أهم الأخبار

شخصية مصر

لطالما كانت مصر بمكانة القلب للوطن العربي وبمنزلة البوصلة التي تحدد اتجاهاته من بورجوازيتها الملكية الى ثوروية ضباطها الاحرار وصولاً الى حراكها الشعبي الراهن الذي لم يتبلور بعد بمشروع متماسك وواضح الرؤية.

هذه المكانة هي التي جعلت الدور العربي المصري مركزياُ ومؤثراً بانعكاساته على كامل الوطن العربي وجواره. الامر الذي يقتضي استكشاف شخصية مصر وخصوصياتها في عجالة يقتضيها السياق.
بداية فان الشرق الاوسط شهد سلسلة زلازل استراتيجية مع سقوط الاتحاد السوفياتي وما تبعه من ثورات ملونة وعولمة توجها زلزال احتلال العراق حيث مال الرئيس مبارك الى الانسحاب من مسؤوليات الدور المصري وعمد الى تحويل مصر من دولة مؤثرة الى دولة مقاولة. وبمعنى آخر فهو وجد الحل بتأجير الدور الاقليمي المصري حتى بدون اجراء الصيانة اللازمة له. ما أدى لاستعداء اطراف عربية واقليمية فاعلة ولدت ازمات تهدد الامن القومي المصري مثل ازمة مياه النيل والتورط المصري في كل الازمات الساخنة في المنطقة.
صدام مبارك مع الجيش المصري بدأ من محاولة مبارك تأجير الجيش تحت شعار “المشاركة في الحرب على الارهاب” فاذا ما رفض كبار الضباط هذا التأجير خرجت الصحف الامريكية بعناوين من نوع “عجائز الجيش المصري يرفضون تحديثه” دون التطرق الى ان هذا التحديث مشروط بارسال جنود مصريين للموت في بقاع المنطقة في وضعية تشبه المقاتاين المرتزقة. هكذا تخلى الجيش عن مبارك فسقط الاخير بالضربة القاضية بما يفسر تأويل ثورة 25 يناير على انها انقلاب عسكري مخملي.
الجيش المصري هو العنصر الاساسي في شخصية مصر التي لا تفهم بدون فهم طبيعة هذا الجيش وهيكليته. فالجيش شريك رئيس في حكم مصر منذ تأسيس “مجلس قيادة الثورة” العام 1952 ولغاية اليوم. واضافة الى مؤسساته الاستثمارية التي تعطيه استقلالية تمويلية فان للجيش شهيد في كل بيت مصري تقريباً. ما يجعل التعاطف الشعبي معه غير قابل للشك وبخاصة بعد فصله عن اجهزة الشرطة والمخابرات.
وكان الجيش المصري قد تعرض لكارثة غامضة اثر سقوط طائرة فوق نيويورك كانت تقل عدة عشرات من خيرة ضباط الجيش المصري عائدين إلى مصر بعد أن أنهوا دورة تدريبية على استخدام أسلحة حديثة. ومن بعدهم جاء التواطوء التي فرضته الظروف بين كبار الضباط والحاكم. وذلك في مقابل نقمة متنامية في اوساط الضباط الصغار تشبه نقمة الضباط الاحرار على الملك. حتى ان اعدادا من هؤلاء الضباط انضموا الى متظاهري 25 يناير.
بالانتقال الى تنظيم الاخوان المسلمين فهو اكثر الاحزاب السياسية المصرية تنظيماً وقدرة على العمل في الاجواء الضاغطة سياسياً. ما مكنه من تحقيق انتصارات انتخابية نسبية في اوج سيطرة مبارك. وهي القدرة ذاتها التي مكنت الاخوان من تصدر لوائح الانتخابات التشريعية بعد سقوط مبارك. مع التنويه بان الامر يتعلق بالمهارات السياسية وليس بالوزن الفعلي للاخوان. ذلك ان الاسلام المصري اسلام صوفي الى حد بعيد. حيث اتباع الطرق الصوفية في مصر قادرون على قلب المعادلات السياسية لولا ثغرة “الزهد” التي استتبعت تركيز الصوفيين على سد الحاجات الدنيا للمريدين.
واذا كانت هذه التنظيمات والتجمعات ذات طابع اهلي يحد من حرية حركتها فان في مصر مؤسسة دينية مركزية هي الازهر الشريف. والتداخل بين المؤسسة والسياسة لا يلغي بحال وزنها ودورها. اذ تكفينا هنا المقارنة بين الازهر والكنيسة الروسية التي تعرضت للالغاء طيلة سبعة عقود من الحكم الشيوعي لتعود فتظهر في عهد الرئيس بوتين شريكة كاملة في السياسة الروسية. حتى ان زيارة البابا كيرلس قلبت الانتخابات الاوكرانية لصالح روسيا.
هذه المقارنة كافية لتفسير حالة انسداد الافق للجماعات الاسلامية المصرية في مقابل الازهر الشريف الذي تأسس في العام 975 ميلادية. وللأزهر فضل كبير في الحفاظ علي التراث العربي بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد وعلى اللغة العربية من التتريك واللغة التركية أيام الحكم العثماني لمصر سنة 1517م وأيام محمد علي باشا سنة 1805 ، وكان للأزهر مواقفه المشهودة في التصدي لظلم الحكام والسلاطين المماليك لأن علماءه كانوا أهل الحل والعقد أيام المماليك. ففي سنة 1209 هـ – 1795م.
الأحــزاب السياسية المصرية
لا شك ان الناصرية تأتي في مقدمة الاحزاب السياسية الوازنة شعبياً في مصر والعديد من الدول العربية. لكن جماهير الناصرية ونخبها تعرضت للضغط والملاحقة ابتداء من عهد السادات ولغاية ثورة يناير. يضاف الى ذلك تشرذم الجماعات الناصرية وتوزعها على احزاب ومنظمات عديدة متنافسة.
في المقابل فان حزب الوفد هو اعرق الاحزاب المصرية واقدمها وهو ذي صبغة ليبيرالية ينافسه فيها منظمات حديثة عديدة ازدادت زخماً بعد الثورة عبر قيادات شابة ذات ميل ليبيرالي – امريكي.
بالاضافة الى هذه التنظيمات السياسية نشأت سلسلة احزاب اسلامية استخدم بعضهم كغطاء لتنظيم الاخوان المسلمين المحظور. وبعض هذه الاحزاب كان يضم اقباطاً وحتى يساريين لاضفاء صفة “غير الاسلامي” عليها.
ويبقى الاهم ان قانون الاحزاب المصري كان يحظر تمويل الاحزاب عن غير طريق الدولة. بما يجعل الدولة متحكمة بهذه الاحزاب سواء عن طريق التمويل او عن طريق حزب سلطة مبارك وهو الحزب الوطني الممكن ادراجه ضمن الاحزاب النفعية التي باتت شائعة في العديد من الدول العربية. والتي يمكن تسميتها باحزاب الفساد.
عبر هذا العرض الموجز لمكونات شخصية مصر السياسية نأمل ان نكون قد اعطينا نظرة شمولية على خلفيات المشهد المصري. اما عن الخلاصات فهي تؤكد ارجحية مؤسستي الجيش والازهر ومعهما الكنيسة القبطية على سائر التنظيمات الدينية والسياسية المصرية. وهي ارجحية نابعة من تاريخ هذه المؤسسات وثقة الشعب المصري فيها. 

د محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

تعليق واحد

  1. شكرا على التذكير نعم مصر هي الراس العربي ابتداء من تاريخها الاسلامى فان ذهبت مصر ذهب الجسد العربى كله لا زلت اذكر العدوان الثلاثي على مصر ( اسرائيل انجلترا فرنسا ) لا زلت اذكر ان هذا العدوان وقع على مصر بسبب مواقفها الشجاعة المشرفة : لقد ذهب ( جى مولى )لبيكب من عبد الناصر ايقاف صوت العرب من قلب الجزائر والذى في الواقع كان يذاع من قلب القاهرةولكن فخامة الرئيس المصري ترك جى مولى ينتظر في القاعة اربع ساعات واخيرا نزل اليه في اناقته المعتادة ليقول له : ان ثوار الجزائر اخوتنا واسمح لى لا استطيع قطع مساعدتى لهم… وانصرف جى مولى كالراس المقطوع المهزوم وبعد ثلاثة ايام وقع العدوان على مصر وانقذها الله وسينقذها انشاء الله لتبقى ذخرنا العربي الذى نفتخر به حب من حب وكره من كره.
    zoulikha

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*