أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / هل كان ووكر بوش في مكانه الطبيعي…؟

هل كان ووكر بوش في مكانه الطبيعي…؟

أهمية كتاب “ديفيد فرام” المعنون “الرجل الصحيح: الرئاسة المفاجئة لجورج دبليو بوش” تأتي من كون المؤلف من موظفي البيت الأبيض. فقد عُيّن فرام ضمن الطاقم الإعلامي لإدارة بوش وكانت وظيفته إعداد خطب الرئيس وصياغتها. وهي مهمة صعبة بسبب طبيعة بوش الميالة للهفوات والمحتاجة الى تبسيط الأمور المعقدة. ولعل أبرز الخطب التي كتبها فرام لرئيسه بوش هو ذلك الخطاب الذي أطلق إعلان “محور الشر”. وهو المحور المتضمن كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية. وكان هذا الخطاب قد أطلق نوبة عداء أمريكية هوسية يصعب تحديد يجهل أبعادها وأهدافها ونتائجها القريبة والبعيدة.

إذاً “الرجل الصحيح: الرئاسة المفاجئة لجورج دبليو بوش” هو عنوان كتاب فرام فماذا تراه يكشف في هذا الكتاب وهو الذي عايش الأحداث وعاينها من داخل البيت الأبيض؟.
الجواب مهم لأن هذا الكتاب هو أول مصدر يكشف معلومات داخلية وأسرار ما يدور في دهاليز البيت الأبيض تحت إدارة بوش. ونتبين الجواب من خلال تشبيه فرام لما يجري في البيت الأبيض بتعابير من صنف: ” نظام عسكري” وتحول نحو “ثقافة التبشير”.
حول التعامل مع بوش يقول المؤلف : ” إن الرئيس لا يبالي عادة بما يدور حوله. ونتيجة لذلك تصله أخبار إما غير صحيحة وإما غير دقيقة من مساعديه ومستشاريه. خصوصًا وأن ذاكرته ضعيفة في ما يتعلق بالأرقام والحقائق. لذا فهو بحاجة دائمة إلى معاون يذكره بأبسط التفاصيل”. وهذا الوصف يأتي لدعم التحليل النفسي لشخصية بوش إذ يشير الى أنه يهتم بفخامة المنصب وبالمجد الرئاسي. ومن هنا تعلقه بالمتزلفين وماسحي الجوخ.
أما حول تدين بوش فيقول فرام: “يبدأ بوش اجتماعاته في البيت الأبيض بقراءة من الإنجيل وتلاوة بعض التراتيل الدينية. فهو شديد التدين وهو يتقصد أن يشكر ربه على إقلاعه عن إدمان الكحول. ومن مظاهر تدينه أنه ،وبعد أحداث 11 سبتمبر بفترة قصيرة، استدعى خمسة رجال دين 3 قساوسة مسيحيين وشيخًا مسلمًا وحاخامًا يهوديًّا. وطلب منهم الصلاة والدعاء له قبل أن يعترف لهم بسره قائلاً: ” تعلمون بأنني كنت أعاني من مشكلة إدمان شرب الكحول، ومن المفترض أن أكون الآن في حانة في تكساس أحتسي الخمر، وليس في المكتب البيضاوي أعالج مشاكل العالم، وهناك سبب وحيد لذلك هو أنني وجدت طريقي الى الرب عبر إيماني وبفضل الدعاء والابتهال”.
هذا ويبدي فرام استغرابه لإعتقاده بأن الدستور الأمريكي يفصل الدين عن السياسة. كما يذكر فرام أن من ضمن الخطوط الحمر التي وضعها بوش لموظفيه الشروط التالية: عدم احتساء الكحول أو القذف والسب مهما كانت خفة الشتيمة، حتى لو كانت مزاحا، كما منع تناول الطعام في أوقات متأخرة، لدرجة أنه فرض على الموظفين الرجال التقيد في ارتداء بذلاتهم باللونين الأزرق والرمادي، والسيدات الابتعاد عن الألوان الزاهية والفاقعة والتمسك بألوان داكنة وغامقة. وهذه الشروط تذكرنا بشروط المحافظة على الطريقة الإنجليزية في القرون الماضية. وهذا الشبه ليس عشوائياً لأنه يأتي في سياق تقاليد الطائفة الطهرانية البروتستانتية التي ينتمي اليها بوش وعائلته. والتي تولى زعيمها بيل غراهام مسؤولية علاج بوش الروحي وإعادة تأهيله الديني فخرج بوش بما هو عليه اليوم من بين أيدي غراهام.
في المقابل فإن بوش لا يمارس هذه التقليدية والرصانة في سلوكه الشخصي وفي هذا المجال يقول فرام: “بين الغرف وفي حلقاته الخاصة لا يكون بوش لطيفاً وسهل التعامل مثلما يظهر على شاشات التليفزيون وأمام أنظار الناس. بل أنه على نقيض ذلك تماماً. فهو يشكل حالة استثنائية في تاريخ الرؤساء الأمريكيين ويكسر القاعدة المعروفة عن حكمة سابقيه. وذلك بسبب بذاءته وسلاطة لسانه.
ويؤكد المؤلف ما يشيع في الشارع الأميركي حول ضحالة ثقافة الرئيس فنراه يصف أفكاره وآراءه الشخصية بـ “المملة والسطحية والمتعصبة”. كما يقول فرام: “… يصف بوش أعضاء تنظيم القاعدة بأنهم مجموعة من المجانين. وينعت البيئيين بوصف حبوب الفول الأخضر. ويلقب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالسفاح. وهو يتهكم على الأوروبيين عادة ويقول بسخريته المعهودة : ” إنهم يعشقون عرفات “. أما علاقة بوش بوالدته فيصفها فرام بالصعبة والمتأرجحة. لأنه “ليس من السهل على بوش إرضاء أمه باربرا. وهي دائمًا توبخه كطفل صغير مما ولّد لديه نوعًا من العقدة النفسية. لذا هرب بوش من هذه الشخصية الطاغية فتزوج امرأة تقع شخصيتها على النقيض تمامًا لشخصية والدته “.
ويكشف فرام أن بوش كان يتأهب قبل أحداث 11 سبتمبر لإطلاق عدد من البرامج الاجتماعية الغريبة التي أطلق عليها اسم “شخصية المجتمعات”. وكانت تهدف إلى “معالجة نقاط اعتبرها أساسية ككلمات الأغاني الموسيقية غير الهادفة وعدم تناول الأطفال طعامهم مع أهاليهم وغير ذلك من الأمور” .
وحول ذكاء الرئيس وفريقه يقول المؤلف: … من بين أعضاء إدارة بوش هناك فقط كارل روف رئيس المستشارين السياسيين ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتمتعان بذكاء فوق المعدل. ولكن فرام يثني على مهارات وزير الخارجية كولن باول السياسية ووصفه بـ “أمهر المقاتلين الشرسين بين بيروقراطيي البيت الأبيض “.
ويخلص فرام الى القول: “جورج بوش رجل غير طبيعي، قد يكون طيب القلب ولكنه ليس ضعيفًا، فهو حازم وعنيد، لكن عيوبه كثيرة جدًّا فهو غير صبور وسريع الغضب، وسطحي، وفي بعض الأحيان يزل لسانه فتظهر هفواته. ويحكم بعقيدته (الدينية) فإن بوش أكثر تقليدية بطريقة تفكيره، وهو أقرب إلى شخص عادي منه إلى ما يمثله منصبه رئيسًا وقائدًا للولايات المتحدة. وهذه الطريقة التقليدية كثيرًا ما تقوده إلى المتاعب. فهو تارة يتلعثم في الكلام وتارة تخذله ذاكرته. لكنه في المقابل ذو أفق واسع. ولعل من محاسنه أنه دائمًا متحمس للأفكار الجديدة ، ربما على عكس كثيرين من السياسيين، لكن قراراته لا تصاحب شعوره بالذنب أو التردد أو تنتابه لحظات شكوك وكأنه واثق من كل شيء وربما يصدر ذلك عن جهل”.
ويختم فرام بأن “بوش ما زال الرجل المناسب والصحيح في عيون الأميركيين على رغم أن شعبيته كانت ضعيفة لدى إنتخابه ، إلا أن الظروف خدمته إلى أقصى حد”.
وكان فرام استقال من منصبه في مطلع العام الماضي بعد فترة قصيرة من خطاب “محور الشر” الذي أعده. وسبب الإستقالة تصرف بوش ببعض مفاصل الخطاب وتضمينه له جملة هفوات زادت معيار العدائية المقبول في مثل هذه الخطابات. ولم يشأ فرام أن يتحمل مسؤولية هذه العدائية النابعة من هفوات الرئيس. ومع ذلك فإن بوش اعتبر استقالة فرام خسارة كبيرة لآلته الإعلامية. وهو إعتبار ينطوي على مجاملة أكثر منه على شعور حقيقي بالخسارة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*