أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / إساءة استخدام العلوم النفسية في الإنتفاضات العربية

إساءة استخدام العلوم النفسية في الإنتفاضات العربية

نحــو ميثاق شرف للنفسانيين العــرب

لعبت السيكولوجيا ادواراً شديدة السوء في المجتمعات العربية خلال السنوات الاخيرة تحديداً. ومن المؤسف التقرير بان السيكولوجيا العربية وضعت في الفترة الاخيرة بخدمة السياسة دون اي ادراك لخطورة هذا النوع من الخدمات بدليل النتائج التي تكشفت عنها هذه الخدمات وتلك الموعودة عبر إساءة توظيف اختصاص السيكولوجيا في الوطن العربي.
إنطلاقاً من طرحنا شعار “نحـو سيكولوجيا عربية” أوائل التسعينيات نجد من واجبنا تحمل مسؤوليات هذه الدعوة ومنها تسرب السيكولوجيا الى السياسة بالصورة السلبية التي اشرنا اليها والتي سوف نقدم الأمثلة والنماذج حولها. ما يقتضي الضرورة الحيوية لاقتراح ميثاق شرف للممارسات السيكولوجية العربية وبخاصة في مجالات التأثير على العقل الجمعي والجماهير. خاصة وان من بديهيات الممارسة النفسية وطليعة اهددافها يتمثل برفع مستوى اللياقة النفسية لدى الافراد والجماعات والمجتمعات. وهو هدف يستحيل تحقيقه بدون تأمين الاستقرار الاجتماعي ودعمه وحمايته ورفض المغامرات المسيئة اليه.
واذا كنا قد فرقنا مراراً بين الأزمة ،وحتى الكارثة، الشخصية والجماعية بحيث تصبح الأزمة الجماعية مدعاة لتضحيات الافراد لصالح المجتمعات فاننا اشرنا ايضاً الى ان هذه الخاصية الثقافية العربية (الاستعداد للتضحية الفردية في سبيل الامة) مضبوطة بشروط تبرر هذه التضحيات بشفافية كاملة ضناَ بهذه التضحيات كي لا تتحول الى سوء الاستثمار. ولا بد من تحديد أطار دور الاختصاصي النفسي في حالات الكوارث قبل التطرق الى الإساءات التي تشوب توظيفات السيكولوجيا في المجتمعات العربية.
إن الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها وترتكبها السيكولوجيا العربية راهناً تبرر مباشرتنا في نقاش هذه الاخطاء وتبيان آثارها السامة بدون مقدمات كوننا تطرقنا سابقاً الى كل هذه المقدمات في سياق مشروعنا “نحو سيكولوجيا عربية” على ان نخلص بعد عرض بعض هذه الممارسات الخاطئة لاستخلاص نقاط محددة نطرحها كأساس لميثاق الشرف المقترح. ونبدأ الأمثلة بـ:
1 – كرنفال الجنازة في لبنان: بصورة مدروسة ومعدة مع سبق الاصرار تطوع تلفزيون المستقبل في العام 2005 لاطلاق برنامج لمدة شهر كامل يقوم خلاله اطباء نفسيون بمهمة ،على الهواء مباشرة، قوامها تحويل قضية اغتيال الحريري من جريمة سياسية الى كارثة نفسية جماعية. بحيث بات غير طبيعي ومعاد للمجتمع كل لبناني لا يعاني من مشاعر الصدمة النفسية بسبب هذه القضية. ما دفع بقطاع واسع من الجمهور اللبناني للشرب من مياه نبع الجنون كي يتكيف مع الآخرين. هذا بالاضافة الى الاتصالات التي كان البرنامج يتلقاها على الهواء من مشاهدين يعرضون تأثرهم بالـ “كارثة” وغالبيتهم استعراضيون وبعضهم مرضى نفسيون أذيعت معاناتهم على الهواء بما يناقض ابجديات كرامة المريض النفسي. وكان لهذه الاتصالات دورها في اطلاق الهيستريا الجماعية الحريرية التي كادت ان تفضي الى حرب اهلية لبنانية ودونها الاستسلام لهيستريا الاغتيال مدعومة بحفلات غنائية قرب ضريح الشهيد إمعاناً في توسيع رقعة الهيستيريا. وصولاً الى تظاهرة 14 آذار 2005 التي احدثت انقلاباً نقل لبنان من حكم رفيق الحريري وحلفائه الى حكم سعد الحريري وحلفائه. وبذلك خرج اللاعب السوري من لبنان ليحل مكانه اللاعب الفرنسي. بما يستدعي مراجعة توظيفات الطب النفسي والعلوم النفسية والانسانية في هذه الثورة الافتراضية التي ورطت شعباً كاملاً في مواجهة لم تزل مستمرة ومفتوحة على احتمالات تجديد الحرب الاهلية اللبنانية. مع التذكير بان الجمعية العالمية للطب النفسي قد علقت عضوية العديد من البلدان لسنوات طويلة لاسباب اقل خطورة مما جررى ويجري في لبنان ومثله دول عربية عديدة.
2 – مهرجان الارتزاق في ســوريا: محاولة رصد حركة السيكولوجيين السوريين في مواكبة الحراك السوري تثير قائمة من نقاط الاستفهام والتعجب. حيث تغيب الاسماء السورية الكبيرة في الاختصاص وتبرز اسماء لم يسمع بها احد مع رجحان كفة حملة لقب “المحلل النفسي” بين المتحركين. وهي مسألة تستدعي الدهشة في حراك اسلامي مذهبي الطابع. كما يشبر الرصد الى بداية هذه القلة من الاختصاصيين السوريين عبر اعلانات وبيانات غفلة التوقيع وسياسية المحتوى ممهورة بخاتم الاختصاص زوراً كونها لا تنتمي اليه ولا علاقة لها به من  قريب او بعيد. والاكثر خروجاً على اخلاقيات الاختصاص دعوات العناية بمصدومي الثورة وكأن بقية الشعب السوري (غير الثوري) لا تستأهل تقديم العناية من الصدمة. وبالانتقال الى الوقائع الميدانية فقد وجدنا في لبنان سوريين موزعين ما بين جهاديين واسلامويين واخوان وهاربين غير مصنفين ومهجرين اراديين بهدف البقاء في لبنان حتى بعد نهاية الاحداث. وهذه الفئات منعزلة عن بعضها البعض في تجمعات منفصلة (تكرس تشرذم المعارضة السورية) بحيث لا يمكن علاج المصدومين بين هذه الجماعات في مقر واحد. بل على المعالج ان ينال القبول السياسي للجهات الممولة لهذه الجماعات وممثليها اللبنانيين قبل مباشرة عمله العلاجي.
هذا ويتكرس الارتياب بحركة السيكولوجيين السوريين (الثوريين) بغيابهم عن مخيمات اللاجئين السوريين في دول الجوار علماً بان غالبيتهم مقيمين خارج سوريا. في المقابل رصدنا في لبنان بعثة نفسية قطرية وبعثات فرنسية وحقوقية لرعاية هؤلاء اللاجئين. وهي قدمت الى لبنان اما بصورة غير مشروعة مثل معظم الصحافيين الاجانب واما عبر ضغوط  سياسية على الحكومة اللبنانية. الامر الذي يشكل خطراً على الاستقرار اللبناني وعلى السيادة اللبنانية من قبل اشخاص غير محددي الهوية وغير مضموني الكفاءة والاهداف الحقيقية لمهامهم.
3 – الفوضى المصرية: اذا نحن استثنينا كتابات البروفسور قدري حفني والبروفسور يحيى الرخاوي في مواكبة الثورة نجد ان الكتابات النفسية المصرية انطلقت بصورة فوضوية غير ممنهجة وبعيدة عن الحاجات التي يطلب من الاختصاص تلبيتها في مثل هذه الاوضاع المأزقية. ومع الاشارة الى اننا لا نشاطر حفني والرخاوي توجهاتهما السياسية فاننا نقر باكاديمية تدخلاتهما وتلبيتهما لحاجات الجمهور المصري. فيما ذهبت باقي الكتابات في اتجاهات لا تمت للاختصاص بصلة ولا تقترب بحال من حاجات الجمهور المصري الفاقد للتوجه تجاه الاوضاع الجديدة. مثال ذلك الاتجاه الشوفيني لبعض النفسانيين المصريين ممن تجاهلوا سبق الحراك التونسي وممن حاولوا اعتبار الثورة المصرية نموذجاً لثورة قابلة للتصدير الى كل الدول العربية فراحوا يؤيدون كل حراك عربي دون اي اعتبار للاختلافات القطرية والتوجهات الخاصة والعوامل الاجتماعية المؤثرة في كل مجتمع عربي قطري على انفراد. وهذه الشوفينية هي التي منعت الثورة الفرنسية من الامتداد الى جوار فرنسا رغم ملكية الثورة الفرنسية للاسس الفكرية والسياسية للثورة وهو ما لم تملكه الحراكات العربية التي ركزت في مجملها على الرؤساء وعلى السلطات السياسية مع بقاء النظم السياسية على حالها لغياب الطروحات البديلة. حتى بدت الثورات العربية اجمالاً وكانها مسرحيات اوديبية تهدف الى قتل الاب.
4 – الضياع التونسي: حيث الرئيس التونسي المنصف المرزوقي هو استاذ للامراض العصبية والنفسية الذي يبدو انه قبل وضعية الواجهة المموهة لترسيخ سيطرة حركة النهضة الاسلامية على كافة مفاصل الحكم التونسي. وهي وضعية تطرح العديد من القضايا والاشكاليات. التي تكرست باستقالة معظم مستشاري الرئيس. ثم جاءت الازمة التونسية الاخيرة لتطرح استقالة المرزوق الذي طرح في المقابل خارطة طريق جديدة للخروج من الأزمة وتتضمن 3 نقاط، هي الانتهاء من الدستور، وتشكيل هيئة مستقلة للانتخابات، وتحديد موعد إجراء الانتخابات وضبطه بقانون.

د.محمد أحمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

مقابلات تلفزيونية لرئيس المركز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*