أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / إغتيال الزعامة الســنية اللبنانية

إغتيال الزعامة الســنية اللبنانية

صديق من حاشية ولي العهد السعودي عبد الله (الملك الحالي) كان ينقل لي منذ منتصف الثمانينيات الشكوى المرة لرفيق الحريري من عجزه عن الدخول الى طرابلس رغم مغريات المنح الدراسية والاعمار المجاني والمال السياسي والسبب رجل اسمه رشيد كرامي.
اغتيل رشيد كرامي العام 1987 ليتسلم الامانة الرئيس عمر كرامي ولتستمر شكوى الحريري من طرابلس. فاذا ما جاء الطائف وبعده حكومة عمر كرامي الاولى تحالف الحريري مع اللواء السوري غازي كنعان لإسقاط تلك الحكومة عبر تظاهرات نظمتها المخابرات السورية تمهيداً لتسليم رئاسة الحكومة الى رفيق الحريري. الذي جرب الحكم بالاقتصاد بدل السياسة مكرساً تياراً وطبقة سياسية جديدة على هذا الاساس ولكن عقدة طرابلس بقيت حاضرة.
عقدة طرابلس لدى الحريري كانت تكرسها نتائج شركات الاحصاء الانتخابي التي كانت تجمع على انعدام حظوظ أي مرشح للحريري في طرابلس. ولذلك علاقة بجمهور طرابلس الذي كان يصفه الرشيد بانه جمهور صعب المراس والارضاء.
وجاء اغتيال رفيق الحريري ليشكل هزة عميقة في المجتمع اللبناني وفي اطاره السني خصوصاً الا ان المفاجأة كانت باعلان عداء ورثة الحريري لكل الزعامات السنية فكانت جنازته في غياب هذه الزعامات اكبر إساءة توجه لذكراه بغض النظر عن تأييده او معارضته.
ومع تصدر سعد الحريري لخلافة والده جاء التنصيب مخالفاً لكل الثوابت التاريخية للطائفة السنية وبدايتها معاودة اغتيال رشيد كرامي عبر اطلاق سراح قاتله بصيغة مخجلة وبضغوطات مسيئة ليرفع ممثلو طائفة السنة المستجدة شارات النصر ابتهاجاً باغتيال رشيد كرامي مرة أخرى!…
هل أخطأ رشيد ومن بعده عمر برفضهما انشاء ميليشيا عسكرية مشاركة في اراقة دماء لبنانية؟!. ولو كانت هذه الميليشيا حاضرة لكان اغتيال الرشيد قد اسال الدماء الغزيرة يوم قتل ويوم بعث قاتله من سجنه.
هو الثمن الذي دفعه آل كرامي بسبب ترفعهم على لغة الدم ورفضهم إسالته باعتبار كافة الاطراف اللبنانية شركاء في الوطن والتاريخ والعيش. وها هي الاحداث في الزمن الصعب تؤكد هذا الترفع الكرامي على الدم. حيث بين الرئيس عمر كرامي في مواقف مشهودة هذا الترفع ورفض التورط في الدماء.
التراث الذي يحمله الرئيس عمر كرامي ،هو إرث عبد الحميد والرشيد ونمط فكري سياسي يتعذر فهمه في زمن التسلق السياسي، يضعه في وضعية الاب الطرابلسي الذي يتسامح مع الابناء الضالين بمن فيهم رافعي شارات النصر عقب اطلاق المجرم. و نبل الأب الطرابلسي الحالي وأناقته وتسامحه مقرونة بحساسيته تجاه كرامة طرابلس وكرامته الشخصية وإرثه السياسي كانت مزايا معوقة في هذا الزمن الرديء،هذه المزايا هي التي أغضبت غازي كنعان يوماً من عمر كرامي فمارس عليه مافياوية استغرقت 12 سنة كاملة.
هي المزايا نفسها التي دفعت بعمر كرامي لمفاجأة الجميع باستقالة أملتها عليه حساسيته تجاه دمعة سالت على وجنة أخت الشهيد.
هـي الأبوة التي جعلت عمر كرامي ضنيناً دائماً بالدماء وبخاصة دماء أهل المدينة، لذلك خاصم الطرابلسيين عشية استقالته برفضه ردة فعلهم العفوية دفاعاً عن صورة الأب التي لا تمسها الأنواء مهما بلغت.
هـو الإرث الذي جعله يمتنع عن الترشيح في انتخابات 2005 مكرراً موقف الوالد عبد الحميد العام 1947.
هي أناقة عمر كرامي عندما ظهر منافساً في انتخابات 2009 غير طامع بمقعد لا يساوي عنده جناح بعوضة ليعلن للأبناء الضالين ان بيت الأب يبقى مفتوحاً.
هـو رقي عمر كرامي الرافض للتفريق بين الأبناء وبالتالي لا يمكنك الإعتماد عليه لجعل الأبناء يتواجهون ويتقاتلون لاختلاف دياناتهم او مواقفهم او حاراتهم.
هـو وفاء عمر كرامي الرافض للعفو عن مجرم حرب أطلقه آخرون من سجنه بضغوط خارجية معلومة وهكذا فإن عمر كرامي ينطلق في مواقفه من ثوابت ومن رؤى سياسية شفافة دون ان يأبه بالمكاسب والتضحيات بدليل الأثمان التي دفعها دون ان يرف له جفن ودون ان يتخلى عن قناعاته أو يجعلها موضوع مناورات. وهو ما يكرسه أباً لا منافس له لهذه المدينة ويجعل دوره عصياً على البدلاء. وهو ليس فقط زعيم السنة اللبنانيين بل هو زعيم وطني لبناني جامع وان كانت بيده مفاتيح الاعتراف بزعامات السنة.
يبقى على الابناء الضالين العائدين اصلاح ما فعلت ايديهم عبر عقوقهم…..
وفق هذه السيرة يبقى السنة في لبنان يباهون بعدم تورطهم في الحرب الاهلية على مدى سنواتها السبعة عشر. لكنهم يبقون على رفضهم اسقاط حقهم في اغتيال شهيدهم رشيد كرامي سيما وانهم لم يتورطوا بما يشبه مجزرة صبرا وشاتيلا التي اوقعت آلاف القتلى انتقاما لاغتيال بشير الجميل.
هل يحق لنا بعد كل ما تقدم الحديث عن اغتيال الطائفة السنية عبر اغتيال رشي كرامي؟.
لقد كتبنا من سنوات مقالة بعنوان اغتيال الطائفة السنية وهو يستحق العرض اليوم وبهذه المناسبة حيث بينت سيرورة الاحداث حقيقية طروحاته ومنه نقرأ:
يباهي السنة في لبنان بعدم تورطهم في الحرب الاهلية على مدى سنواتها السبعة عشر. وتباهي المعارضة بتنظيمها لمظاهرة بدون مشاكل. ويرفض السنة اسقاط حقهم في اغتيال شهيدهم رشيد كرامي في حين ارتكبت المعارضة مجزرة صبرا وشاتيلا واوقعت آلاف القتلى انتقاما لاغتيال بشير الجميل.
خسارة السنة من مظاهرات استغلال اغتيال الحريري كبيرة. فاذا كان صحيحا غياب العنف الجسدي عن تلك المظاهرات فان العنف العنصري كان حاضراً بصور متطرفة اهمها التالية:
1. العنصرية ضد الشعب السوري: حيث يمكن لاميركا احتلال سوريا على طريقة العراق وتنصيب بريمير عليها دون ان ينسى الشعب السوري هذه العنصرية الجارحة ضده. والتي اطلقت في جنازة رئيس من الطائفة السنية. وهي الطائفة الاكثر تضرراً من الغضبة الشعبية السورية. كون سوريا العمق الاستراتيجي لهذه الطائفة بغض النظر عن طريقة حكمها. أما الطوائف الاخرى فان لها خيارات بعيدة عن سوريا. بل هي تتمتع بحدوث مثل هذا الشقاق مع الشعب السوري.
2. عنصرية النوعية: التي اطلقها النائب بيار الجميل معتبراً ان المسيحيين متفوقين نوعياً على المسلمين. وهو إعتبار لم يمنع تيار الحريري من التحالف معه ومع القوات اللبنانية التي اغتالت رشيد كرامي وارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا وغيرها من المجازر. بل أن تيار الحريري يدخل على خط الوساطة لاسقاط حق آل كرامي واطلاق جعجع قاتل كرامي. ويتبع هذه الوساطة بالتحالف والمشاركة في مهرجانات القوات اللبنانية بهتافاتها العنصرية.
3. العنصرية المذهبية: جهدت المعارضة لاستغلال جنازة الحريري كمظهر لتحالف سني مسيحي ودرزي ضد الشيعة. وهذا التحالف لا يفتقد فقط للحقيقة وانما للواقعية. فمراجعة تاريخ الطوائف اللبنانية يبين احقاداً تاريخية تنفي قيام مثل هذا الحلف. وهذا ما اظهره الوقت حيث تفتتت المعارضة الى فتات داخل المذهب الواحد.
4. عنصرية التوحد بالمعتدي: استمدت فئة من المتظاهرين عنصريتها من عنصرية الاجانب المتدخلين في تنسيق التحركات السياسية للمعارضة. حيث تمت السخرية بالعرب والعروبة وحتى بالديانات وبطقوس الجنازة وحرمة الضريح.
بعد كل ذلك تجد من يجادل في كون هذه التظاهرات حضارية ومسالمة. مع ان العنصرية الممارسة فيها كانت وحشية وكفيلة باعادة الشحن الطائفي وتهيئة الاجواء لحرب اهلية جديدة قد يكون من الصعب تجنبها لو استمرت الامور على حالها. خاصة لجهة الخنوع للأوامر الأميركية وللمندوب السامي الاميركي فيلتمان والفرنسي ايمييه. وهؤلاء وجدوا في رغبة وراثة الحريري والتزاحم عليها فرصة لتنصيب الورثة قادة للطائفة السنية. وهو توظيف يعادل اغتيال الطائفة. وهو إغتيال مر بالمراحل التالية والتي لم يعد يمكن للطائفة التغاضي عنها:
1. وضعية مفتي الجمهورية اللبنانية: فالمفتي هو موظف لدى الدولة اللبنانية فهل تعجز الطائفة عن تأمين راتب المفتي لتتركه موظفاً خاضعاً لشروط الوظيفة؟. وهل لاقى الرئيس الحريري صعوبة مالية في تأمين راتب المفتي رغم المليارات المصروفة؟. أم أن وراء الأكمة ما وراءها مما لايجوز نقاشه علانية؟. ألم يطالب الرئيس كرامي ومنذ العام 1992 بإعفاء المفتي من حرج الوظيفة؟. ولماذا تجاهلوا هذا الطلب؟. والى متى تقبل الطائفة استمرار هذا الوضع المذري لمفتي الجمهورية وبقية مفتي المحافظات؟.
2. تصفية الزعامات السنية: وذلك على مدى اثني عشر عاماً من حكم الحريري. وذلك بدءاً بابعاد الرئيس الحص وبالانقلاب المقاصدي على تمام سلام وبالوقيعة بين كرامي وسوريا. وهو مسلسل يتابعه الخلف بتحدي زعامات الطائفة وصولاً لامتناعها عن الترشيح. مع تثبيت السيدة بهية الحريري في مقعد صيدا انسجاماً مع مباديء حقوق المرأة على النمط الأميركي. عداك عن تحكم السيدة نازك بالانفاق على فقراء الطائفة ومعوزيها وأذلائها.
3. التنازل عن حقوق الطائفة: وهنا نقع على سلسلة من التنازلات يصعب حصرها ومن أهمها نذكر: رئاسة رئيس الجمهورية الدائمة لمجلس الوزراء وسكوت الحريري على ذلك لتمرير مصالحه الشخصية ومصالح شركائه اللبنانييين والعرب. وهو ما لم يقبله كرامي في حكومة الثلاث أشهر.
– تورط الحريري في علاقات تجارية وسياسية مع الأمنيين السوريين ( راجع مقالة حسن صبرا في الشراع حول تفاهم الحريري – غازي كنعان على لائحة بيروت في انتخابات العام 2000). في حين رفض الرئيس كرامي أن تكون علاقته مع غير الرئيس السوري نفسه. فمن يرشح لتهمة العمالة لسوريا بينهما؟. إذا جازت هذه التهمة بعد نتوء فيلتمان وإيمييه.
– إبراز الحريري للهامشيين من الطائفة ولحثالتها ودفعها لمنافسة زعاماتها. بما يبرر امتناع هذه الزعامات عن المشاركة في الانتخابات. خاصة مع ممارسة الاميركيين لهوايتهم في تبني الهامشيين. ونخجل من عرض الهنات الاخلاقية والسياسية لخيارات الحريري وتياره قبل وبعد الاغتيال.
– تركيز الحريري على العاصمة وهي الميدان الطبيعي لاعماله. واهتمامه بالترشح عنها وتمثيلها بما يقتضي تخصيص سكانها بهباته وجلهم من السنة. الذين استند اليهم لاحقاً في انتخاباته. ومع ذلك رفض هؤلاء الطقوس والممارسات المرتكبة حول الضريح. وهي على أية حال لاتريح سنياً في قبره.
– لجوء الحريري الى سياسة الشيكات والسكوت على مافيات الفساد حتى وصلنا الى هذه المديونية. وباتت الحقوق المكتسبة للطائفة مشروطة بدفع الاتاوات والشيكات. وعدم ملكية كرامي للشيكات هي التي اسقطت حكومته. فلو هو ملكها لملك معها غالبية المعارضين. وهم استبدلوا الشيكات الحريرية بعد الاغتيال بشيكات اميركية ( تحداهم نجاح واكيم في برنامج تلفزيوني بنفي ذلك ولم ينفه واحد منهم).
– تسليم العائلة قيادها وقياد الطائفة الافتراضي الى السيد وليد جنبلاط الدرزي المذهب. الذي يكاد يكرس زعيماً للسنة الحريريين دون غيرهم من السنة الرافضين لكل هذه التنازلات.
– إنطلاقة الشيخ سعد السياسية من باريس وواشنطن بصحبة الأمير عبد الله. ومن بعدها عبر السفارات وموفديها. وهي إنطلاقة كان الأب ينفيها ويرفضها؟. بل هو كان يوحي بأن شيراك موظف في فريقه ومتلق للرشاوي الحريرية. وهو عكس ما أظهره الإبن.
– البذاءات الصادرة عن الموظفين السياسيين المنضوين في تيار المستقبل. ومراجعتها تستفز الحليم. ومثلها كلمة السيدة بهية الحريري في جلسة الثقة وهي ممكنة المراجعة لمن نسيها. وبالمناسبة فهي الكلمة التي دفعت بالعريق المهذب عمر كرامي لتقديم استقالته. فاذا ما عذرها البعض بوصفها أخت مكلومة فهل سمعتم تصريحات السيدة غنوى جلول؟.
4. أوهام السيطرة السنية: وهم لائحة بيروت الحريرية يكاد يتحول الى هذيان عظمة سني – حريري. فهل يعتقد الشيخ سعد أن السيدة صولانج وجبران تويني ونواب الأرمن وغيرهم يقعون تحت سيطرته السياسية؟!. ولماذا هو يحمل الطائفة وزر هذه السيطرة الموهومة؟.
5. نسوية الزعامة السنية: للطائفة حساسيتها الخاصة أمام تزعم النساء. ويبدو أن السيدات بهية ونازك وغنوى يقتسمن زعامة الطائفة ويدعمن الترشيحات في بيروت وخارجها؟!.
6. الحرب بالوكالة: ما هي الفائدة التي جنتها الطائفة من تجميع كل المارقين على العروبة في جنازة الحريري؟. وما هي فائدة الطائفة من تحويل الجنازة الى مناسبة لإستبعاد أهل البيت وإستبدالهم بحملة المطالب والشعارات والدعوات العنصرية؟. حتى أعلنت الصحافة اللبنانية ،الممولة أميركياً، عن حلف سني مع الطوائف اللبنانية الأخرى ضد الطائفة الشيعية. فهل مطلوب من الطائفة أن تخوض الحرب ضد الطائفة الشيعية بالوكالة عن اميركا وفرنسا؟. وهل سيقود السنة معركة نزع سلاح حزب الله بعد الإنتخابات إستناداً الى وهم السيطرة السنية؟!.
7. دم رشيد كرامي: أمام هيستيريا الفولارات يحق لنا العتب على المرشحين الحريريين وحلفائهم لمشاركتهم في مهرجانات مطالبة باطلاق جعجع. وذلك سعياً وراء حفنة من الأصوات التي أكسبها قانون ال 2000 قوة ظالمة. وموقف هؤلاء السنة مهين وهم يستجدون هذه الأصوات على حساب دم أكبر زعماء السنة.
8. إقصاء الزعامات السنية: ما أشبه هذه الإنتخابات بإنتخابات العام 1957 التي أجراها كميل شمعون بحضور الأسطول الأميركي السادس ولحساب حلف بغداد. لكن الإقصاء هذه المرة يكاد ينحصر بإقصاء الزعامات السنية. ونحن لا نفهم فعلاً كيف يتسع صدر الشيخ سعد للتحالف مع صولانج الجميل ولا يتسع لمشاركة سليم الحص وتمام سلام وغيرهم من الزعماء السنة!؟. بل كيف يتخطى حكمة والده بعدم التجروء على الرئيس كرامي وسحبه مرشح تيار المستقبل العام 2000 في حين يتجرأ سعد ليس بمرشح ال 2000 المنسحب لوحده بل وبرفقته سلسلة من الهامشيين النابتين على ضفاف مستنقع المال السياسي الحريري.
هذه النقاط تشكل الأساس لإغتيال الطائفة السنية وتحويلها الى فريسة سهلة لذئاب السياسة اللبنانية. وننصح الشيخ سعد بالتنبه الى هذه الذئاب وإدراك انها ليست جدته وانما هي الذئب الذي يتحضر لإفتراسه بعد إغتياله الزعامات السنية. كما أننا قد ننصحه ومعه الرئيس ميقاتي بقراءة مصير سامي الصلح أيام كميل شمعون.

د محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*