أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / خرافة التحضر

خرافة التحضر

في صدر كتاب المفكر الماركسي الراحل فؤاد مرسي ” الرأسمالية تجدد نفسها ” يطرح تساؤلين هامين : أين تقف الرأسمالية المعاصرة ؟ وأين يقف العالم المعاصر ؟ ويعيد من خلال هذين التساؤلين انتاج المقولات الفكرية ذات الصلة بالمشروع الرأسمالي العالمي في نهايات القرن العشرين. والكتاب رغم قيمته العلمية وجذريته بالنسبة للمجتمع السياسي العربي الذي يقف في المعسكر المضاد للنظام الرأسمالي ؛ فيما قدمه من اطروحات هامة وخاصة حينما ركز علي تناول قضية التكنولوجيا ودورها في انقاذ النظام الرأسمالي عدة مرات من أزمات طاحنة.

العلم والتكنولوجيا اذن لعبا دورا هاما في تطوير أدوات الانتاج ، ولكن يبدو أن الأمر في حاجة الي نظرة جديدة تكشف عن مدي تأثير الرأسمالية علي تطور وتوجهات العلم منهجيا وابستمولوجيا.والحقيقة أن الرأسمالية قد ادخلت العلم المعاصر في أزمة خانقة أردته أسيرا لرغبات الرأسمال وعالم الأعمال، وهو توجه لو استمر علي هذا النهج لعقود قادمة فقد يعني ذلك إقدام البشرية علي الانتحار الارادي ما لم يتخلص من هذا النظام الي الأبد.

وسنحاول تلمس هذا الطريق عبر هذه المقالة المختصرة لنعيد طرح سؤالين مختلفين عما طرحهما فؤاد مرسي: أين تقف الرأسمالية من العلم المعاصر ؟ وكيف يتم توظيف العلم لصالح الاستغلال ؟. إن البشرية لم تمر بمرحلة تاريخية صارت فيها مهددة بالفناء والدمار الشامل بمثل هذه اللحظة التاريخية المفصلية والحاسمة، ولم يشهد التاريخ الحديث أو المعاصر – حتي في اثناء الحربين العالميتين أو الحرب الباردة – حالة إعياء بشري عام جراء الانتهاك الدائم لقوي وموارد الطبيعة بمعدلات سريعة مثلما يحدث الآن. فالسباق المتلاحق بين الشركات الكبري والعملاقة بات لا ينظر ولا يلتفت مطلقا الي نصائح علماء البيئة أو غيرهم من المفكرين، ولا ينشغل بتنامي معدلات الفقر والمرض والموت جوعا.الخطيرة في الأمر هنا هو الاعتقاد أن تطور المعرفة العلمية منسوب بصورة كبيرة للرأسمالية.

ومعلوم أن نجم النظام الرأسمالي قد بزغ من رحم الاقطاع الأوربي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، ونشأ العلم الحديث في القرن السادس عشر ، وترافق العلم بالرأسمالية في اطار تاريخي واحد ونطاق جغرافي محدد، فتجاورت معاهد البحوث العلمية مع قلاع الصناعة الرأسمالية الحديثة وعمل العالِم مع الرأسمالي تحت غطاء سياسي يمنح الحرية للبحث العلمي وللتجارة في آن واحد. هكذا بدا الأمر وكأن العلم والرأسمالية وجهان لذات العملة ” عملة التقدم البشري ” واعتقد الكثيرون من المفكرين والباحثين والعامة من الناس أن ثمة ارتباط عضوي وحوار جدلي يتم علي مسرح الواقع بين البحث العلمي والنظام الرأسمالي ، وآية الاعتقاد واليقين هنا هو التزامن التاريخي والنطاق الجغرافي والقيم المعرفية التي تمنحها الدساتير الرأسمالية لراغبي المعرفة. وخطورة هذا الارتباط أنه يرسخ لفكرة السببية ويضفي علي الرأسمالية سمة ليست لها ، ويجرد العلم من أهم صفاته وسماته وهي الموضوعية والاستقلالية بالاضافة أن هذا الاعتقاد يخالف الواقع التاريخي الذي يؤكد علي أن كل الحضارات الانسانية شهدت نشاطا علميا بدرجات متفاوتة.

أولا: أزمة العلم: تصريف شئون القوة

في العام 1945 أصدر فيلسوف العلم الأشهر كارل بوبر Karl Popper “1902-1994″ مؤلفه الهام في فلسفة السياسة ” المجتمع المفتوح وأعداؤه The Open Society And Its Enemies ” ينتقد فيه بحده وعنف النماذج الفكرية المغلقة ” أفلاطون – أرسطو – هيجل – ماركس ” ويري أن النظام الرأسمالي ( المجتمع المفتوح ” ضروري للبحث العلمي والإبداع والتقدم. وفي أطروحات الكتاب يذكر بوبر أنه ” يعبر عن تقديره الشديد لماركس وإخلاصه وانسانيته وأمانته الفكرية Intellectual Honesty وكراهيته للإسهاب الأخلاقي والنفاق واحساسه بالحقائق ومسعاه المخلص للحقيقة، ومساهمته الهامة في الدراسات التاريخية وعلم الاجتماع ورغبته المتقدة لمساعدة المضطهدين، ولكن رغم كل هذا فإن ماركس هو أحد أكثر الأعداء الخطرين للمجتمع المفتوح ) ومصدر خطورة ماركس- فيما يري بوبر أنه يهدد النسق الرأسمالي بأسره ويكشف زيفه ولا انسانيته وبالتالي ضرورة تجاوزه الي مجتمع أكثر عدلا وأرحب فهما لانسانية الانسان ولسياقات التاريخ.

ولذلك فإن هذه الدراسة في جوهرها قراءة في المسافة الفاصلة بين بوبر وماركس، أو بين إدراك ماركس لانتهاكات النظام الرأسمالي للطبيعة والمجتمع والإنسان وبين توهمات بوبر بأن المجتمع المفتوح ” الرأسمالية ” والعلم هما وجهان لعملة واحدة ( فالبحث يكون ذو قيمة ثقافية أو جوهرية اذا كان السعي ورائه لذاته، ويكون ذو قيمة تكنولوجية أو عملية عندما يسعي الي تحقيق أهداف اجتماعية وانسانية غير أكاديمية Non Academic ) وتلك القيمة الفكرية أو النظرية هي الإطار النظري الذي نحدد بناء عليه الي أي مدي أمكن للعلم أن يؤسس مبادئه علي منطلقات فكرية بحتة.

لقد كان ماركس هو المعادل الموضوعي – في الإطار الفكري والفلسفي – للانتقال من عهد الآلات البسيطة والبدائية الي الألات المعقدة والمركبة، ومن مرحلة التفكير الميتافيزيقي التي تحدث عنها أوجست كونت الي العقل العلمي والتفكير الانساني والتوجهات التجريبية. فلم تكن الاشتراكية العلمية إذن سوي رد الفعل الفلسفي لنظام اجتماعي / اقتصادي بدأ في استهلاك الموارد واستلاب الانسان، فسعت اشتراكية ماركس الي إعادة النظر من جديد في علاقات البشر من حيث كونها تعبيرا عن علاقات الانتاج، فبدلاً من النظر للفرد في المجتمع الرأسمالي باعتباره سلعة أو أداة لإنتاج سلعة أو وسيلة نمو رأس المال علي حساب حريته وقوة عمله؛ جاء تأكيد ماركس علي أنه بإمكان الفرد أن يوظف في إطاره التاريخي من حيث قدرته علي إنتاج معرفة يؤسسها الوعي بمعطيات الواقع، وبالتالي فإن التوجه العلمي يقبع في أنسجة الفكر الاشتراكي، ذلك لأن الموقف من الحياة هو في مضمونه توجه معرفي ديالكتيكي يحدث توازنا منطقيا بين البشر فيما بينهم وبين البشر والطبيعة.

تحولت العلاقة بين العلم والانسان إذن الي عبودية من نوع جديد ، فأمكن للنظام الرأسمالي أن يضع الإنسان في نطاق محورين عبوديين.. الأول : للآلية العلمية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ثم لاحتمال تدمير الحياة علي وجه الأرض في القرنين التاسع عشر والعشرين. الثاني : لصاحب رأس المال من جهة أو لاشباع الحاجات الضرورية الناجمة عن التطور التكنولوجي من جهة أخري. وهي عبودية حولت الانسان الي كائب بيولوجي بحت أكثر من كونه كائن عاقل يستطيع بمفرده أم يحدد مصيره ويمتلك حرية الاختيار الحقيقي. ولكن للأسف جاء توظيف الرأسمالية للعلم واستغلاله له بغرض الهيمنة من خلاله علي حاضر ومستقبل البشرية في كل مكان.

اننا هنا سوف نتحدث بصورة اكثر تفصيلا عن ازمة العلم، ولكن يجب ان نذكر من جديد أننا نضع مفاهيم وتصورات تلك الأزمة في سياقها التاريخي والاقتصادي والاجتماعي، أو بمعني آخر في اطارها الايديولوجي. فلا نقصد أبدا الدعوة الي رفض المنهج العلمي أو التعريض بقيمه العليا من حيث كونه آداة بشرية استحدثها الإنسان لفك شفرة الكون المحيط به.

وجدير بالذكر أن الحديث عن أزمة العلم ليس وليد اللحظة الراهنة ، فهناك العديد من فلاسفة ومفكرين العالم الرأسمالي نفسه وجهوا اتهامات مباشرة لنسق العلم الحديث سواء في جانبه النظري أو التطبيقي. وفي هذه الدراسة قد لا يجد القاريء ضرورة ملحة لمناقشة الأخطاء الابستمولوجية والنظرية في بنية العلم بقدر ما ينصب اهتمامه علي الجوانب التطبيقية له أو السياج الاعتقالي الذي فرضه النظام الرأسمالي علي نظريات وتوجهات العلم الحديث. فليست أزمة العلم في التكنولوجيا في حد ذاتها ،ولكنها في استغلال النتائج التطبيقية للعلم من أجل تعظيم مكاسب حفنة من رأسماليين سخروا البحث العلمي وخصخصوا نتائجه لصالح طموحاتهم البعيدة تماما عن مصالح البشرية ومستقبل الكوكب. ولقد أثمرت شجرة العلم بالفعل ما ينفع الناس ويحد من شقاءه في الحياة ، ولكنها ظلت – علي الأقل في القرنين الآخيرين – آداة في يد رجال المال وليس الفلاسفة أو الحكماء او المفكرين او حتي العلماء والباحثين اننفسهم

أن الأزمة الحقيقية للعلم هي تحول العلماء والمخترعين الي طبقة عاملة من نوع جديد في دولاب الانتاج الرأسمالي يبيعون قوة عملهم وفكرهم وأبحاثهم مقابل دولارات قليلة أو كثيرة ويتركون فائض قيمة عملهم لأصحاب روؤس الأموال يوجهونه كيفما يشاؤون ، ويحققون من خلاله أرباح هائلة ويحرقون بها أكباد الأمهات والأطفال المرضي والجوعي ويجردون البشر إما من انسايتهم أو حياتهم ذاتها. لقد أعاد التاريخ دورته من جديد في أقل من حمسائة عام ، فإذا وقف القرن الخامس عشر شاهدا علي أكبر عملية تهجير للعبيد من افريقيا الي أوربا ليكونوا الساعد الذي شيد المعمار الأوربي والمصانع الغربية ؛ فإن القرن العشرين يقف شاهدا علي أكبر عملية تهجير لعلماء العالم ليشيدوا بعقولهم النسق العلمي الغربي الحالي. ثم أن أزمة العلم بهذه الصورة ليست سوي مظهرا من مظاهر الازمة الكبري للرأسمالية في تناقضها مع القيم الانسانية والعدالة الكاملة لا عدالة الانسان الأبيض.

من هذا المنطلق سوف نبحث في الصورة التي شكلتها العقلية الغربية والتأكيد علي أخطار وأخطاء ومخاطر النظام الرأسمالي. وهنا نحاول فك الارتباط وننزع عن العلم صفة الايديولجية التي حاول رجال السياسة في العالم الرغبي التاكيد عليها. فالارتباط بالعلم منطقا ومنهجا وسلوكا يضفي علي المذهب الرأسمالي صفة القدسية والتقدير، وعلي عكس ما هو واقع من أن الرأسمالية هي الطفل المدلل الذي انتهك حرمات العلم وفصلت بشدة وقسوة بين أهدافه والقيم الانسانية ، وما نشأة فلسفات التنوير وبعض نظريات علم الاجتماع والانثروبولوجيا وخاصة عن شتراوس سوي نعبيرا عن رفض هذا الفصل بين ما هو قيمي وما هو معرفي ابستمولوجي. فثمة علاقة بين المعرفة العلمية وتحسين قوي انتاجية العمل أو القدرات التكنولوجية بصفة عامة. وقد حدد آدم سميث من القرن الثامن عشر في كتباه الشهير ” ثرورة الامم wealth of Nations 1776 كنه تلك العلاقة والتي من بينها قدرة العمل علي التحول من التعلم اليدوي عن طريق الحاولات المتكررة الي التعامل مع المخترعات الهامة لأدوات الإنتاج والتي قام بها علماء وباحثين علميين من خلال عمليات البحث والتطور المستمر، فكلما تنامت المعرفة العلمية في اطارها التطبيقي والتكنولوجي وتزايدت معدلات الإنتاج وتوفير الوقت والجهد صارت امكانية التخصص موجودة في نظام العمل والترابط الهيراركي الوظيفي. ولقد نظمت الرأسمالية العلم في فروع وتخصصات وشعب مثلما قسم رجال المال والاقتصاد العمل الي فروع وتخصصات بحيث اضحي النسق العلمي أشبه في التكوين والتضاريس والبني والتركيبات بنظام العمل الرأسمالي. ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر لم تكن التخصصات العلمية بارزة بالصورة التي تبدو عليها الآن ولا يرجع هذا التنظيم الي تنوع وتضخم المعرفة العلمية فقط بقدر ما يعود أيضا الي أن النظام الرأسمالي – لا سيما في القرنين 19 ، 20 – فكك بنية العلم المعاصر ذاتها وخلق فواصل يصعب تجاهلها بين العلم النظرية والعلوم الانسانية والعلم التطبيقي كما يوضخ الخطط التالي: ( علم نظري علم تطبيقي Vs علوم انسانية ) والأهم من ذلك أن الرأسمالية جعلت العلاقة بين هذه الأيقونات الثلاثة قائمة علي النفعية والسلوك الطفيلي الذي تتسم به بعض جوانب نظامها نفسه حيث سخرت العلم الطبيعي لصالح التكنولوجيا ودفعت بالعلوم الانسانية بعيدا عن امكانية اصدار احكام أو مراقبة سلوك توجيهات العلم ، بل والأخطر من ذلك أن علوما انسانية قامت بمناهجها التامة بناء علي رغبات رأسمالية استعمارية ، فعلم الانثربولوجيا ذاته نشأ بهدف دراسة الدول المُستعمَرة من حيث الخصائص والسمات حتي يسهل السيطرة عليها.

لقد تزايدت في الأونة الأخيرة الاعقتاد والتأكيد علي أهمية وضرورة إيقاف نزيف الأخطار التي تهدد البشرية وتنامت الكتابات الغربية التي تحاول أن تحذر وتدين توجهات العلم والتكنولوجيا في العصر المعاصر، حيث طالب آينشتين في منتصف القرن العشرين بضرورة إبداع نظم ردع جديدة تحول دون استخدام الإنسان المعاصر للانتاج العلمي في مجالات مختلفة ، الذي يهدد مستقبل البشرية والي مزيد من استخدام العقل والتعقل والحكمة، ويجب أن يبذل العلماء أنفسهم جهودا مضنية للحد من سلطة وسلطان العلم ومظاهره التكنولوجية. بيد أن ما تغافل عنه آينشتين ينحصر في رصده لكافة المخاوف والدوافع مع تجاهله التام للأسباب التي زجت بالبحث العلمي الي احضان الاستغلال الرأسمالي والشركات الخاصة ، فلم يشأ أن يذكر أن العلم أصبح سلطة في يد رؤساء الدول والمؤسسات الغربية ، فكما ترسخت فكرة تسليع البشر في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، تنامت أيضا فكرة تسليع العلم لا سيما في أواخر القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين.

إننا امام برنامج تدميري منظم تقوم به المؤسسات الرأسمالية ، فتجارب حكومات العالم الغربي علي الأفراد أثناء الحرب الباردة والانتهاكات الخاصة بمنهجية البحث العلمي وتحديد أولوياته وسوء إدارة تمويل الأبحاث العلمية وانحراف عملية التوجيه المالي الي أبحاث ذات طبيعة تدميرية أو استهلاكية وانتهاكات في توليفات الشفرة الوراثية ” DNA” بالإضافة الي احترار الأرض أو ارتفاع درجة حرارة العالم …. إلخ كل ذلك يؤدي إلي أن ( ترتفع مستويات سطح البحر ويتغير الطقس وتذبل المسطحات المزروعة ، ويصبح المناخ استوائيا، وهنا أوصي المتخصصون بالبيئة بأن الدول في مختلف أنحاء العالم يجب أن تعمل علي الإقلال من انبعاث الهيدروكربون من أجل الحيلولة دون إرتفاع حرارة العالم. ونجد رجال الأعمال والصناعة يعارضون هذه التوصيات والنظم الأن لها تأثيرا اقتصاديا ضارا علي المدي القصير) هكذا ينطلق الحصان مسرعا بالعربة الي الهلاك ويقود هوس الربح حاضر البشرية الي مستقبل مرعب.

والأهم من ذلك عندما يتحول العلماء الي برامج عقلية بين أيدي القطاع الخاص والاغراض العسكرية، لأن ( في صناعات القاع الخاص يكون الهدف الاساسي هو تحقيق اقصي قدر من الربح ، لكن السعي وراء هذه الغاية يتصادم مع الانفتاحية والامانة والحرية والمباديء الاخري لاخلاقيات البحث العلمي، أما الهدف النهائي للجانب العسكري فهو حماية السرية ) وإنتاج كل ما له علاقة بتدمير قوي البشر وكل ما هو متصل بإمكان القضاء نهائيا علي الحياة في الكون. لقد امتلكت الرأسمالية المناهج العلمية وطرائق البحث العلمي وتحكمت في أهدافه وتوجهاته في القرون الأربعة الأخيرة ، وهي الآن تقود الحضارة الإنسانية بمفردها نحو مستقبل غامض ومبهم

والشكل التالي يوضح الي أي مدي ساهمت قوي وعناصر النظام الرأسمالي في أزمة العلم الحقيقية :

ثانيا : الرأسمالية :خرافة التحضر

ما هو المعيار المؤسس لقدرتنا علي تقييم أو الحكم علي النظام الرأسمالي بأنه أصبح معوقا للتقدم الإنساني الحقيقي ومهددا للوجود البشري الفيزيقي ؟ بمعني آخر، هل التحضر الرأسمالي الذي ظل سائدا وحاضر بقوة في المشهد العالمي في القرون السابقة صار خرافة ؟ ويبدو السؤال أكبر من القدرات، ولكن عندما ينفرد هذا النظام بالمسرح العالمي وتتشابك مع هذه الواحدية المهيمنة مشكلات خطيرة في شتي مناحي الحياة ، بل وعندما يشعر الأفراد وليس الأمم والجماعات فقط أن ثمة عبثا كونيا يخيم علي تضاريس الحضارة الانسانية بكافة عناصرها ، نقول عندما تتشابك تلك الخيوط؛ لابد وأن تنحصر الإجابة في سوداوية هذا النظام الأوحد ، بل وتتداعي التساؤلات بصورة متزايدة يوما بعد الآخر عن مدي قابليته للحياة. فليست خرافة التحضر الرأسمالي مقولة غوغائية نشتم منها رائحة الايديولجيا المضادة ولا هي من قبيل الحرب الاعلامية ضد نظام وصفه فوكوياما بأنه ” نهاية التاريخ ” ، ونصفه نحن بأنه بالفعل نهاية التاريخ الوجودي للانسان علي الكوكب لو استمر جاثما علي صدورنا في القرن الحادي والعشرين، وأيضا ليس موقفا زائفا كالميديا الغربية ولكنه موقف أصيل مبني علي دعائم واسانيد حاول ترسيخها كثيرون من مفكرين وفلاسفة الغرب والشرق علي السواء.

بيد أن ما يهمنا في هذه القضية هو البحث في خرافة التحضر هذا من منظور أزمة العلم .ولكن قبل ذلك ينبغي أن نطل علي العقل الغربي في نزعته التطهيرية المباشرة. يقول احد علماء الاقتصاد الامريكيين ، في عبارات لا تخلو من دلالة ، لقد كان ( احساس امريكا بنفسها اكثر حدة من خلال مواجهة قوي الشر خارج حدودنا – وقد اتضح هدفنا القومي في النزاع – حتي قبل أن نكون أمة بصورة رسمية، فقد اكتسبنا الشعور بأمتنا عندما حاربنا فرنسا والهنود الامريكيين الوطنيين ، وخاصة بريطانيا . وقد قوي ادراكنا بذاتنا عندما واجهنا بعد ذلك المكسيك واسبانيا والمانيا، وبعد ذلك ايطاليا واليابان والنازيين . وقد وصل العديد من هذه النزاعات الي نسب اسطورية في الخيال الامريكي : وتكرارا ، فنحن أفراد مختارون ، منعم علينا بالعناية الالهية واعداؤنا عليهم لعنة الهية ) هذا النص يحمل دلالة هامة وهي أن أمة تنظر لنفسها بهذه الصورة – وهو ليس النص الوحيد الذي يشير الي تلك الحالة – من الطبيعي أيضا أن تتعامل مع العلم الطبيعي والعلوم الانسانية بذات الطريقة أيضا من حيث الحق المطلق في توجيه سياسات العلم ونظرياته في الاتجاه المناسب لعظمة تلك الأمة ما يتناسب مع دورها الإلهي المخطط لها من الرب. علي نفس هذا المنوال تستغل الرأسمالية العلم في تحقيق مكتسبات مالية وسياسية وتروج قيمها ومفاهيمها في الاقتصاد السياسي ونظريات الحكم. واتخذت من قاعدة امتلاك المعرفة العلمية وكل ما يتعلق بها من أدوات تقدم وسيلة للهيمنة الرأسمالية علي شعوب العالم. إن التصور المحوري لدي مفكري النظام الرأسمالي هو أن تنسحب مصداقية العلم والنظريات العلمية علي مصداقية النظام الذي يحتويها نفسه وهو استغلال لمنتج بشري ساهمت فيه كل الحضارات من أجل تحقيق مكاسب مباشرة لنظام فاسد سياسيا واقتصاديا أورث العالم الحروب والظلم وانتهاكات قيم ومباديء الانسانية ، ولم يختلف كثير من حيث الجوهر عن النظم الاقطاعية والعبودية السابقة عليه، انها ذات النزعة الاستغلالية التي تقوم بها الايديولوجيات العرقية أو الدينية حينما تستغل القيم العليا في الترويج لانظمة رجعية فشلت في تطوير مسيرة البشرية الي الامام. و يقول المفكر الاقتصادي لستر ثارون في كتابه ” الصراع علي القمة ” ( أن البيئة السليمة جزء مهم من مستوي المعيشة المادي لأي انسان، ولكن البيئة السليمة لا توفرها إجراءات يتخذها بلد واحد بمفرده، فالاحترار العلمي، والزيادة المفرطة في ثاني أكسيد الكربون في البيئة ، وثقب الأوزون في انتاركتيكا ، والكميات الضخمة من الفلوروكريون في الغلاف الجوي ؛ ليست مشاكل يمكن السيطرة عليها أو علاجها في بلد واحد، ولذلك سيتعين التوصل الي حلول تعاونية ) هكذا يدعو مفكرو الرأسمالية الي توزيع الهموم التي نتجت عن جشع رجال الصناعة ولا يدعون الي توزيع الثروة. انها ذات العقلية التي استنزفت طاقات الأفارقة في القرن الخامس عشر وما تلاه في الثورة الصناعية ، ثم مارست معهم أشد أنواع التفرقة العنصرية في التاريخ الانساني، وذات العقلية التي استعمرت دول العالم واستحلت الأرض ومواردها ثم اعادت نفايات المصانع، فحقق فاض ربح متعاظم من استغلال الموارد الخام ، فائض يسمح للعامل الأوربي بالتنزه في كل بقاع العالم الساحرة. ثم اعادت نفايات المصانع مرة أخري من حيث أتت المعادن الاصلية بعد خروجها من عملية التصنيع، فلم تعرف الرأسمالية في كافة مراحلها سوي الاستغلال بكافة صوره وليس العلم حالة استثناء من هذه العقلية بل إنه يقع في القلب من عمليات الاستغلال هذه، فإليه يرجع الفضل في احداث انقلاب جذري في أدوات الإنتاج برمتها.

ان الايديولوجيا الرأسمالية حولت الغائية المعرفية من حالة البحث عن الحقيقة والصدق واكتشاف القيم التي تحكم صيرورة الأشياء وتجانس الطبيعة، أي حولت الغائية المطلقة الي قصدية معرفية موجهة تهدف الي تربية كائن بيولوجي جديد لا تخلو مضامينه وتحققاته من الأدلجة والربحية واستنفار قدرات البحث العلمي وقوي الكون وموارد الطبيعة في تعظيم القوة الرأسمالية من أجل تنمية القدرات الصناعية ثم اعادة تدويل ” التكنو – علم ” من جديد … وهلم جرا .

إن خرافة التحضر الرأسمالي من المنظور العلمي جاءت نتيجة مباشرة لاسباب ثلاثة :

1- انحراف الأنساق العلمية بعيدا عن القيم الانسانية التي رسختها الفلسفات الكبري وحركات التنوير وموجات النظريات الادبية والمدراس الفنية والنهضة. فصار العلم غريبا في بيئة لا تعترف بالقمية الانسانية ولا تلتزم سوي بالكيفية التي يتم بها تحقيق فائض القيمة بالاستلاب الفردي والاستلاب علي صعيد عالمي.

2- اختزال القمية المعرفية للعلم في البحث العلمي التطبيقي والتوجه التكنولوجي، نتج عن هذه الاختزالية بالضرورة أدلجة خط الانتاج العلمي المنطلق من البحوث التطبيقية الي التكنولوجيا العملية. أو معامل البحث الجامعي الي البرامج الصناعية والتجارية للشركات متعدية الجنسية، وهو تحول خطير ومؤثر سواء كان علي العلم حيث يزيد من توتر جوانبه المعرفية واختلال التوازن بين قوي العلم الداخلية ويحدث خللا في بنيته الداخلية لضمور البحث النظري كقاعدة أساسية للعلم وجذع وحيد له، وهو ما سوف يجفف بالتالي فروع العلم الاخري ومن بينها البحوث التطبيقية ايضا، ومن الممكن أن يؤثر كل ذلك علي النظام الرأسمالي ذاته لأن خروج العلم كمؤسسة من دائرة التحكم الرأسمالي سوف يعرض البناء الهيكلي في الولايات المتحدة والغرب الأوربي الي إمكانية الإزاحة. وجدير بالذكر أن هذه العيوب قد انتقلت الي مجال التطبيق الاكاديمي بصورة فعلية فالمشروع الاكاديمي كان مصدر ازعاج بسبب سلسلة المشكلات الثقافية والتربوية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية ككل ، والتي يرجع اليها بطريقة أو بأخري فشل العلم الحديث والتكنولوجيا والمؤسسة التعليمية في أن تكون ذات قيمة للناس في حياتهم.

3- عسكرة العلم : فبالحوث العلمية في تطوير القدرات العسكرية تستحوذ علي نسبة عالية من ميزانيات البحث العلمي في العالم ( حيث صار القطاع العسكري هو القاطرة للصناعة والتكنولوجيا والبحث والعمالة ، وبالتالي الاداة لانعاش الاقتصاد بصورة دائمة خصوصا عندما تلوح معالم الأزمة. وبالطبع فإن القوة المحركة للقاطرة نفسها إنما تتمثل في الانفاق العسكري للدولة ) وهو ما يعني أن درجة الانحراف في المنظومة العلمية قد وصلت الي أقصي مدي لها، وأصبحت في أبعد نقطة كونية بالنسبة للقيم والعلوم الانسانية والتصورات والمفاهيم العلمية ذات البعد النظري ، بل وصارت منحرفة بدرجة ما عن جوانب من البحث التطبيقي. إن عسكرة العلم تمثل احدي المعاني التي قصدها بيكون في القرن السابع عشر من مقولة ” المعرفة قوة ” بما يفهم منه بوضوح أن الخلل الوظيفي في المنتج العلمي كامن بصورة أو بأخري في تركيبة النظام الرأسمالي نفسه. ولأن المعرفة قوة فإن مفردات هذه القوة تعني مركب عناصر من بينها ضرورة عسكرة العلم. والعسكرة هنا اتخذت مفهوما كميا وكيفيا مختلفا عن عمليات العسكرة في الحضارات الأخري، ذلك أنه في النظام الرأسمالي اندرجت العسكرة تحت لواء العلم واحتمت بغلاف من الحزام الواقي للقيم الرأسمالية كالديمقراطية والحرية والعلمانية والحداثة وحقوق الانسان. فالخطورة ليست كامنة في التوجه العسكري للعلم فقط بل وفي الحراسة المشددة التي تقيمها الرأسمالية بترسانة مقولات فكرية لحماية عملية الاغتصاب العلني التي تتم علي مرأي ومسمع من كل البشر. ولأن المعرفة قوة فإن القوة تستلزم مقاومة وربما جاءت المقاومة من داخل العلم ذاته أو المجتمع العلمي الذي بدأ يتحسس شائكة موقفه أو من انصار حماية البيئة أو من نخب الشعوب المغبونة . وربما جاءت المقاومة من كل هؤلاء، وأحسب أن ثمة شيئا من هذا القبيل يحدث الان.

تلك هي الأسباب التي توحي ، بل تؤكد علي شيئين مزدوجين ، الأول : أن أزمة العلم ليست في كونه قد حدد اختياره – بايعاز من الرأسمالية – في التوجه التكنولوجي ليستمر علي قيد الحياة ولكنها تكمن بالأساس في ضبط المعايير العلمية بناء علي النجاحات التكنولوجية. نحن اذن أمام معادلة مختلة من الناحية المنهجية وسياق منطقي فاسد. والثاني : أن الانتهازية الرأسمالية في استغلال البشر وانهاك الطبيعة والانحراف بالظاهرة العلمية ؛ تؤكد خرافة التحضر مهما تعددت وتنوعت المقولات النظرية والثقافية للرأسمالية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*