أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / نحـو إعادة هيكلة النظام العــربي

نحـو إعادة هيكلة النظام العــربي

منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وتخلي واشنطن عن سياسات الإحتواء المزدوج والمنطقة العربية عرضة للزلازل الاستراتيجية العنيفة التي افتتحت بحرب تحرير الكويت ولم تنته بحرب احتلال العراق. حتى بات مستحيلاً احصاء الارتدادات الزلزالية لهذه الاحداث خاصة وان معظمها متخفي وراء صفقات يصعب كشفها واستشفاف تأثيراتها الراهنة والمستقبلية.

أقل ما يقال في  آثار هذه الارتدادات انها نسفت العلاقات العربية – العربية لتصل الى تعكير العلاقات البينية داخل الاقليم الواحد. حيث نعدد فقط المعروف من هذه الخلافات واولها الخلافات التي زرعتها مصر مبارك قبل رحيله مع كافة الدول العربية بلا إستثناء الا لجهة درجات الخلاف. وتليها الخلافات الخليجية – الخليجية التي تحول حتى اليوم دون اتمام مشروع القطار الخليجي فما بالنا بالمشاريع الاكثر عمقاً؟!…

من هذه الآثار نذكر ايضاً ما يستتبعه الاحتلال من ضرورة منع ظهور أو بقاء اي طرف مهيمن اقليمياً أو مناطقياً. وإلغاء المنظمات الاقليمية والحؤول دون نشوء تجمعات اقليمية جديدة تحوطاً لاجتماع مصالحها في اتجاه مضاد للاحتلال. ما يفسر سقوط منظمة جامعة الدول العربية وتهميشها في كل الأزمات العربية من تحرير الكويت حتى احتلال العراق والمحطات المستهدفة من بعده وبخاصة سوريا ولبنان. ولقد بلغ سقوط هذه المنظمة العربية حدود توظيفها لتغطية عدوان اطلسي على دولة عربية مثل ليبيا بغض النظر عن المواقف من حاكمها. وهو توظيف قبلته الجامعة والدماء العراقية المهدورة من قبل الاحتلال لم تجف بعد!.

ايضاً اقتضت الضرورة الاحتلالية تفريغ منظمة التعاون الخليجي حيث تولت واشنطن التعاطي المباشر بدون وسيط مع دول التعاون بما كان كافياً للإخلال بمعادلة المجلس وتوازناته. حيث دخلت دول التعاون فرادى في اتفاقية التجارة العالمية وفي تجمع الدول الملحقة بالاطلسي. عداك عن الصفقات الثنائية التي عقدتها واشنطن مع كل دولة على حدة.

ثم جاءت الازمة الاقتصادية العالمية المنفجرة عام 2008 (والعائدة الى ما قبل 1996 في حقيقتها) لتضاف الى أزمات المنطقة في ظل توتر علاقات دولها ببعضها البعض كما في ظل الوجود العسكري الامريكي في العراق وبداية الحضور الروسي في المنطقة وعودته اليها. ورغم مطاولة الازمة لكل الدول العربية بلا استثناء الا ان الدول الاكثر توازناً تجاه الازمة تصدرت المبادرة في المنطقة وملكت زمامها على حساب تراجع درامي للدول الاكثر تضرراً.

عند هذا الحد وبالتوازي مع انفجار الاضطرابات الاجتماعية في الدول الاوروبية الاكثر تضرراً من الازمة بدا الربيع العربي جاهزاً للانفجار. لكن اشاراته الاولية ركزت على تحرك الاخوان المسلمين لاستغلال الازمة من اجل تحقيق حلمها التاريخي بالوصول الى السلطة. ومن هنا كان تركيز الخطوات الوقائية من الاضطرابات الاجتماعية العربية على حركة الاخوان المسلمين.

من جهتها نشطت واشنطن لتعزيز تأثيرها بالتركيز على الشباب العربي لتحويله نحو الليبيرالية بهدف مواجهة مشروع الاخونة. وهي مواجهة لقيت الدعم من الدول العربية المتخوفة من النشاط الاخواني. فيما وجدت دول اخرى في الاخونة استثماراً مستقبلياً مغرياً.

لهذه الاسباب لم يكن مستغرباً ان تنطلق الاحتجاجات العربية من تونس وفيها حركة النهضة الاخوانية الراسخة. كما لم يكن مستغرباً ان تكون مصر ثانية محطات الاحتجاجات للأسباب نفسها. لكن المفاجأة في البلدين كانت في حجم الحضور اليساري فيهما وان لم يكن منتظماً كي يتبدى في واجهة الاحتجاجات ليعود فيتبدى بعد اشهر مع بداية تبدي مواطن الخلل في المشروع الاخواني جلية. حيث بات سقوط مشروع الاخونة مسألة وقت ليتكشف المشهد السياسي العربي عن الملامح المقررة التالية:

1 – الدول العربية الفاشلة: حيث انضمت دول عربية جديدة الى لائحة الدول الفاشلة خلال السنوات الاخيرة. وحيث تدفع دول عربية جديدة نحو الفشل عبر تسعير صراعاتها الداخلية.

2 – الجراحات الجغرافية: حيث قائمة طويلة اخرى من الدول العربية مرشحة للتقسيم وفق مشاريع جغرافية جاهزة. بل ان بعض الدول العربية تعيش حالة التقسيم بانتظار اعلانه. عداك عن التقسيم الفعلي للسودان.

3 – فشل المنظمات العربية الاقليمية: حيث باتت هذه المنظمات فولكلورية الطابع دون اية قدرة فعلية على لعب ادوارها الوظيفية المفترضة. وهو ما ينطبق خصوصاً على جامعة الدول العربية ومنظماتها الملحقة.

4 – الصراع العقائدي: حيث نهاية الآحادية الامريكية أعادت إحياء هذا الصراع بعد الايحاءات الامريكية بنهاية الايديولوجيا. وبات رصد المشهد السياسي العربي يبين الصراع العقائدي (الايديولوجي) بين الاسلام السياسي من جهة وبين التوجهات القومية والليبيرالية المستجدة من جهة اخرى. وذلك وسط فقدان المشروع السياسي الاسلامي في مقابل عجز القوى المقابلة عن اعادة تنظيم صفوفها وفق صيغ حديثة ملائمة. بما يعني عجز الاطراف المتصارعة عن ايجاد رافعة سياسية للإنقاذ.

5 – شيطنة العلاقات العربية: حيث اختفاء تأثير القوى الاقليمية المهيمنة بضغوط امريكية إستبدل هذا التأثير السياسي بممارسة نفوذ اقرب الى المخابراتي منه الى السياسي. حتى باتت الدول العربية تشكو من تدخل الدول الاقليمية في شؤونها الداخلية بوسائل استخبارية. وحيث افتقدت دول عربية قوية قدرة ممارسة نفوذها فيما تقمصت دول أقل قوة أدواراً مؤثرة مستغلة الفوضى الهيكلية في النظام العربي.

إنطلاقاً من هذه المتغيرات فإن على الدراسات المتعلقة بمستقبل المنطقة تركيز بحوثها الاكاديمية السياسية على محاور  ثلاثة هي:

1 – السياسات القوية اقليمياً: حيث العودة الروسية الى المنطقة ترفض توازن القوى الذي فرضته واشنطن بعد احتلالها للعراق. ما يدفع الى عودة توازن القوى الى وضعيته السابقة لاحتلال العراق. وهنا تكون القوى الاصغر التي حظيت بالدعم الامريكي عرضة للرجوع الى حجمها السابق مع ما تشكله هذه العودة من تعثر داخل هذه الدول كما في علاقاتها العربية.

2 – المؤسسات الاقليمية: حيث تمكنت حرب العراق من إعلان دخول الجامعة العربية قي غيبوبة لا سابق لها. فهل يؤدي تغيير توازن القوى الاقليمية الى إصلاح هذه المنظمة لاستعادة دورها؟. كما ينبغي رصد احتمالات قيام منظمات اقليمية جديدة استناداً الى التوازن الجديد للقوى الاقليمية.

3 – القوى الخارجية والانماط الاقليمية: حيث عودة التعددية القطبية تدفع بالاقطاب الى دعم اصدقائها وتعزيز دورهم في المنطقة. ما يعني اضطرار واشنطن للتراجع عن الضغوط التي مارستها على اصدقائها العرب خلال الفترة السابقة.

هذه الرؤية ليست تشاؤمية بل هي تعكس حقيقة الاوضاع وهشاشة النظام العربي الراهن وقابليته للتشظي عبر تصعيد الخلافات العربية العربية. وهذه الوضعية تشبه الى حد بعيد وضعية يهود اوروبا بعد ازمة تكفيرهم للفيلسوف اليهودي سبينوزا, يومها اتخذ اليهود قرارهم بإلغاء تهمة التكفير حفاظاً على تلاحم الجماعة, وعندما عادت لليهود بعض القوة اطلقوا بديلاً للتكفير هو عبارة عن تهمة «اليهودي الذي يكره نفسه», وقد يكون من %