أهم الأخبار
الرئيسية / افتتاحية المركز / فرنســــا خارج المعادلة

فرنســــا خارج المعادلة

وقف الفرنسيون الى جانب سوريا والمقاومة اللبنانية خلال لعبة تجاذب القوى والمصالح في المنطقة مع الامريكيين. وبقيت المعادلة قائمة لغاية العملية الامريكية المستحيلة باحتلال العراق. حيث أشارت قراءة التوازنات الاستراتيجية في حينه لاستحالة نجاح هذه الحرب. الا ان ما تبين بعدها تكشف عن عمليات استخبارية فائقة التعقيد والتجاوز ما دعم عملية الاحتلال. ليعود فيضع الجيش الامريكي في مواجهة القوى المقاومة للامبريالية بمختلف مشاربها. هذه المقاومة التي حولت الجنود الامريكيين الى رهائن على الارض العراقية.
هذا المأزق العراقي كان وراء السعي الامريكي الحثيث منذ خريف 2003 لاستعادة اللحمة الاطلسية عبر تقديم المغريات للحلفاء الاطلسيين وفرنسا في طليعتهم. وكانت العودة الى لبنان الطعم الامريكي لفرنسا وهي عودة تقتضي اخراج السوريين من لبنان كشرط لاحكام القبضة الفرنسية على هذه المستعمرة السابقة. وكان الامر يستوجب زلزالاً كبيراً لتحقيق هذه التبادلية في المواقع. وعندما جاء زلزال اغتيال الحريري فهو قدم الفرصة المناسبة لتغيير المواقع في لبنان.
بمعنى آخر فان لبنان كان ينتظر زلزالاً بهذا الحجم. ولو لم يكن اغتيال الحريري لكان بانتظار لبنان زلزال آخر بحجمه او يفوق. وهو ما تؤكده ملابسات اخراج القرار الأممي 1559 القاضي بخروج القوات السورية من لبنان. حيث حددت المصادر البنود الفرنسية الصنع في القرار وميزتها عن البنود الامريكية. وهذا التواطوء أيقظ الطموحات الاستعمارية الفرنسية في كافة المستعمرات القديمة وبخاصة في لبنان وسوريا وشمال افريقيا.
لهذه الاسباب مجتمعة تراجع الرئيس الفرنسي شيراك عن سياساته المعتدلة متواضعة الطموح ليحل مكانها سوك استعماري مارسه شيراك حتى نهاية ايامه في الاليزيه. هذا السوك الذي واصله نيكولا ساركوزي باعلانه رضوخاً تاماً للارادة الامريكية مقابل ثمن مقبول لهذا الرضوخ. لكن انفجار الازمة الاقتصادية الامريكية العام 2008 غذت طموحات ساركوزي بطلب أثمان اكبر للتعاون الفرنسي مع الخطط الاستراتيجية الامريكية أقلها تنفيذ الطموحات الاستعمارية الفرنسية وتحويلها الى وقائع. وهكذا باتت العودة الفرنسية الاستعمارية الى سوريا هدفاً مشروعاً لساركوزي ومثلها العودة الى شمال افريقيا.
طموحات العودة هذه تفسر الاندفاعات الساركوزية في هذه المناطق حيث سجلت المواقف الفرنسية مزايدات عديدة على مثيلتها الامريكية تجاه ليبيا فكان الفرنسيون يتعجلون العسكرة ويغذونها لاختصار فترة المراوحة وتعجيل التدخل العسكري الاطلسي الذي كان فرنسياً بامتياز وان تكشف عن غياب الجهوزية العسكرية الفرنسية لمواجهات مشابهة. الا ان النجاح باسقاط النظام الليبي والاستئثار الفرنسي بنسبة 35% من النفط الليبي بتفويض مسبق من الثوار اصدقاء الاطلسي فتح الشهية الفرنسية وحول طموحاتها الاستعمارية باتجاه سوريا.
لو نحن راجعنا اليوم نسب التورط الاجنبي المباشر في سوريا لجاءت فرنسا في طليعة المتورطين على كافة الصعد. وفي العقل الفرنسي ذكريات استعمارية في سوريا ليس أقلها وقوف الجنرال غورو العام 1920 امام قبر صلاح الدين ومخاطبته بعبارة: “ها قد عدنا يا صلاح الدين فقم من قبرك لتقاتلنا…”. كما تحمل الذاكرة الفرنسية ان ثمة عوام ملهوفين رعباً من القوى المحتلة فكوا بغال عربة غورو وجروها باجسادهم بدل البغال. وتكرار هذه المشاهد بات حلماً فرنسياً قابل التحقيق في ظل التحالفات الراهنة في المنطقة. وهي اصيبت بمقتل بسبب الموقف الروسي الذي أحدث خللاً رئيسياً في معادلات المنطقة.
كان الاثنين 12/12 يوماً حاسماً  سجل بداية العد العكسي للنفوذ الفرنسي في سوريا ولبنان. ففي ذلك اليوم وقف وزير الخارجية الروسي لافروف ليؤكد استراتيجية العلاقات الروسية السورية واصرار روسيا على منع التدخل العسكري في سوريا. وهو موقف لا يغيره الحديث الفرنسي عن الاخلاقيات كون المستعمرين بدون اخلاق.
بعد ذلك الاثنين لم يعد يوجد ثالث لاحد سيناريوهين فاما صفقة شاملة في المنطقة تضم سوريا والعراق وايران والسعودية وتستبعد بشكل اساسي دعاة التدخل العسكري الميئؤوس واما حرب استخبارية قذرة لا يمكن الرد على عملياتها الا بعمليات اقذر منها وهو ما لاتحتمله توازنات المصالح في المنطقة. ما يجعل استعراض علائم كل سيناريو على حدة مادة اعلامية جذابة بمفاجآتها بانتظار الرسو على احد الاحتمالين.
في اطار المفاجآت الايجابية نقرأ زيارة وزير الأمن والاستخبارات بالجمهورية الإسلامية الإيرانية حيدر مصلحي ولقاءه ولي الهـد السعودي وكبار المسؤولين السعوديين. وفي السياق نقرأ التصريح الفرنسي بعدم الرغبة في التدخل العسكري في المنطقة وأيضاً تلميحات تناولت الوقاية التي تضمنتها معادلة السين السين. ون هذه الايجابيات عودة اللاعبين الرئيسيين في المنطقة بما في ذلك من إقصاء اللاعبين الفرعيين عن المشهد السياسي للمنطقة. وهو ما يفتح ابواب الامل بنهاية فترة صعود دور الدون كيشوت بدءاً بفرنسا ونهاية بكرزايات المنطقة الطارئين على هذا المشهد.

د محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*