أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / 14 جانفى 2011 والثورة “الفرويدية” الجديدة !

14 جانفى 2011 والثورة “الفرويدية” الجديدة !

بالتأكيد قد لا نأتي   بجديد تحت الشمس عندما نعيد اجترار المفاهيم النمطية للثورة الواحدة تلوى الأخرى.. على غرار أنّها لحظة من لحظات التاريخ الفارقة التي قد لا تتكرّر أو حالة من حالات “الشّياع المجتمعي” التي يتنازع على حصصها عدد من “المالكيين” و”منتحلي الصفة”.. فيزعم المثقف انه ملهمها ..ويقسم الأجير والعاطل انه محرّكها ..ويأتي السياسي  لقطف ثمارها…

لكن قد نكون مجتهدين على الأقل عندما نحاول تفكيك المشهد التونسي لنعيد تركيب مفرداته  بشكل مختلف وفق مقاربات سيكولوجية لم يقع التطرق إليها إلى اليوم  في علاقة بسيكولوجية الحشود “لغوستاف لوبون”  والنظرية العامة للأمراض العصابية والذهانية “لسيغموند فرويد“…

– من منّا لم يعرف “العصاب” La Névrose في حياته وخاصة في العشرية الأخيرة وما تتميز به “الشخصية العصابية” من قلق وخوف وتوتر مستمرين وشعور دائم بالاكتئاب وبعدم الرضا والسعادة؟

– من منّا لم يسمع عن حالة “الذهان ” La Psychose وما تعتريها من اضطرابات عقلية وحالات فصام خطيرة كما تؤشر له جميع الإحصاءات الرسمية ؟

– من منّا لم يتمثّل في يوما من الأيام “طقس سيكولوجية الحشد” ؟

بين هذا وذاك وبمخرجات سلوكية في غاية التعقيد والتفرد متحررة تماما عن الأنساق “الفرويدية والغوستافية” المألوفة تشكّلت ملامح شخصية تونسية – سلوكية وألسنية جماعية – لم يعهدها تاريخ الثورات من قبل – .. شخصية غمرت الساحات والأنهج والبوّابات الافتراضية..نزلت صبيحة يوم 14 جانفى 2011 للحسم دون مراسم تأبين لنظام سياسي ترهل من الداخل.. نطقت بلغة “حرق الجسد” وأدوات التخاطب الافتراضي الجديدة Smiley .. وقودها ألسنة اللّهب التي التهمت جسد “البوعزيزى” وكلمة سرّ أطلقتها حنجرة جمعية واحدة بصوت عال “ارحل” « Dégage » اتّحد فيها البناء اللفظي المنطوق “بلغة الإشارة” في سابقة ألسنية نادرة.. كلّها عزم على تطهير المسرح من مدنّسات  الماضي.. أبطالها “المرئين” و”اللامرئين” طلائع من الشباب المهمّش، ومن تشكيلات مهنية قطاعية متعددة، ومن عسكريين محايدين، وأمنيين مهرسلين، وإداريين لم يغادروا مواقع عملهم حرصا على ديمومة الدولة ينضاف إليهم جوقة من مقاولي السياسية والمتطفلين والمهرّجين … جميعهم أنجزوا دون أن يدروا جيلا جديدا من الثورات، “براديغم” مستحدث يغازل القديم في حدود ما يقدمه للجديد منتقلا بالمعركة بين القديم والجديد من طور المواجهة إلى طور التزامل النفعي …

نموذج لم يقع في فخاخ وهم الايدولوجيا والتمثّلات العقائدية والزعامتية الزائفة .. لم يفسح المجال لاىّ خطيب فصيح أو ربّان مغامر لاختطافها .. يقودها عقلا جمعيا واعيا في منتهى الذكاء جسمّته لوحات تجمع بين الرسم الكوريغرافى الرائع والبناء الفوضوي ..صيّرت “العصاب” و”الذهان” الذي بدواخلنا إلى طاقة مدّ جارفة تجاوزت حدود الجغرافيا لتلتقطها شعوبا أخرى في أوّل عملية “اتّصال وجداني” بين الأمم لم نشهد لها مثيل في التجارب الثورية المقارنة معلنة عن قيام ساعة زمنية عربية جديدة بجميع المقاييس.

عندما أسهب  “فرويد” في تشخيص “حالة العصاب”من خلال استنطاق العقل الباطن وشرع “غوستاف لوبون ” في وضع الأسس الأولى لنظرية سيكولوجية الحشد اعتمادا على نفس البديهية  -Axiome-: “محورية اللاشعور” ، لم يدر في خلدهما إطلاقا أنّ أركان معبد “اللاّشعور” الذي اجتهد عدد من أتباعهما لتحويله إلى “طوطم شعائرى” – قد يهتز يوما من الأيام تحت أقدام أحفاد “يوغرطة” و”عليسة” وغيرهما في حركة جماعية معقلنة راوحت بين الهستيريا والإبداع، لازالت جذوتها متقدة إلى اليوم أفضت مما أفضت إلى صياغة دستور توافقي جديد ..كان سيحظى حتما بنفس القدر من الإعجاب من قبل “أرسطو” لو كان اليوم بيننا !  

فبتمايز عن المسلّمات الفرويدية التي تشدّد بأنّ الكشف عن السلوكيات البشرية الفردية أو الجماعية المتناهية في التنوّع والتعقيد لا يتم إلاّ من خلال فكّ الارتباط المقدّس الثلاثي الأبعاد بين  : الهو le ça- والانا Le Moi- والانا الأعلى Le surmoi- والنجاح في عملية استدراج “الهو” إلى السطح.. جاءت الحالة الثورية التونسية لتستحدث بعدين مختلفين عن البنية اللاواعية “لفرويد” بعد أن أقصت “الأنا” نهائيا من حلبة الصراع مختزلة النزال المجتمعى بين “ذات جمعية واعية محبة للحياة”  و”ذات سلطوية فئوية في طور التحلل“.

مما لا شك أن ردود أفعال الأفراد داخل الحشود تختلف تعبيراتها عن حالتهم الفردية لتتخذ أشكالا أشبه ما تكون بالهستيريا الجماعية، تنطلق بحدث صادم مميز تتماهى معه في البداية مجموعات صغيرة تظهر حماسة مفرطة لتتسع الدائرة العدوى أكثر فأكثر لتشمل جموعا غفيرة من الحشود البشرية ، إلا أنّ ذلك لا يبرر بشكل من الأشكال الإعلان الاطلاقى “الغوستافى” القائل بانّ الجماهير “لا تفهم لغة العقل” وانّ “لا شيء مدروس لدى الجماهير، فهي تستطيع أن تعيش كل أنواع العواطف، وتنتقل من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق  وذلك تحت تأثير المحرضات السائدة” وأنه “بمجرد أن ينطوي الفرد داخل صفوف الجماهير فانه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة“… “فغوستاف لوبون” على أهمية بحوثه عاصر ثورات مختلفة تنتمي إلى جيل قديم تقاد فيها الشعوب كالقطيع وراء الزعيم الفذ المبشر بالفردوس الضائع

فى حين أنه في صبيحة يوم  14- جانفى – 2011 استفاقت الجموع الغفيرة لتجد نفسها متجهة صوب شارع الرمز، قبالة بناية الرمز، لإسقاط الرمز… 

وفي صبيحة يوم 23 أكتوبر 2011 انطلقت نفس الجموع وبنفس الحسّ الجمعي العالي صوب  مكاتب الاقتراع في حجة الوداع مع “العصاب” علّها تعثر عن ملائكة الرحمة…

نفس الجموع أو تكاد تدفقت في شكل سيول بشرية غير مسبوقة بعد أول اغتيال سياسي يوم 6 فيفرى 2012 لرفض مملكة الملائكة  والشياطين …

بالنتيجة عرف رحاب “المجلس الوطني التأسيسي” مشهدا في غاية السريالية امتزج فيه البكاء بالقبلات بين خصوم الأمس القريب معلنا عن ولادة نص تأسيسي حرم “سيغموند فرويد” “وغوستاف لوبون” من الاستمتاع بلحظاته …

السؤال الأكثر راهنيه اليوم : إلى متى ستستمر هذه العناية الجمعية الفائقة ؟

يتبع …

محجوب لطفى بلهادى

باحث متعاون بالمركز العربي للدراسات المستقبلية  

MAHJOUBBELHEDI@YAHOO.FR  

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*