أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / كريمتا الملك: 25 يوماً من التجويع

كريمتا الملك: 25 يوماً من التجويع

ما تتعرّض له الأميرات السعوديات الأربع ليس انتهاكاً لحقوق الإنسان، بل قضية عائلية أقحمت وسائل الإعلام نفسها فيها». هذا هو الردّ السلبي الوحيد الذي يمكن أن نسمعه أو نقرأه، تعليقاً على الحملة الإعلامية التي أطلقتها الزوجة السابقة للملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، العنود الفائز، مطلع شهر آذار الفائت للمطالبة بحرية بناتها المحتجزات في السعودية منذ أكثر من 12 عاماً. ذلك أن كلّ الأسئلة التشكيكية التي تطاول قصة الأميرات، لا تنفي حقيقة وجودهنّ في ظروف سيئة، أقلّها حرمانهنّ رؤيه والدتهنّ منذ أكثر من عشر سنوات. وفي ظلّ غياب أي توضيح سعودي رسمي، يبقى الوصول إلى الحقيقة مجرد محاولة.

إنه اليوم الخامس والعشرون الذي تمضيه الأميرتان السعوديتان سحر وجواهر، ابنتا الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في «سجنهما»، محرومتان الحصول على الطعام والشراب. تعيشان على وجبة واحدة من الطعام يومياً، في محاولة منهما للاستفادة لأطول وقت ممكن من المواد الغذائية الموجودة في المنزل.

لا جديد إذاً في القضية الغريبة، التي أثيرت على نحو واسع مطلع شهر آذار الفائت عبر القناة الرابعة البريطانية (channel 4)، إلا عدّ الأيام التي تمرّ على الأميرتين، بعد قرار حرمانهما الخروج لشراء احتياجاتهما من الطعام والشراب، برفقة الحراس، كما جرت العادة خلال أكثر من عشر سنوات. وتحرص الأميرتان سحر وجواهر، من خلال حسابيهما على موقع «تويتر» ( Art_Moqawama; #jawaher#)، على التواصل على نحو شبه يومي مع متابعيهما، من خلال نشر صور لهما أو عبارات تؤكد استمرارهما في رفع الصوت ضد الظلم الذي تتعرضان له. وكانت العبارة التي وضعتها سحر أمس «ألا إن نصر الله قريب».

في المقابل، تواصل الوالدة العنود الفائز دعمها لبناتها من مقرّ إقامتها في لندن. تتواصل مع محامين، ناشطين حقوقيين، تتظاهر، تطلّ عبر وسائل الإعلام. وفي اتصال أجرته معها «الأخبار» تبدأ حديثها بالتعبير عن قلقها من عدم القدرة على إيصال الطعام والشراب إلى ابنتيها، وخصوصاً أن «ما يوجد في المنزل شارف على الانتهاء». عبر الهاتف، تعيد سرد قصتها، من دون أن تبدي تذمّراً من الاسئلة التشكيكية التي تطرح حول صحة القصة.

تزوّجت العنود الفائز الملك عبد الله مطلع السبعينيات. طلقت عدة مرات، ليكون طلاقها النهائي عام 1985. «ولا أعرف لم طلّقني، في السعودية لا يطرح هذا السؤال». قد يكون الجواب واضحاً، إذا عرفنا أن للملك السعودي نحو عشرين زوجة، 14 منهنّ مطلّقات، وثلاث متوفيات.

لم تغادر الفائز السعودية مباشرة بعد طلاقها، بل بقيت مع بناتها الأربع (سحر، هلا، مها وجواهر)، اللواتي تراوح أعمارهنّ بين 38 و42 عاماً، وحرصت على تعليمهنّ قدر المستطاع، قبل أن تقرّر عام 2003 مغادرة السعودية إلى لندن. ما من سبب مباشر لاتخاذها القرار. «لم تكن هناك شعرة قصمت ظهر البعير بيني وبن الملك كما تسألين، لكن هي تراكمات من سوء المعاملة على مدى عقود. كنا نتحمّل كثيراً بناتي وأنا. وكلّما تحمّلنا أكثر أمعنوا في اضطهادنا، إلى أن قررت المغادرة في محاولة مني لرفع الصوت من الخارج».

لكنها عندما تستعيد المرحلة الأخيرة من حياتها في السعودية، تتذكر أن الأمور كانت قد بدأت تتدهور في عائلتها الصغيرة: تتعرّض بناتها لسوء معاملة تدريجي سببه «التحريض من بقية أفراد العائلة، الغيرة، الحسد.. لا أدري». وقد كانت مها وهلا أوّل من تعرّضتا لسوء المعاملة، وخصوصاً بعد مرض هلا. وعندما لاحظت الأم أنهما مريضتان، شكت في أن هناك من يعطيهما أدوية مخدّرة تسهم في تفاقم حالتيهما. عندها طلبت أن يكون علاجهما تحت إشرافها، لكن طلبها رفض.

اليوم، تعيش كلّ من هلا ومها في مكانين منفصلين. أما سحر وجواهر، فتقيمان في الفيللا التي نشرتا صورها من الداخل والخارج، وفيما تتواصل الفايز مع هلا ومها مرة في الشهر، «لأنهما غالباً ما تكونان متعبتين»، تتواصل يومياً مع سحر وجواهر.

«لكن كيف يسمح لهما الملك بالاستمرار في التواصل عبر الانترنت؟

«لا أعرف لماذا لم يمنعوهما. ربما هو ذكاء منهم لكي يشكك الناس بهذه الطريقة، لكني أسأل في المقابل: لماذا أفبرك القصة؟ ما هو قصدي من كلّ ما يجري؟ أين تكمن مصلحتي ومصلحة بناتي في معاداة أناس بهذه القوة؟».

هذا العداء بين الفائز، والملك السعودي، ليس جديداً. عمره من عمر مغادرتها السعودية وقد خاضته وحدها، وخصوصاً أن والدها كان قد توفي، ولم تحظ بمساعدة من إخوتها. يومها أوكلت محاميين بالقضية لكنهما لم يتابعاها. «اشتروهما» تقول في حديثها الأول إلى صوت روسيا في تشرين الثاني الفائت، فيما تنقل جريدة لوفيغارو (بالتعاون مع وكالة الصحافة الفرنسية) عن المحامي اللورد أنتوني لوستر، الذي تولى القضية قبل ثماني سنوات، أنه لم يستطع التوصّل إلى نتيجة في هذه القضية، لأن الملك السعودي رفض التعاون.

بعدها تولى وزير الخارجية الفرنسي الأسبق لوران دوماس القضية، وأيضاً من دون أن يستطيع التوصل إلى حلّ حتى اليوم. أبرز ما فعله، كان الرسالة التي وجهها، مع المحامي فيليب كوبيه، عبر جريدة «لوموند» الفرنسية إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف في 28 تشرين الثاني 2013 (وكانت السعودية قد انتخبت عضواً في المجلس).

وكشفت الرسالة قضية احتجاز الأميرات الأربع، وظروف حياتهنّ وحرمانهن التعليم والزواج والسفر، وتعريض اثنتين منهما إلى المخدرات.

لكن لماذا يتصرّف والد مع بناته بهذا الشكل؟ نسأل الفايز، فتجيب مجدداً إنها لا تعرف. وهي كانت قد أجابت في واحدة من مقابلاتها بأنه يرغب في الانتقام منها. نسألها: «لمَ سينتقم منكِ، ومن بناتك، طالما أنه هو من قرّر الطلاق؟»

«أيضاً لا أعرف. تطرحين أسئلة لا أعرف إجابتها فعلاً. هو يتصرّف بهذه الطريقة لأنه شخص ظالم ومفترٍ». ما تعرفه، هو أنه يريدها أن تعود إلى السعودية «لكي نقفل الموضوع». وهذا ما لا تنوي القيام به لأنها لا تثق بهم.

أليست خائفة من أن يتعرضّوا لها في لندن؟ «لا، لست خائفة، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً هنا». مؤكدة أنها لا تريد شيئاً إلا رؤية بناتها، ومساعدتهنّ على بناء مستقبل لهنّ كما كلّ الفتيات «لأنهن يمتن ببطء».

الإعلام: آخر الدواء؟

يعدّ الإعلام آخر الوسائل التي لجأت إليها السيدة العنود الفايز من أجل مساعدة بناتها الأربع. تقول لـ«الأخبار» إن حرصها على عدم التوجه إلى الإعلام، منذ غادرت السعودية، هو الذي جعل العائلة المالكة تتمادى في تصرفاتها، لكن عندما أقدم الملك السعودي قبل عامين على الاجتماع ببناته، ليبلغهن أنه سيستمر في معاملتهنّ بهذه الطريقة إذا لم يقنعن أمهن بالعودة إلى السعودية، كان لا بد من اللجوء إلى طريقة مختلفة من الحراك. كانت رسالة «لوموند» أولاً، تلتها مقابلتها الأولى عبر صوت روسيا، التي تحدّثت فيها عن «وأد بناتها». ومع اقتراب زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى السعودية نهاية شهر آذار الفائت، حظي الموضوع بالتغطية الأوسع، إذ أجرت الصحافية فاطمة مانجي (channel 4)، لقاء مع الوالدة سردت فيه القصة. ثم سجّلت مقابلة مع الأميرتين سحر وجواهر عبر أحد برامج الانترنت، وهو الفيديو الاكثر تداولاً لهما.

وتداولت القضية العديد من وسائل الإعلام الغربية، عبر المقالات وبرامج الحوار، دائماً في غياب الطرف الآخر.