أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / التوظيف السياسي للعبة الدماء

التوظيف السياسي للعبة الدماء

التوظيف السياسي للعبة الدماء بدون اخلاق يصبح جريمة خالصة لا يبررها الدين ولا يجملها الاعلام…

يغرق الجمهور اللبناني ومعه قياداته الميدانية في ألغاز السياسة التنفيذية وهذه هي اللعبة. إلا ان الامر يتحول الى الخطورة المهددة عندما تفقد السياسة التنفيذية الأفق وتتحول الى نمطية تكرارية لمواقف سياسية تستجلب الدماء عبر مواجهات ميدانية وسياسية فاقدة للرؤية السياسية وعاجزة عن التوجه في بحر العواصف السياسية القادمة.

بدون هذه العواصف يمكن للسياسة التنفيذية ان تلعب لعبتها المفضلة عبر مبارزات متعددة الصعد تصب في النهاية ضمن اللعبة الانتخابية. لكن وجود العواصف ،التي تنبيء بتغييرات جيو سياسية جذرية في الاقليم والعالم، يحول السياسة التنفيذية الى الممارسات الغبية فاقدة التوجه.

هذه الضبابية السياسية حولت الممارسات السياسية اللبنانية الراهنة الى نوع من الفولكلورية الساذجة. بدءاً بالشعارات عالية السقف مسدودة الافق وصولاً الى الممارسات الكشفية التي تظهر حجم وحصة الكاريكاتور في السياسة التنفيذية الحالية لدى بعض الافرقاء السياسيين اللبنانيين بانتظار جلاء المشهد الاقليمي.

المشهد السياسي التنفيذي في لبنان يؤشر على هجرة زعماء وعمل بعضهم على البقاء خارج البلد لاطول مدة ممكنة والانعزال في قلاع أمنية خوفاً من الاغتيال. لتكتمل عناصر المشهد بحضور مؤتمر الاحزاب الليبيرالية العالمية واجتماعات التشاور السياسي خارج البلد مع التعلق باية اشارة دولية ،حتى لو كانت فرنسية، للبناء والمراهنة عليها.

قمة الكاريكاتور السياسي اكتشاف خطير لاحد الزعامات المفترض انها اساسية في البلد. الاكتشاف يقول بان الدول الكبرى لا تعترف بالصداقات وانما تنهمك بتنفيذ مصالحها!؟.

أما على خط الكشفية السياسية فنقرأ تحول مجرم معراب الى مرجعية ثقافية تنتقي المثقفين مستحقي التكريم لتقوم بتكريمهم!. حتى ان جعجع كرم الفنان بيار صادق الثلاثاء بعد ان كرمته جامعة اللويزة الاثنين!. أما عن حضور حفل التكريم وكلماته فحدث ولا حرج. حتى كاد بيار صادق يقوم من بين الاموات ليرسم كاريكاتورية المشهد.

في السياق ذاته نقرأ ما سمي بـ “مؤتمر طرابلس” الذي تحول الى “مؤتمر الشجرة” بعد التراجع عن وعود جعله حوارياً بين المكونات الطرابلسية مقابل خفض سقفه وخروجه باعلان خجول وان تضمن الشعارات إياها. لينتهي المؤتمر بافتتاح “شجرة روبير فاضل” وتحصينها من الإحراق برفع شعار “السلام والتقوى” عليها. بما يطرح السؤال حول موقف مسيحيي طرابلس من انفجاري السلام والتقوى؟. وفق علمنا فان هؤلاء لم يكونوا اقل لهفة على المدينة واهلها بكل مكوناتهم. كما لم يكونوا لا اقل ذعراً ولا أقل تعرضاً للخطر من باقي مكونات المدينة. بناء عليه فقد بدت أسلمة الشجرة بشعار السلام والتقوى نوعا من الكوميديا السوداء. هي الكوميديا التي انطلقت من حضور المجرم انطوان زهرة للمؤتمر (وهو صاحب تاريخ اجرامي ضد طرابلس والطرابلسيين) مروراً بكلمة أمين مستودع 14 آذار (الأمانة العامة) وصولاً الى اسلمة الشجرة بتصدر ميشو معوض ضاحكاً للصورة.

هذه المسرحيات الهزلية تأتي بعد تواطوء كافة الافرقاء على التمديد للبرلمان خشية مفاجآت الانتخابات اذا أجريت في هذه الظروف. عداك عن التواطوء بالتمديد لحكومة تصريف الاعمال بوجود رئيس حكومة مكلف سحب تكليفه بالعرقلة ومتمسك بالتكليف كفرصة او ربما كسابقة قابلة للتجديد.

يبقى استحقاق 25 آذار القادم الاكثر الحاحاً وتهديداً بالفراغ. الا ان الفراغ قابل للتواطوء في ظل دستور يمكن لمشيئة الخارج ان تعدله كلما ارادت ذلك. خاصة وان لبنان بات اليوم محكوماً بثلاثة دساتير دفعة واحدة. الاول دستور ما قبل الطائف المستمر عبر الاعراف السياسية التي لا تزال معتمدة. ثم دستور الطائف مع طلبات تعديله وصولاً الى رفضه الضمني من قبل البعض. ثم اخيراً دستور الدوحة الذي يسجل تجاوزات عديدة على دستور الطائف.

وحدها فرنسا المتهالكة على تثبيت دورها اللبناني تكشف اوراق جديدة بخصوص الاستحقاق الرئاسي. حيث برزت اشارات فرنسية بدأها السفير في بيروت باتريس باولي من خلال حديثه عن أن بلاده تمضي في خيار التمديد لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، اذا كان الخيار بين الفوضى التامة والتمديد. لتضاف الى الموقف تسريبات من نوع القبول الفرنسي بتنصيب قائد الجيش قهوجي رئيساً لحكومة فراغ رئاسي واخرى من نوع القبول بالوزير مروان شربل رئيساً.

هذا فيما يلف الصمت والتريث مواقف الاطراف الخارجية المؤثرة في الاستحقاق الرئاسي. لدرجة تبدو معها هذه الاطراف دافعة نحو الفراغ بانتظار نضوج التسويات الاقليمية. وسط تفاهمات ضمنية على منع تحول لبنان الى دولة فاشلة وحفظ استقراره قدر الامكان بما يكرس وضعيته كــ “دولة مؤجلة”…

هذه الدولة المؤجلة ليست بمعزل عن نيران الحرب في سوريا وهي مهددة بالتلاشي عبر التهديدات الأمنية المتنقلة المصحوبة بعمليات مرتبطة مباشرة بالقاعدة وبمواجهات بينها وبين حزب الله ومعه الجيش اللبناني. بما يهدد بتحول البلد الى “العرقنة” او “الصوملة”. خاصة وأن التهديدات الأمنية المستمرة تفسر على انها استهدافات محتملة يعتبر كل مكون من المكونات اللبنانية انها تطاله. ليتفاقم الوضع مع اعلان الجيش موضوعاً للإستهداف ضمن خطة «لشلّ دوره وتعطيله، لأن الجيش هو الحاجز الوحيد الذي يفصل البلاد عن الفوضى.

هذه الأجواء وبحسب محللين تشكل استعادة مقصودة ومدروسة للأجواء التي سبقت الاستحقاق الرئاسي عام 2007، «مثل إثارة موضوع المحكمة الدولية، وإثارة النعرات المذهبية السنية ــ الشيعية، والتوتير الأمني»، معتبرين أن الهدف هو التضييق على الاستحقاق الرئاسي القادم. ما يجعل الحديث عن التمديد لرئيس الجمهورية مع احتمالات الفراغ المقبل على البلد، وسط مخاوف من أن تكون التفجيرات الحالية مؤشراً على معالم المرحلة المقبلة. بل ان البعض بات يرى في الفراغ حلاً باعتباره ممراً تفرضه الظروف للوصول الى حل يرضي الطرفين الأساسيين.

هو التكريس لمبدأ تأجيل الدولة وفي الانتظار نكرر ان: التوظيف السياسي للعبة الدماء بدون اخلاق يصبح جريمة خالصة لا يبررها الدين ولا يجملها الاعلام…

د. محمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*