أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / باتريك بوكانان في كتابه “موت الغرب”

باتريك بوكانان في كتابه “موت الغرب”

أميركا تموت بسبب غزو المهاجرين وتغلغل الفكر اليبرالي

باتريك بوكانان (بات أو هتلر الأميركي) هو رمز من رموز التطرف اليميني الأميركي. وهو يحمل افكاراً مشابهة لبعض فصائل الميليشيات الآرية الأميركية البيضاء (المسؤولة عن إنفجار أوكلاهوما 1995). وهو متورط في جمع التبرعات لتلك الميليشيات. ونظراً لكونه وطنياً مدافعاً عن طابع الآباء الأوائل المؤسسين فهو مقبول في الأوساط السياسية لليمين الجمهوري. فقد كان بات مستشاراً لثلاثة رؤساء أمريكيين. كما خاض في مناسبتين الانتخابات التمهيدية للفوز بمنصب مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية (في عامي92و96) ولم يتأهل لتلك الإنتخابات بسبب الآراء اليمينية المتشددة التي يعتنقها. 53639_11301668369ثم عاد ليخوض انتخابات العام 2000 بمفرده ضد المرشحين آل غور وجورج دبليو بوش تحت راية حزب الإصلاح ( المدعوم من الآريين واليمين المتطرف) وحصل على نسبة معقولة من الأصوات على الرغم من أنه لم يحقق الفوز في أية ولاية. وهو معروف كشخصية إعلامية وككاتب ألف خمسة كتب حققت رواجاً هاماً في مبيعاتها. وهذا يعني أنه مؤثر في فئة كبيرة من الأمريكيين المحافظين. ومما لا شك أن هذه الفئة تزايدت نفوذا واتسع نفوذها بعد تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 لكون أفكاره تركز على تعزيز الهوية الأمريكية عبر نشر الخوف من الأجانب لدى الشعب الأمريكي. عن طريق التأكيد على تكاثر الأجانب في البلد وأن الأيديولوجيات الليبرالية واليسارية ما زالت منتشرة في أمريكا وخصوصا في تفكير قادة الحزب الديمقراطي ولدى كثيرين من المسؤولين الحاليين ممن تأثروا في شبابهم بتلك الأفكار. فقد هيمنت هذه الأفكار على الجامعات والمدارس الأمريكية والغربية في الستينيات والسبعينيات وتأثر بها الكثيرون( حسب بوكانان) ومن بينهم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ونائبه آل غور وكثيرون من أعضاء الكوننغرس الديمقراطيين.
حديثاً أصدر بوكانان كتابا بعنوان” موت الغرب”the death of the west)) نشرته دار توماس دان ( سانت مارتن برس) في نيويورك. وفيه يرى أن الولايات المتحدة أصبحت تضم الآن “دولة ضمن دولة”. وهذا منطق تستعمله الأحزاب اليمينية المتشددة والعنصرية في كل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا كما في معظم دول العالم التي يكثر فيها عدد المهاجرين.
ويشير بوكانان في الكتاب إلى أن العالم الغربي بما فيه أمريكا وأوروبا، يواجه غزواً إسلامياً عربياً وإفريقياً. ويستند بوكانان في نظريته إلى علم الديموغرافيا حيث يقول أنه وبسبب انخفاض معدل الولادات في الولايات المتحدة لدى المجموعات الغربية أوروبية الأصل فأنه وبحلول عام 2050 ستصبح نسبة الأوروبيين المنحدرين من أصل عرقي أوروبي فقط عشر سكان العالم. وأن هذا العشر ستخيم عليه فئة الكبار سنا مما يعني أن النسبة سوف تتقلص بعد ذلك التاريخ. ويتابع المؤلف أن هناك 20 مليون أمريكي حالياً ممن ولدوا خارج الولايات المتحدة وأن أضعاف هذا العدد من حاملي الجنسية الأمريكية ينتسبون إلى حضارات غير أميركية وأوروبية بفعل تربيتهم وأصولهم.
ويعتمد بوكانان المثال الروسي فيؤكد على أن روسيا، وبحلول عام 2050 ،سوف تطرد من آسيا الوسطى بفعل اجتياح سكاني إسلامي سيؤدي إلى خسارتها للأجزاء الروسية الواقعة في قارة آسيا. كما يرى أن الولايات المتحدة قد تصبح جزءا من كتلة أمريكية إقليمية (كما تحولت الدول الأوروبية إلى جزء من مجموعة أوروبية بعد اتفاقية ماستريخت التي وقعت في عام 1991) وهو ينتقد هذا التوجه قائلاً: “في عام 2000 أتى رئيس جمهورية المكسيك المنتخب ودعا إلى وحدة أمريكية شمالية تضم الولايات المتحدة وكندا، المكسيك. وعلى الرغم من أن مثل هذا الطرح يعني أننا قد نخسر حدودنا الحالية، فإن الرئيس المكسيكي فينسنتي فوكس اعتبر في الإعلام الأمريكية وكأنه صاحب رؤيا. وعبر الرئيس كلينتون عن أسفه لأنه لن يكون موجودا في منصبه لرؤية هذا الحدث”.
ويستخدم بوكانان لغة رديفة لتلك اللغة التي يستعملها زعيم حزب الجبهة الوطنية الفرنسية جان ماري لوبن عندما يقول ” ليس فقط من الناحية الإنسانية ومن جانب نوعنا كجنس بشري، بل أيضاً من الناحية الحضارية والأخلاقية فإننا لم نعد شعبا واحد وأمة واحد أمام الله، فقد اصبح الملايين من الأمريكيين يشعرون بأنهم غرباء في أرضهم. وانتشرت ثقافة الجنس واللذة وغاب الأبطال واختفى الماضي العظيم وانقلب عالمنا على نفسه”.
ويتهم الكاتب جيل السيتنيات من الأمريكيين بأنهم نشأوا على كراهية أميركا التاريخية القديمة وقيمها التي يعتبرونها رجعية ويبشرون بقيم تتعارض مع أهمية الدفاع عن الأرض والوطن ؟غير أنه يستدرك قائلا:
“بعد ساعات على حدوث تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 أيلول(سبتمبر)2001 عاد الأمريكيون واتحدوا على أثر حزنهم لما حل بهم. غيران هذا الانصهار لم يدم طويلا إذ بدأ بالتقهقر في الشهر التالي”. مما دفع بوكانان الى توقع ألا تستمر نسبة الشعبية العالية التي يتمتع بها الرئيس جورج دبليو بوش طويلاً.
ويعتبر بوكانان أن ما فشل ماركس ولينين ودعاة الشيوعية في تحقيقه، عبر الثورة و العنف، يتحقق حاليا بفعل التوجه الليبرالي المتأثر بآراء مجموعات من مفكري الستينيات والسبعينيات(من ذوي الأصل أوروبي) الذين دعوا إلى تبديل توجه المجتمعات الغربية بالوسائل المدنية السلمية. وينتقد المؤلف هؤلاء المفكرين الذين، حسب رأيه، أتوا كلاجئين من أوروبا النازية ليبثوا آراءهم السامة عن الحريات وخصوصا في مجال تحدي سلطة الرجال في العائلة والدعوة إلى الحرية الجنسية وحق الإجهاض والتقاعس عن الخدمة العسكرية.
هذا ولا تخلو آراء بوكانان من شطحات من اللاسامية ،المغلفة أحيانا والواضحة في أحيان أخرى، وخصوصا عندما يتصدى لإنتقاد مفكري”مدرسة فرانكفورت” الفكرية فيضعهم جميعا في سلة واحدة. وينظر إليهم على أنهم مفكرون يهود أوروبيون لم يعبروا عن امتنانهم لحق اللجوء الذي أعطتهم إياه الولايات المتحدة في الأربعينيات. وعليه فهو يصف ماكس دوركهايمر (مدير معهد الأبحاث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت الذي أطلق على حركته لاحقا اسم مدرسة فرانكفورت) بأنه من المعجبين بالمركيز دوساد وبالماركسي المتمرد، ويقول أنه (أي هوركهايمر) حول ميدان الصراع من صراع ضد الطبقات البروجوازية إلى صراع ضد الحضارة الغربية نفسها. وبذلك فهو يسعى إلى إزالة الإيمان المسيحي من قلوب سكان العالم الغربي” والسبيل إلى ذلك (حسب بوكانان) يتم عبر” الاستيلاء” على المؤسسات الفكرية والتعليمية وتسييرها بالوجهة التي يريدونها.
أما في حديثه عن “هروب” المفكرين الألمان ،ثيودور ادورنو وويلهالم رايخ وأريك فروموهيريرت ماركوز، فيقول بوكانان إنهم انتسبوا إلى “مؤسسة فرانكفورت”. لغاية تسلم ادولف هتلر للسلطة حين أدرك هؤلاء” القادة المتنورون لمدرسة فرانكفورت من اليهود والماركسيين أنهم لا يستطيعون التكيف مع الرايخ الثالث فهربوا إلى أمريكا.حيث “حولوا مواهبهم و كرسوا حياتهم للحط من قدر الدولة الأميركية التي قدمت إليهم الملجأ”. كما ساهموا في توجيه النقد المدمر والسلبي ضد العناصر الأساسية للحضارة الغربية وهي” الدين المسيحي، الرأسمالية ،السلطة، العائلة،السلطة الذكورية في العائلة ،التراتبية ،الأخلاقية التقليدية، الضبط الجنسي، الوطنية، القومية، الوراثة، الخصوصية الحضارية، التقاليد والتوجه المحافظ عموما”.
ولم يكترث بوكانان بالتطرق إلى الخلافات بين هؤلاء المفكرين حول شؤون فكرية أساسية عديدة وإلى أنهم استقوا آراءهم من ينابيع حضارية فكرية تعود إلى العصر الإغريقي والفلسفات الشرقية القديمة بالإضافة إلى العلوم الحديثة وأن منهم من كان منفتحا إزاء القيم الأخلاقية الغربية والإسلام في الوقت عينه، ونحو القضايا العربية والإنسانية عموما ومتعاطفا مع معاناة شعوب العالم الثالث كأريك فروم الذي يعتبر من أبرز مفكري القرن العشرين.
لقد وضع بوكانان هؤلاء المفكرين في سلة واحدة فقط بسبب انتمائهم الديني، وهذا التوجه هو من ظواهر العنصرية الأساسية، فلا يظنن أحد أن عداء بوكانان للسامية يعني أنه لا يشعر بعنصرية إزاء شتى الشعوب العالمية أخرى بما فيها الشعوب الإسلامية. وتحليله منحاز إلى درجة أنه يتهم” مدرسة فرانكفورت” بأنها نقلت الهجمة الماركسية من وجهتها الأساسية ضد الطبقة المتوسطة،لأن الطبقة الوسطى كانت تبشر بالديمقراطية… وفي الواقع لو قرا بوكانان المفكرين الذين أنتقدهم بتمعن لأدرك أن الحلول المقترحة لبعضهم كانت تدعو إلى توعية الطبقة الوسطى واعتمادها كمجموعة فاعلة لتحقيق المزيد من الحرية والإنسانية اللتين أخمدتها بسبب التفكير العنصري والشوفيني. ويلقي الكتاب على المفكرين الليبراليين مسؤولية تشجيع مرتكبي حوادث الاغتيال في العالم(ص85) التاريخ يشهد بأن العنف والاغتيال كانا دائما نتيجة للتفكير الشوفنيني والعنصري والمتقوقع اجتماعيا.
لماذا نجحوا؟
ويتساءل في أحد المقاطع:لماذا نجحت أفكار هؤلاء”الخونة” في اختراق الطبقة الوسطى الأمريكية ووصلت إلى الجيل العظيم الذي هزم هتلر؟ ويجيب بأن السبب يعود إلى كون هؤلاء المفكرين أخفوا هوياتهم الحقيقية ولن الجيل الذي يتأثر بأفكارهم لم يكن قد اختبر الحرب وكان يشعر بالملل عموما ولكون التلفزيون ضخم انتصارات المجموعات المناهضة لحرب فيتنام التي يؤيدها الكاتب. ويقول واصفا هذه الحرب بأنها ” الحرب التي كانت تتطلب التضحية وإهدار الدم وربما الاستشهاد” (ص93). وخامسا يلقي مسؤولية الفشل في حرب فيتنام على الحزب الديمقراطي وتفكيره الليبرالي المتمثل بالمرشح السابق لرئاسة الجمهورية جورج ماكغفرن والشاب الناشط في حملته الانتخابية بيل كلينتون. ويعتبر أنه” حان الوقت لتحرير الثقافة الأمريكية من الفكر اليساري كما قال الرئيس رونالد ريغان في خطابه الوداعي لدى انتهاء ولاياته”(ص95).
وعندما يدرك أن مشكلة العالم الثالث عموما في الولايات المتحدة لا تتحصر في نشاطات اللوبي الصهيوني ولوبي الأسلحة ولوبي البترول وغيرها من لوبيات النفوذ. المشكلة أعمق بكثير.. فتفكير هذا السياسي الكاتب العنصري منتشر لدى فئة كبيرة من الأمريكيين الذين يشكلون الأكثرية الصامتة وينتخبون النواب، والشيوخ على شاكلة جيسي هيلمز وجون ماكين وأمثالهما الذين يصبحون فيما بعد رؤساء للجان هامة في الكونغرس وقد يـختارون كوزراء في مناصب حساسة. وبعد 11 أيلول(سبتمبر خرج هؤلاء “المحافظون” من خزاناتهم واصبحوا يدلون بالتصاريح ولآراء والواقف المتشدده والمتطرفة بفخر واعتزاز. ولعل بوكانان يفكر حاليا بالعودة إلى الحظيرة والتخلي عن فكرة الترشيح للرئاسة بمفرده عن حزب الإصلاح، بعد الزيادة الكبيرة في عدد الساسة الذين يفكرون مثله في كثير من الجهات الفاعلة على الساحة السياسية الأمريكية.
وثمن نجاح مثل هؤلاء المتعصبين والعنصريين ستدفعه جميع شعوب العالم الثالث، وليس الشعوب العربية الإسلامية وحدها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*