أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / شرق وغرب: الشرخ الأسطوري

شرق وغرب: الشرخ الأسطوري

بعض الهوامات تتسرب الى الثقافة لتصبح جزءاً من مسلماتها. وإنها لمهمة عسيرة مسألة التصدي لدحض هذه الهوامات وتبيان لا عقلانيتها وإنتمائها الى عالم الفانتازيا. الدكتور جورج قرم أخذ على عاتقه مهمة من هذا النوع عندما تصدى لتبيان أسطورية الشرخ بين الشرق والغرب. مما إقتضى نكوصه لقرابة قرن مضى عندما أطلق المفكر أرنست رينو أفكاره حول بلادة الشعوب السامية وعدم قابليتها للتمدن. وبهذه الأفكار أسس رينو للعداء الغربي ضد العرب والمسلمين. ثم تراكمت بعدها مجموعة آراء متناثرة لفلاسفة أوروبيين ممن رسخوا العداء للآخر بإطلاقهم لعقال نرجسية الغرب البروتستانتي. حيث وجدت هذه النرجسية ترجمتها لدى فيبر الذي أطلق مقولة كون البروتستانتية أصل التقدم الإقتصادي للنظام الرأسمالي. وهي المقولة التي يعتبرها الأميركيون اليوم مسلمة غير قابلة للنقاش. بل أنهم يجادلون في كونها المخلصة للإنسانية بحيث توجد إنسانية واحدة وما عداها هو الشيطان أو الإرهاب أو الشرق…. الخ.621ab304-2f97-4b76-8700-9466a42ae1ce-192X290

لا شك أن حوادث 11 أيلول قد أحدثت جرحاً نرجسياً عميقاً للغرب البروتستانتي فراح
يمارس تمرده النرجسي على الإسلام السلفي وكأن العالم لا يضم غيرهما. وكل منهما يتهم من لا يتطابق معه بأنه الشيطان الرمز.
شاقة وعسيرة مهمة الوساطة مع هذين الطرفين وكلاهما آحادي الرؤية وينكرالتعددية كمصدر لغنى التراث الإنساني وحضاراته. وهي المهمة التي تصدى لها جورج قرم فبين أن الغرب ليس علمانياً كما يدعي بل هو ديني حتى التمييز ضد المذاهب المسيحية الأخرى. أما الشرق فهو أيضاً مستتر خلف قناع هوامي من الدينية والروحانية وهو واقعاً ليس كذلك. وعلى غرار الوسطاء يكسب المؤلف بهذا الطرح جفاء الطرفين ويستثير غضبهما. في حين تقف بقية الأطراف لامبالية بهذا النوع من الصراعات. فتلك الأطراف منهمكة في التحضير لأدوات تساعدها على نيل الإعتراف ومن ثم سحب البساط من تحت أقدام القطب العالمي الأوحد.
الغرب النرجسي يمارس نرجسيته حتى أقصاها ويداوي جروحه النرجسية بحركة تمرد
نرجسي عنوانها الحرب على الإرهاب. فجرح 11 أيلول ذهب ب 3 آلاف ضحية لأميركية
فأحدث تمرداً أميركياً أوقع عشرات آلاف الضحايا وهو لم يرتوي بعد !؟. ونرجسية الغرب لا تقف عند هذه الحدود بل تتعداها الى رغبة طفولية جارفة في تجميد الزمن عند لحظات الكفاية النرجسية. ومن هنا طرح ” نهاية التاريخ “. وهي النهاية التي توقف الزمن عند لحظة الإنتصار الأميركي المطلق وهبمنة نظام السوق على العالم.
ما أراد جورج قرم قوله هو أن النرجسية غير كافية لتجميد الزمن. فهو يسخر من البشر في جريانه كما سخرت منهم الساعات السائلة في لوحة سلفادور دالي ” الزمن السائل “. فالحضارة الإنسانية مستمرة في دورتها وهي شديدة الإصرار على التعددية التي ينكرها الطرفان….
وهكذا يشكك الكتاب في عدد من المقولات الشائعة والمسيطرة على فهم طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب، فالغرب الذي يُوصف بأنه علماني وعقلاني ولا ديني ليس هو كذلك كما يجادل المؤلف، فعلمانيته مخادعة وغير إنسانية ومنحرفة عن علمانية عصر الأنوار، وعقلانيته ملوَّثة بتوترات وانفعالات الهوية والنرجسية. واللادينية فيه ليست سوى مظهر خارجي يُخفي مركزية الدين وفكرة الخلاص المسيحية اليهودية المهجَّنة أصبح يُنادى بها كجذر لحضارة الغرب الراهنة تدفن الجذر الإغريقي الروماني لهذه الحضارة بأبعادها العقلانية واللادينية. وهكذا فإن الشرخ الأسطوري أو.. أو الوهمي بين الشرق والغرب وكما يرد في الكتاب هو اصطناعي بامتياز وليس حقيقياً.
مفكِّر لم تستحقُّه الدولة اللبنانية
عبده وازن
مَن يقرأ كتب جورج قرم – وآخرها كتاب شرق وغرب: الشرخ الأسطوري – يدرك جيدًا لماذا لم تستطع الدولة اللبنانية أن تستوعب مفكرًا وعالم اقتصاد واجتماع في حجمه وفي رصانته ومثاليته! كان من الطبيعي أن يتعرَّض جورج قرم، إبان تولِّيه وزارة المال في حكومة الرئيس سليم الحص (1998-2000)، للحملات المغرضة التي أظهرت “جهالة” خصومه وفضحت أساليبهم الخبيثة – وكان هو خارجًا لتوِّه من معركة “الإعمار” التي خاضها كمُعارِض يراقب ويحلِّل ويستخلص. راح الخصوم حينذاك يقرأون كتبه، لا ليتثقفوا بها أو يستفيدوا منها، وإنما بحثًا عن مآخذ يعلنونها ضدَّه، محرِّضين بها المسؤولين السوريين عليه وعلى مواقفه النقدية التي شملت السياسة السورية. يذكر المواطنون كيف أطلَّ أحد الوزراء اللبنانيين على الشاشة الصغيرة حاملاً أحد كتب جورج قرم، قارئًا بصوت واثق بضعة مقاطع تنتقد النظام السوري! وكان كلما قرأ مقطعًا يتوقف ليذكِّر “الجمهور” أن صاحب هذه الأفكار هو وزير في الحكومة. ومثله أيضًا فعل بعض الإعلاميين الذين تنكَّبوا قراءة كتبه بحثًا عن جملة أو مقطع ينتقد فيه سورية!.
إلا أن الحملة المغرضة تلك فشلت في تحريض المسؤولين السوريين على الوزير قرم الذي لم يبدِّل آراءه ولا مواقفه، ولم يسعَ يومًا إلى “تمسيح الجوخ”، كما يقال. وفات أصحاب الحملة أن جورج قرم كان واحدًا من المستشارين الاقتصاديين الذين استعانت بهم الدولةُ السورية في قضايا مالية ومصرفية عدة، مثلها كمثل الجزائر وتونس والمغرب واليمن وإيران وسواها، وفاتهم أن المسؤولين السوريين لا يحتاجون إلى من يذكِّرهم بأيِّ موقف معلَن ضدَّهم، وأنهم لا يأخذون بمثل هذا التحريض الرخيص، أو بمثل هذه “الغيرة” المفضوحة على قضاياهم السياسية.
كان جورج قرم أكبر من كلِّ هذه “الحملات” المغرضة التي شهرت في وجهه “السيف” السوري! وهو سرعان ما باشر برنامجه الإصلاحي، واستطاع، إبان فترته الوزارية القصيرة، أن يحقِّق منجزات لافتة، وفي مقدِّمها دفع متأخرات الدولة للقطاع الخاص، وخفض مستوى الفوائد، وإعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات، وسواها. ويكفيه أنه ظلَّ، طوال فترة حقيبته الوزارية، يقاوم مبدأ زيادة الضرائب على المواطنين الذين ما عادوا قادرين على تحمُّل المزيد منها، وكأن مسؤولية الديون العامة الباهظة تقع على عاتقهم هم!
بدا جورج قرم مفكرًا مثاليًّا في دولة لا تولي الفكر والمثالية أيَّ اهتمام، وبدا رجل إصلاح في وزارة هي صورة عن الإدارة اللبنانية التي تحكُمها المصالح الشخصية، ويتآكَّلها الفساد والجهل واللامنطق. كان رجل السياسة والاقتصاد والعلم في “سلطة” هي أشبه بـ”مغارة علي بابا”، تُنهِكُها الفضائح والصفقات – دولة ينقلب فيها المسؤول إلى متهم، ثم ينقلب من متهم إلى مسؤول!
كان من المستحيل على جورج قرم أن يبقى وزيرًا في دولة لم يبقَ من معالم الدولة فيها إلا السلطة! مفكِّر سياسي، ومؤرِّخ، وعالم اقتصاد، يملك رؤية جلية إلى شؤون لبنان والمنطقة، وإلى قضايا عدة متوسطية وعالمية. وكُتُبه التي جمعت بين الفكر السياسي والاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ باتت تصدر الآن في كتب الجيب في فرنسا، محقِّقة رواجًا لافتًا.
يسعى جورج قرم في كتابه البديع شرق وغرب إلى دحض وجود “الشرخ” الذي طالما جرى الكلام عليه بين الشرق والغرب، معتبرًا إياه شرخًا خياليًّا ووهميًّا. فالخط الذي فصل بين الشرق والغرب لم يكن ثابتًا عبر التاريخ؛ وهو قد تأرجح وفقًا للتطورات السياسية الدولية المتتالية، وبات الغرب يسيطر عليه، وخصوصًا بعد انهيار “الكتلة الشرقية”.
ويمضي قرم في تفنيد المسلَّمات الرئيسية التي ارتكز إليها الفكر الحديث، جاعلاً منها منطلقًا لرسم ذلك الخطِّ “الخيالي” بين شرق وغرب – وهو في نظره خط تبدَّلتْ حدودُه ومعالمُه عبر التغيرات التي شهدتْها السياسات الدولية والأوضاع الاقتصادية والعسكرية.
يطرح جورج قرم الكثير من الأسئلة بغية الإجابة عنها: هل تقسيم العالم ثنائيًّا إلى “شرق” و”غرب” له جذور في الواقع الموضوعي؟ هل للشرق والغرب ملامح أبدية لا تتبدل؟ مَن يحدِّد تخوم الشرق وتخوم الغرب؟ وأين هي تلك التخوم؟
وردًّا على مثل هذه الأسئلة، يسبر جورج قرم فلسفة الأنوار الأوروبية ومناهج الفكر في العلوم الإنسانية الحديثة – وهي “غربية” الطابع – وكذلك ردود فعل المجتمعات “الشرقية” التي احتكَّت بالحداثة الغربية وتأثَّرت بها. ويستعرض أيضًا مسلَّمات الفكر الحديث، آخذًا على المثقفين العرب قبولهم بها من دون نقد معمَّق، ومن دون التطرق إلى وظيفة هذه المسلَّمات في الخطاب الغربي. ويخلص إلى أن الشرخ قام في مخيِّلة رجال الإعلام وبعض الأكاديميين الأمريكيين النافذين وأركان الحكومة الأمريكية ممَّن روَّجوا لمقولة “صراع” الحضارات أو الأديان، وفي ظنهم أن التاريخ جامد ومتمحور حول التعصب الديني!.
ولا غرابة أن يسمِّي جورج قرم مثل هذه “النظرة” الجامدة بالهذيان و”الجدلية العقيمة”، ساعيًا إلى تفكيك مقوِّماتها، عبر نقد المقولات البارزة للفكر الغربي والفكر العربي في هذا الصدد. ويرى أن المثقفين – غربيين وعربًا – عجزوا عن القضاء على هذه “الثنائية الفتاكة” التي قسَّمتْ العالم إلى شرق وغرب لا يمكن أن يلتقيا. وانطلاقًا من هذه المقاربة النقدية يفنِّد جورج قرم المسوغات و”الأكاذيب” التي رسَّخت هذا التصور “المتوهَّم”، مستلهمة مفاهيمها من اللاهوت الغربي البروتستانتي ومن “الأصولية” الشرقية.
كتاب بديع حقًّا، يجمع بين المتعة والمنهجية، بين السلاسة والعمق، ويُقرأ كما لو كان في الحين عينه كتابًا في التاريخ والفكر السياسي والاقتصاد وعلم الاجتماع. وقد تمكَّن جورج قرم من صَهْرِ هذه العلوم وإلغاء الحدود بينها، ليكتب نصًّا علميًّا لم تثقلْه المصادر والمراجع، على وَفْرَتها. وهو كتاب يردُّ على أسئلة راهنة ومطروحة اليوم بإلحاح، ويعالج قضايا تعني القارئ الغربي بمقدار ما تعني القارئ العربي. والكتاب هو حلقة تُضاف إلى كتب جورج قرم السابقة ذات الطابع التاريخي والفكري والسياسي والاجتماعي.
قد يكون من نوائل الحملة المغرضة التي قامت ضد جورج قرم كوزير للمالية عودته إلى قرَّائه في هذا الكتاب البديع؛ وهي عودة تثبِّت إيمان هذا المفكر بالحوار، لا بين الشرق والغرب فقط، بل بين اللبنانيين أنفسهم، مهما اختلفوا أو تناقضوا – علاوة طبعًا على عودته باحثًا وكاتبًا مرموقًا يصعب أن يجد لنفسه حيزًا – ولو ضئيلاً – في “دولة” هي دومًا على حافة الانهيار!.
الكتاب: شرق وغرب: الشرخ الأسطوري
المؤلف: جورج قرم
الناشر: دار الساقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*