرئيس أوباما في الحرب ضد داعش، وهم ليسوا في عجالة للمصادقة في المرحلة الحرجة الراهنة. بالنظر إلى “احتمال” المصادقة المطلوبة، تجدر الإشارة إلى أن الأمر سيستغرق فترة زمنية قد تطول، مع إمكانية خضوع المسودة لتعديلات وإضافات من الطرفين بعد عقد جلسات مناقشة في الكونغرس، وتشاطر الحزبين في تفادي المحظور قبل الإنتخابات المقبلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*