أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / الدور المطلوب للصين في الشرق الأوسط

الدور المطلوب للصين في الشرق الأوسط

فتوحات اقتصادية كبرى في أفريقيا، نمو اقتصادي لسنوات عديدة بما يفوق 10%، صراع على موارد الطاقة مع القوى الكبرى ومواجهة ناعمة معها، وكسب صفقة القرن مع روسيا، عدد سكانٍ هائل ومنتج، بعد جغرافي عن المناطق الملتهبة، امتلاك كبريات الشركات الأميركية، امتناع عن الإنجرار إلى المواجهة مع القوى الأخرى؛ وغيرها من الميزات التي تشير بالبنان إلى الصين، كقوة كبرى قادمة سيكون لها شأن كبير لعقود طويلة في العلاقات الدولية. 

 

لا شك بأن النظام الدولي يشهد منذ سنوات تحولات سريعة على المستويين الاقتصادي والسياسي في السنوات الأخيرة. وإن كان من الصعوبة بمكان التنبؤ حول نتائج هذه التحولات في الوقت الراهن، إلا أن اتجاهات هذه التحولات تشير إلى صعود قوى، وتراجع القوة العظمى التي أدارت ما سمي بنظام “الأحادية القطبية” منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. 

من هنا، فإنه من الملاحظ أن قدرة الولايات المتحدة الأميركية على قيادة النظام الدولي بصورةٍ أحادية لم تعد متوفرة. وبالمقابل، فإن تأثير دولٍ أخرى بدأ بالظهور إلى حد يمكن اعتبار بعضها مشاريع أقطاب في النظام الدولي الناشىء حالياً. 

وعلى رأس الدول التي يتنامى دورها بسرعة، تأتي الصين الشعبية، التي تحوي عدد السكان الأكبر بين دول العالم، وقد تمكنت هذه الدولة من تحويل عدد سكانها الهائل هذا، من عبءٍ اقتصادي إلى أفضلية لها. ولا شك أن صعود دور الصين في النظام الدولي يظهر من خلال تصاعد هذا الدور في قضايا الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي تشهد منذ عشرات السنوات صراعاتٍ وحروب عديدة، كان للقوى الكبرى على المستوى الدولي دوراً أساسياً فيها. 

ومع اندلاع أحداث ما سمي بـ”الربيع العربي”، كان لا بد من أن تسارع القوى الصاعدة، وفي طليعتها الصين، إلى ممارسة الدور الذي يفيد مصالحها من جهة، والذي يعبر عن رؤيتها لهذه الأحداث من جهة أخرى. 

وبمتابعة هذه الأحداث، يتبين الموقف الصيني الصلب إلى جانب روسيا في معارضة السياسات الأميركية الشرق أوسطية، وتحديداً بما يخص الأزمة السورية، حيث استخدمت كل من الدولتين أفضلية الفيتو مرتين لمنع صدور قرارات من مجلس الأمن الدولي ضد مصالح دمشق، وقبلها ضد مصالح موسكو وبكين. 

وبموازاة ذلك، أعلنت الولايات المتحدة في مطلع العام 2012 عن انتقال أولوية سياستها الخارجية إلى منطقة الشرق الأقصى، ولهذه الخطوة دلالات كبيرة بالنسبة للصين، حيث تسعى واشنطن إلى الحد من تصاعد قوة الصين، وتحاول تركيز جهودها في المنطقة المحيطة بـ”المملكة الوسطى”. 

وهنا لا بد من معالجة إشكالية الدور الصيني المطلوب في الشرق الأوسط، وركنها الأساس تختصره الأسئلة التالية: هل تضطلع الصين بدورٍ فاعل في قضايا الشرق الأوسط أم أنها تكتفي بالتعاون الاقتصادي؟ وماذا تريد دول الشرق الأوسط العربية من الصين؟ وأي فائدة للصين من تطوير دورها في هذه المنطقة؟ 

ونفترض أن الصين الشعبية قادرة على لعب دور أساسي في قضايا المنطقة، وأنها قادمة للعب هذا الدور في فترة ليست ببعيدة، أرادت ذلك أم لم ترد، والأسباب لذلك كثيرة، أبرزها أن واشنطن لن تترك بكين بعيدةً عن الأزمات الدولية، بل ستسعى إلى إقحامها في مجموعة من هذه الأزمات وأن يكون بعضها على تماسٍ مباشر مع الجغرافيا الصينية؛ إضافةً إلى أن الدور الصيني في الشرق الأوسط أصبح مطلوباً أكثر من قبل دول المنطقة التي تتطلع إلى بكين على أنها قوة مفيدة، وأن التعاون معها لا يحمل المخاطر نفسها التي حملها التعاون مع القوى الكبرى القديمة، والتي إما كانت تسعى إلى ممارسة دور استعماري مباشر، أو أنها كانت تهدف من خلال دورها في الشرق الأوسط إلى دعم توجه إيديولوجي معين.

الصين وتحولات النظام الدولي

شهدت العلاقات الدولية في السنوات الاخيرة تطورات مهمة لم يكن بالإمكان تجاهلها من قبل المتابعين للشؤون الدولية. وقد تنوعت هذه التطورات بين أزمات شهدها العالم خلال تلك الفترة، وبين تغيرات في موازين القوى على المستوى الدولي، الأمر الذي أدى إلى ضرورة إعادة تقييم القوى الفاعلة في النظام الدولي. ولهذه التحولات أسباب كثيرة ومتشعبة في مجال العلاقات الدولية، ذلك أن الأزمات التي استفحلت في السنوات الأخيرة لم تترك مجالاً من مجالات النشاط الإنساني إلا وأثرت فيه بشكل جلي.لقد أدت الحروب التي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 إلى اضطراب العالم، بدءا بأفغانستان ثم العراق، وصولاً إلى أحداث العالم العربي منذ مطلع العام 2011، إضافة إلى الأزمات العالمية المركبة، كالأزمة المالية العالمية، وأزمات الاقتصاد وارتفاع أسعار صرف العملات، وأزمة الغذاء العالمية، وأزمة البيئة، والارتفاع الجنوني في أسعار مواد الطاقة، وغيرها..

لقد أدت هذه الأزمات إلى تعجيل ظهور تلك التحولات في المجالين الاقتصادي والسياسي على شكل خلافات بين القوى الكبرى، أو على شكل تحالفات دولية متقابلة، تشتبك في القضايا التي تحمل أثراً على الوازنات الكبرى.

إن التحول في مفهوم القوة في القرن الجديد أدخل على المفهوم القديم أبعاداً جديدة تتخطى الفهم التقليدي له، لتطال مختلف نواحي العلاقات الدولية؛ فمسائل الاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات والإعلام كلها غدت من محددات القوة التي تحسب لأية دولة أو عليها.

من هذا المنطلق فقد شملت التحولات الدولية في القرن الحالي كل هذه المجالات مجتمعةً، بل أن التصورات المستقبلية لطبيعة الهيكيليات الدولية، سوف تعتمد بشكلٍ لا يقبل الشك على مدى تطور الدول في هذه المجالات كافة.

وعليه، فإن الساحة الدولية في المرحلة الحالية والمقبلة، تتجه إلى أن تكون مجالاً لصراعات من نوعٍ جديد، قد لا تجد ترجمتها دائماً بالحرب المباشرة، أو سياسة خلق المحاور العسكرية، بل إنها تتمحور بشكلٍ رئيسي حول أشكال من الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية والاستخباراتية بين القوى المتقابلة للحصول على نتائج تفضي إلى ترجمة التفوق عند هذه القوة أو تلك.

إن وضع “القوّة الرئيسية” في العالم، عادةً ما يتضمّن مجموعةً من العناصر والقدرات المندمجة مع بعضها البعض، كالثروة والقدرة على التأثير في قرارات الآخرين وأفعالهم، وعلى الرغم من أن كثيرين يرون تعريف القوّة من خلال المنظار العسكري فقط، فإن القدرات العسكرية لا تشكّل إلا بعداً واحداً فقط من أبعاد القوّة، ولا يمكن اختصار محدداتها فيه، إذ يرى الخبير السياسي “كينيث فالتز” أنّ هناك خمسة معايير مختلفة لقياس وتقييم قوّة الدولة، وهي:

1- عدد السكان والامتداد الجغرافي.

2- الموارد الطبيعية التي تضّمها.

3- وضعها الاقتصادي.

4- استقرار النظام السياسي فيها.

5- قوّتها العسكريّة.

لقد استطاع الاقتصاد الصيني النمو بنسبة فاقت 10% سنوياً على مدى أكثر من عقد من الزمن، وبحلول العام 2050 من المتوقّع أن ينمو بواقع 50 ضعفاً ليتجاوز الاقتصاد الأميركي كأكبر اقتصادات العالم، على الرغم من أنّ الولايات المتّحدة ستبقى الأغنى إذا ما قيس الناتج المحليّ الإجمالي إلى عدد السكّان.

وفي ما يتعلّق بالاقتصاد الهندي، فقد نما هو الآخر بمعدّل 8% سنوياً خلال العقد الأخير، وإذا ما استمر في السياق نفسه، فإنه سيكون واحداً من أكبر ثلاثة إقتصادات في العالم بحلول منتصف القرن. كما أنه في عامي 2006 و2007 شهد 124 بلداً معدل نمو بلغ 4% أو أكثر، وتضمنت هذه البلدان ما يزيد عن 30 بلداً أفريقياً.

لقد قام انطوان فان أجتاميل، بتصنيف الشركات الخمس والعشرين المرجح أن تكون الشركات متعددة الجنسية الأكبر في العالم خلال المرحلة القادمة، وتضمنت لائحته أربع شركات من كلٍ من البرازيل والمكسيك وكوريا الجنوبية وتايوان، وثلاث شركاتٍ من الهند، واثنتين من الصين، وواحدة من كلٍ من الأرجنتين وتشيلي وماليزيا وجنوب أفريقيا.

وللدلالة فقط، فإن أغنى رجلٍ فيٍ العالم اليوم مكسيكي، وأكبر الشركات في العالم من حيث المبيعات صينية، والطائرة الأضخم في العالم تصنع في روسيا وأوكرانيا، والمصفاة الأكبر في العالم تنشأ في الهند، وأكبر المصانع في العالم توجد أيضاً في الصين، حتى الرموز والعلامات التجارية الأميركية الشهيرة أصبحت ملكاً لأجانب، والمذهل في الأمر هو أنه قبل عشر سنوات فقط، كانت الولايات المتحدة تشغل المركز الأول في كثير من هذه التصنيفات.

إن هذه الحقائق، إضافة إلى وجود روسيا والصين في موقعين محاذيين جغرافيا وسكانياً، ووقوفهما كل من جانبه بوجه هيمنة دولة واحدة على النظام الدولي، أدت كلها إلى تقارب استراتيجي بينهما. وتعزز هذا التقارب مع تشكيل مجموعة “بريكس” عام 2009، ليبدأ بإنتاج توافقات تكتيكية بخصوص القضايا السياسة المطروحة على الساحة الدولية.

ومن المتوقع أن تتعمق هذه التجربة بصورة تتيح لهذين البلدين المطالبة بقسم أكبر من النفوذ في المؤسسات الدولية، من دون أن يوحي ذلك باستعدادهما، أو باستعداد أي منهما للدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الأخرى الموجودة على الساحة الدولية، أو تلك القوى المسيطرة كالولايات المتحدة الأميركية.

إن ما يجمع القوى الناشئة اليوم هو الآمال التي رسموها لعالمٍ جديد بعيدٍ عن الأحادية القطبية، وليس الاتفاق الإيديولوجي أو السياسي الكامل حول رؤيتهم للعالم. وهو بالتالي ما يميز هذه التجربة عن التجارب السابقة كالاتحاد السوفياتي السابق.

ومن هذا المنطلق، فإن أثر التحولات الدولية في أدوار القوى الصاعدة بات ملموساً، حيث يصبح النموذج الذي قدمته دول “بريكس” يوماً بعد آخر أكثر إغراءً لدول أخرى حول العالم، تسعى من جانبها لتحقيق التنمية والأمن، وأهم من ذلك فهي تسعى إلى الخروج من الهيمنة الأميركية على شؤونها.

وقد خلقت أحداث “الربيع العربي” فرصة لهذه الدول لتلعب دوراً يحقق تطلعاتها، ويستجيب لمصالحها في منطقة الشرق الأوسط، فكيف كان دور الصين في هذه الأحداث، خاصةً في مسار الأزمة السورية؟

الدور الصيني في أحداث العالم العربي الأخيرة

لقد حرصت الصين على إبقاء مسافة بينها وبين أحداث العالم العربي في بدايتها، ولم تكن الدولة الوحيدة التي اتخذت هذا الموقف، بل إن الولايات المتحدة تحدثت في بداية الثورة المصرية عن “انعدام يقين استراتيجي” بخصوص هذا الحدث الهام، وذلك على لسان وزيرة خارجيتها يومها هيلاري كلينتون. 

ولكن مع تطور هذه الأحداث واتضاح أبعادها، بدأت بكين بإظهار قدرٍ أكبر من الاهتمام، الذي ترجم إلى مواقف علنية واضحة، ارتكزت بمجملها إلى القانون الدولي ومندرجاته، خصوصاً في الأزمة السورية. 

فمنذ اندلاع الأحداث التونسية، وبعدها الليبية والمصرية والسورية وغيرها، أصرت الصين على موقفها المتمسك بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإن كان مفهوم التدخل في القانون الدولي لا يزال موضع نقاش حول تعريف وحدود هذا التدخل، وما إذا كان محصوراً بالجانب العسكري والأمني، أم أنه يمتد إلى اعتبار الضغوط السياسية تدخلاً، فإن فكرة التدخل بشؤون الدول تبقى محل إدانة من قبل الدول التي تتمسك بميثاق الأمم المتحدة، وبمندرجات القانون الدولي، ومن بين هذه الدول، تتخذ الصين موقفها الرافض لتشريع التدخل السياسي والعسكري في الدول الأخرى. 

“ولتجاوز هذا المأزق الإصطلاحي، وضع جيمس روزناو شرطين لإعطاء تعريف إجرائي لمفهوم التدخل: 

1-   إختراق الاتفاق. 

2-   التأثير في تركيبة السلطة. 

أي أن كل سلوك خارجي  لدولة معينة يمكن أن يعتبر تدخلاً في شؤون دولة أخرى كلما شكل خرقاً للطبيعة العادية للعلاقات الدولية، وكلما كان موجهاً للحفاظ أو للتغيير في التركيبة السياسية لسلطة تلك الدولة، ولا يمكن لخاصية واحدة من دون الأخرى أن تقف على مختلف أشكال السلوك للدولة لتعرفها كتدخل، فالشرطان متكاملان”. 

من هنا يمكن فهم الموقف الصيني الذي يشدد على عدم الدفاع عن الرئيس السوري، أو حزبه، أو باقي أشخاص الحكم في سوريا، بل أنه موقف يعني الدفاع عن القانون الدولي ومبادئه، وهو موقف تشترك فيه بكين مع موسكو. 

وكترجمة لموقفها من التدخل، استخدمت الصين، ومعها روسيا، أفضلية الفيتو في مجلس الأمن الدولي لمنع قرارات تهدد السيادة السورية لمرتين، وفي اليد الأخرى، كانت بكين تدعو بشكلٍ متكرر إلى الحوار بين السلطة السورية والمعارضة، وأعربت في غير مناسبة عن استعدادها للمساعدة في سبيل تحقيق هذا الحوار، وكانت مواقف المندوب الصيني في مجلس الأمن تنحو بهذا الاتجاه في كل مناسبة خصصت لنقاش الأزمة السورية. 

وبعد أربع سنوات من عمر هذه الأزمة، يتبين لمن يتابع تطوراتها أن هذا الموقف كان الأكثر تناسباً مع حقيقة الامور على الأرض، حيث لم تستطع المعارضة انتزاع السلطة عبر الطرق العسكرية، كما لم تتمكن الدولة السورية من استعادة السيطرة على مجمل جغرافيا البلاد، الأمر الذي أوصل إلى حوار بين الطرفين من خلال مؤتمر جنيف2 الذي عقد بداية عام 2014، هذا من ناحية. 

ومن ناحية ثانية، فإن هذا الموقف أظهر فاعليته لناحية الحذر من طغيان القوى المتطرفة والإرهابية على المجموعات المسلحة التي تقاتل الدولة السورية، وهو ما أصبح واقعاً مؤكداً على الأرض بعد ذلك. 

إن التعاطي الصيني مع الأزمة في سوريا يشكل نموذجاً للتوازن في السياسة الخارجية للدول الكبرى، حيث كان موقف بكين ثابتاً لم يتغير جوهره، كما لم تختلف التعابير الشارحة له، وكما سبقت الإشارة، فإن منطلقاته كانت مدعّمة على الدوام بمضامين المواثيق الدولية والأعراف التي يقوم عليها القانون الدولي، ومن خلال ذلك أكدت الصين احترامها للمؤسسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة من جهة، ومن جهة ثانية أثبتت احترامها لمبدأ سيادة الدولة وعدم انتهاكه لتحقيق المآرب السياسية والاستراتيجية. 

وبمجمل العلاقة مع الدول العربية في السنوات الأخيرة، حافظت الصين على استمرار تطور هذه العلاقة على الرغم من تسارع الأحداث وتشابكها في دول الشرق الأوسط العربية (مع حفظ الفوارق بين حال هذه العلاقة مع كل دولة من هذه الدول على حدى)، حيث “أكد تشن شياو دونغ، المدير العام لإدارة غرب آسيا وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية الصينية ببكين عام 2012، أي منذ بداية الحراك في الدول العربية، أن الأوضاع في دول منطقة الشرق الأوسط تشهد تغيراً مستمراً غير أن العلاقات الصينية العربية لم تتأثر به، وما زالت تحافظ على تطور سليم وسريع”. 

فما هي ضرورة الدور الصيني بالنسبة لدول الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص تلك العربية منها؟ وبالمقابل، ما هي ضرورة هذا الدور بالنسبة للصين نفسها.

ضرورة الدور الصيني في الشرق الأوسط

لا شك أن العلاقات بين الدول تتطور إذا كانت تنطوي على مصالح متبادلة بين الدول الأطراف في هذه العلاقة، لذلك فإن الدور الصيني المطلوب في منطقة الشرق الأوسط لا بد له ان يحقق مصالح للجانبين، ولا يكفي أن يحقق هذا الدور المصالح الصينية وحدها، أو مصالح دول الشرق الأوسط وحدها، وإلا كان دوراً مرحلياً وغير قابل للاستمرار والتطور. 

 

– أ: حاجة الصين إلى دور فاعل في الشرق الأوسط 

في بداية العام 2012، أعلن الرئيس الأميركي عن انتقال تركيز الاستراتيجية الأميركية من منطقة الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى، أي إلى المنطقة التي تقع الصين ضمن إطارها الجغرافي، ولهذا الإنتقال أسباب عديدة، تأتي في أولها التقديرات الأميركية التي ترى أن الصين ومحيطها باتت منطقة الثقل الرئيسة في العالم لناحية توافر الكم الأكبر من محددات القوة فيها. 

وعليه، فإنه من المتوقع أن تحاول الولايات المتحدة تطويق القوة الصينية من خلال التدخل في شؤون الصين ومحيطها، وهو الأمر الذي بدأت إشاراته بالظهور، من خلال دعم واشنطن لكل الأطراف المحلية والإقليمية التي تتسم علاقاتها ببكين بالتوتر. 

بناءً على ذلك، تحتاج الصين خلال المرحلة القادمة إلى تطوير آليات دفاعها بوجه هذا النهج الخطر عليها، في مختلف المجالات، كما تحتاج أيضاً إلى لعب دورٍ أبعد من محيطها، في المناطق التي تشكل أهمية استراتيجية لها وللولايات المتحدة على حد سواء، وأن تذهب في تطوير دورها إلى ما هو أبعد من العلاقات الاقتصادية مع دول الشرق الأوسط، بسبب أن الخطر قادم إلى محيط مجالها الجغرافي، وبالتالي فإن المواجهة البعيدة مع الولايات المتحدة قد تكون خياراً أكثر فائدة وأقل كلفة على الجمهورية الشعبية. 

إضافة إلى ذلك، وبمعزل عن مواجهة الدور الأميركي، فأمام بكين فرصة لترجمة مقدار القوة الذي تمتلكه، إلى نفوذ عالمي يساهم في تحقيق دور أكثر تقدماً في النظام الدولي الجديد، خصوصاً بعد النتائج التي حققتها الأزمة المالية العالمية في التوازنات الاقتصادية الدولية، وفي التوازنات السياسية، ما فتح النقاش على مصراعية لتشكبل نظام عالمي جديد يحترم القوى الصاعدة، ويعزز هذا المنطق أن الصين نفسها تدخلت لإنقاذ جزء من الشركات والبنوك الأميركية خلال الأزمة المالية التي شهدتها الولايات المتحدة بدءاً من عامي 2007 و2008. 

كما ان الصين تحتاج إلى دوام تزودها بالطاقة للحفاظ على نسب نموها المرتفعة، وتطور صناعاتها التي تشكل الركن الأساس من دعائم ميزانها التجاري، الذي يشكل الفائض فيه العنصر الأساسي من عناصر التقدم الاقتصادي في الدولة، وقد نشطت بكين في سبيل تحقيق أمنها من ناحية موارد الطاقة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، و”كان جزء كبير من هذا النشاط متجذراً في ميل الصين لرؤية أمن الطاقة من وجهات نظر جغرافية سياسية واستراتيجية بدلاً من مجرد وجهة نظر اقتصادية خالصة. وتحديداً كانت بكين معنية بمواجهة مبادرات الطاقة الغربية في المنطقة”. 

يضاف إلى ذلك أن الصين تحتاج دوماً إلى فتح أسواق جديدة تتمكن من خلالها من تسويق منتجاتها، وهي سوف تجد في دول الشرق الأوسط مجالاً مهماً لتصدير سلعها، نظراً لطلب هذه الأسواق المتزايد على السلع الصينية، ولتواجد كثافة سكانية كبيرة في دول هذه المنطقة، فضلاً عن الميزات التنافسية العالية التي تتمتع بها السلع الصينية. 

وكقوةٍ صاعدة تطمح إلى دورٍ عالمي، تحتاج الصين إلى التفاعل الحضاري مع شعوب المنطقة، ونشر اللغة والثقافة الصينيتين عند هذه الشعوب. 

وبمقابل ذلك، فإن الدول العربية في الشرق الأوسط تطمح إلى الاستفادة من الدور الصيني في منطقتها، فما هي أوجه هذه الاستفادة؟ 

 

– ب: حاجة دول الشرق الأوسط لدور صيني 

لقد عانت الدول العربية في الشرق الأوسط من عهود متتالية من الاستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي، ولم تبق قوة من القوى الكبرى التي سيطرت على النظام الدولي توالياً إلا ومارست دوراً تراه دول المنطقة ظالماً لشعوبها. 

من هنا، فإن هذه الدول تتعطش لعلاقات طبيعية ومتوازنة مع قوة كبرى لا تملك مشروعاً أيديولوجياً تسعى لفرضه، أو توجهاً إمبريالياً تطلبه من خلال تدخلها في الشرق الأوسط. 

يضاف إلى ذلك كله، ان الدول العربية لم تجد داعماً دولياً عادلاً لقضاياها المحقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي تناوبت القوى الكبرى على ممارسة دور منحازٍ لإسرائيل، عند كل مناسبة، وفي كل محطة من محطات الصراع العربي-الإسرائيلي المستمر. 

إن الدول العربية في الشرق الأوسط تمتلك من المقدرات الاقتصادية والطبيعية والجغرافية والثقافية وغيرها.. ما يمكنها من أن تحقق مصالح هائلة لأية دولةٍ كبرى تسعى إلى تطوير دورها وعلاقاتها العالمية، وهي بالمقابل تحتاج إلى تحقيق معادلة رابح-رابح مع هذه القوة-الدولة، إن وجدت. 

وعلى مدى عقودٍ من الزمن، لم تجد دول المنطقة السلام الذي تسعى إليه، ولا شك أن أحد أهم أسباب غياب السلام هو أن أطماع الدول الكبرى لم تترك مجالاً لبناء علاقة مصالح مشتركة واحترام متبادل بينها وبين دول المنطقة. 

ومع ذلك، فإن شعوب المنطقة تنظر اليوم إلى الصين كقوةٍ صاعدة تحترم علاقاتها الدولية، والشعوب التي تبني معها صداقة، خصوصاً أن لبكين تاريخ طويل دعمت خلاله الحقوق العربية، حيث “أيدت الحقوق الأساسية للعرب في نضالهم الوطني والتحرري، ونص البيان المشترك المصري – الصيني بتاريخ 23 ديسمبر/ كانون الأول 1963 بوضوح، على السياسة الثابتة للصين تجاه العالم العربي والتي تمحورت حول النقاط التالية: دعم الشعوب العربية في نضالها ضد الإمبريالية ومن أجل الحفاظ على استقلالها القومي. تأيييد الحكومات العربية في نضالها من أجل مبادئ السلم، والحياد، وعدم الانحياز. دعم نضال الشعوب العربية لتحقيق أمانيها في التضامن والوحدة، وفق الطرق التي يختارونها. وتأييد الجهود الرامية إلى حل النزاعات العربية – العربية بالطرق السلمية. وترى أن من واجب جميع الدول احترام السيادة العربية، وألا تمارس التدخل الخارجي الذي ينتقص من تلك السيادة. 

 واتخذت الصين موقفاً ثابتاً في دعم الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، ومنها حقه في النضال المسلح لاسترجاع فلسطين وإقامة دولته المستقلة. وخاطب رئيس وزراء الصين “شو إن لاي” العرب في مطلع 1964 قائلاً: “نحن على استعداد دائم لدعمكم من أجل استعادة فلسطين. وعندما تعقدون العزم على تحريرها ستجدوننا إلى جانبكم، نمدكم بكل ما تطلبونه، من سلاح ومتطوعين”. 

إن دول المنطقة تحتاج إلى قوة كبرى حليفة في المحافل الدولية تتعامل معها على أساس صداقة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل بين الشعوب. 

كما أن التفاعل الحضاري بين الدول العربية والصين يمثل حاجة عربية جادة، لا تقل أهمية عن الحاجة لتصدير النفط ومشتقاته، والتعاون في المجال الاقتصادي. 

وبالتالي، فإن الفرصة قائمة لتطوير العلاقات الصينية العربية، كما هي قائمة لتطوير الدور الصيني في المنطقة والعالم.

آفاق الدور السياسي الصيني

إن التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتلك التي يشهدها النظام الدولي، تجعل الظروف مؤاتية لتطوير العلاقات الصينية العربية من ناحية، وتدفع باتجاه تبدلاتٍ عديدة في أدوار القوى الكبرى في هذه المنطقة من العالم. 

كما أن الفائدة من تطوير هذه العلاقات تبدو واضحة ومؤكدة، الأمر الذي يشير إلى حتمية تصاعد الدور الصيني وانعكاساته على القضايا المطروحة اليوم في المنطقة، فضلاً عن القضايا التي تلوح في الأفق. 

وعليه، فإن هذا الدور المتصاعد لا بد له إلا أن يكون مدخلاً لدورٍ صيني أكثر فاعلية في النظام الدولي الناشىء، كما لا بد له في المقلب الآخر إلا أن يكون مجال استفادة كبرى للعرب، كدولٍ وشعوب. 

إن اكتفاء الصين الشعبية بالعلاقات الاقتصادية المتطورة مع دول العالم، وعدم خروجها إلى فضاء التأثير السياسي في الملفات الكبرى المطروحة على الساحة الدولية، يحمل أخطاراً على مستقبل السياسة الخارجية الصينية، وقد تكون هذه الأخطار أكبر مما تبدو عليه اليوم، خصوصاً مع انزعاج الولايات المتحدة الأميركية من التقدم الذي تحققه الصين على المستوى الاقتصادي، كما على مستوى تحالفاتها التي بدأت تفتح عبر الاقتصاد باب السياسة. 

من هنا، تبدو الصين مضطرةً إلى مواجهة هذه الأخطار عبر تعزيز حضورها السياسي في مساحات حضورها الاقتصادي، فكما استطاعت أن توجد موطئ قدم في كل القارات، هي مدعوة اليوم إلى لعب دورٍ أكثر فاعلية في الشرق الأوسط، من أجل مصلحتها، ومن أجل مصلحة شعوب المنطقة أيضاً. 

فكيف تتحقق الآليات التي تسمح بتطور العلاقات العربية الصينية إلى الحد الذي تحدثنا عنه؟ وإلى أي مدى يعي الطرفان السبل الكفيلة بتحقيق هذه المصلحة المشتركة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*