أهم الأخبار
الرئيسية / افتتاحية المركز / أمـريكا وحلم إشعال الوطن العـربي

أمـريكا وحلم إشعال الوطن العـربي

يتفق الباحثون والخبراء في مجال الجيوبوليتيك ومنهم رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية ليونيد إيفاشوف على أن حلم الأمريكيين هو رؤية العالم الإسلامي غارق في الفتن الداخلية، وفي النزاعات الخارجية. ولتحقيق هذه الحلم يعمل الأمريكيون على تهيئة الأوضاع، بطريقة تضمن استمرار دوى الانفجارات في المنطقة، وإبقاء نيران النزاعات مع الدول الأخرى مشتعلة. إن ما تريده الولايات المتحدة في حقيقة الأمر هو أن تبقى سماء العالم الإسلامي ملبدة بدخان الحروب من دول البلقان وحتى باكستان، لأن هذه المنطقة تقع على مقربة من الصين. وبعبارة أخرى، فإن ما هو مطلوب أمريكيا من هذه المنطقة، هو أن تكون مصدرا دائما للقلاقل والاضطرابات. وهنا لا بد من التساؤل: ما هو الهدف الذي تتوخاه أمريكا من وراء ذلك كله؟.
إن إثارة الاضطرابات في الشرق الأوسط ستضر بالاقتصاد الأوروبي والصيني باعتبارهما منافسين قويين للاقتصاد الامريكي، ولكن كيف سيتم ذلك؟. الولايات المتحدة لا تحصل إلا على سبعة عشر بالمئة من استهلاكها النفطي من منطقة الشرق الأوسط، وإذا ما اندلعت حرب واسعة النطاق فأن الاقتصاد الأمريكي لن يتأثر بذلك، لأنه ببساطة لا يعتمد كثيرا على نِفط منطقة الشرق الأوسط، في حين سيتضرر الاقتصاد الصيني كثيرا، وسيكون لذلك انعكاسات اجتماعية سيئة، وفي محاولة للخروج من المأزق، ستلجأ الصين للحصول على نفط روسي رخيص، وهذا قد ينعكس سلبا على العلاقات الروسية الصينية.
أوروبا بدورها تحصل على نصف نفطها من تلك المنطقة، وفي تلك الحالة فإنها أيضا ستلجا للحصول على نفط روسي بأبخس الأسعار، وفي ظل تأزم الاقتصاد الأوروبي والصيني، سينتعش الاقتصاد الأمريكي، وبهذه الطريقة سيحاول الأمريكيون الخروج من أزمتهم الحالية.
الأمريكيون مغرمون بإشاعة الفتن والخصومات، والسعي لجني مكاسب من وراء ذلك، إذ لم يكن من قبيل المزاح ما قاله مسئول أميريكي رفيع، بأن الولايات المتحدة ستجبر العرب على الاقتتال فيما بينهم، وأمريكا على استعداد لتمويل ذلك الاقتتال، من هذا المنطلق نجد أن تواجد تنظيم القاعدة في ليبيا لم يزعج الأمريكيين، وإذا كانت أوروبا قد صدر عنها بعض ردود الأفعال نتيجة إعلان ليبيا اعتماد الإسلام كمصدر رئيسي للتشريع، نجد أن الولايات المتحدة لم تبد أية ردة فعل، طالما أن ذلك لا يعيق تفوقها على خصومها الكبار، كما أن وجود تنظيم القاعدة قد يساعد على زيادة الفوضى، مما سيسهل أكثر على الولايات المتحدة وضع يدها على النفط.


الأميركيون وتجاربهم في
الثورات الملونة
اذا كان الحديث عن تدخل امريكي في إشعال الثورات العربية مصدر حرج لتعارضه مع توجهات الشارع في الدول المعنية. رغم ما تتكشف عنه من تفاصيل تؤكد انضواء هذه الثورات تحت طائلة استراتيجية اوباما لتفجير الازمات. وذلك بديلاً عن الحروب والعمليات العسكرية التي لم تعد الموازنة الامريكية تسمح بها بسبب الازمة الاقتصادية الامريكية.
لقد واجهنا هذا الحرج بصورته الطاغية من خلال كتابنا المعنون “ثورات ملهوفة” ولسنا نريد معاودة مواجهته مرة اخرى في هذا المقال. لذلك نكتفي بالاشارة الى ان الثورات قد تعكس رؤى خاصة بشارع الدول الحاضنة للثورات دون ان تستطيع الادعاء بانها تعكس واحدة من رؤى الشارع العربي الجامعة بين الشعوب العربية. مثال ذلك ان الشارع العربي اعطى مباركته لمحاصرة المصريين لسفارة اسرائيل وانزال علمها كما لمطالبات وقف بيع الغاز لاسرائيل والغاء معاهدة كامب دايفيد مع اسرائيل.
الشارع العربي لم يفقد توجهه رغم فيروسات وميكروبات الفضائيات العربية وبعض الاعلام العربي. وهو لا يزال يحدد اسرائيل والدول الداعمة لها كخطر رئيسي على راهن ومستقبل الشعوب العربية. وهو لا يزال حصيناً ضد التعامل مع أعداء الامة وأعدائه رغم استبدال مصطلح “الرجعية” بمصطلح “الواقعية السياسية” وغيرها من الالعاب والتلاعبات اللغوية بالمصطلحات مع بقاء السم مدسوساً بالدسم.
قلنا اننا نتجنب حرج الخوض في خلفيات الثورات العربية الا ان قراءة استرجاعية للثورات الملونة التي اطلقتها المخابرات الامريكية بمساعدة عملائها المحليين في الدول الاشتراكية السابقة. حيث تشير المتابعة الى الوقائع التالية (تأكد من غـوغل):
1 – تغييب النخب عن السلطة وهي النخب التي كانت الانظمة قد استقطبتها الى عملاء يتم قبولهم دون التدقيق في حيثياتهم. لان جواز سفر العملاء هو رغبتهم بخدمة المخابرات المعنية على حساب بلدهم بدوافع نفعية. واذا كانت الثورة الاوكرانية البرتقالية المثال الابرز للثورات الملونة فاننا نجد ان الامر تجاوز سقوط حكومتها الملونة الى محاكمة رئيسة تلك الحكومة لاسباب مخزية واكيدة وتليق بالرعاع الذين تستقطبهم المخابرات الامريكية عادة.
2 – انهيار الاقتصاد وصولاً للمجاعات وهي مجاعات اجتاحت كل الدول التي شهدت الثورات الملونة لتصل الى روسيا نفسها في مرحلة معينة. ومع تراجع النمو وزيادة البطالة كان الضباط المسرحون من جيوش تلك الدول (باسنثتاء روسيا) مضطرين للعمل في المهن المتدنية فكانوا يكنسون الشوارع مثلاً.
3 – هجـرة الخبـرات حيث شهدت أجواء حكم الثورات الملونة إحتلال الرعاع للواجهات السياسية واعمالهم للفساد في مؤسسات الدولة بما لم يترك مجالاً للخبرات والعقول الوطنية ودفعها للهجرة ولو بشروط غير لائقة.
4 – هجرات الفقر ومنها هجرة النساء للعمل في الملاهي.
5 – امتهان الارتزاق العسكري حيث باتت المشاركة في العمليات الحربية خارج الوطن من قبل المرتزقة مهنة حقيقية. واطلق عليهم بفرنسا لقب” لجيونير” او أفراد الفيلق. وفي المانيا يسمونهم بـ “خادم البلاد”. اما اهالي الولايات المتحدة فيسمونهم بـ “الوز البري”. وبدأ تاريخ المرتزقة الاوكرانيين مع ولادة الثورة البرتقالية ومعها “اوكرانيا المستقلة” حيث انهار في تسعينات القرن الماضي اقتصاد البلاد وبدأت معه تنهار وتنحط الوحدات العسكرية، مما اجبر الضباط المحترفين الذين يكنسون الشوارع، حيث اندفع اول الجنود الاوكرانيين في البحث عن حظ لهم خارج الوطن، بما في ذلك الى الشيشان وسيراليون وقره باغ وترانسنستريا ويوغوسلافيا واوسيتيا الجنوبية، واخيرا شاءت الاقدار ان يصلوا الى ليبيا. وبالمناسبة فان صحيفة “ستراتفور” الامريكية نشرت معلومات، نقلا عن مصادر لها، تزعم فيها ان الطيارين الاوكرانيين يقصفون قوات الثوار والتظاهرات السلمية ضد القذافي، وذلك من طيارات “ميغ” السوفيتية. وافادت الصحيفة بأسر احد هؤلاء الطيارين.
وفي 23 اغسطس/اب الماضي كشفت صحفية في قناة ” Channel News4″ الامريكية عن اثر اوكراني في الحرب الليبية. وكتبت في شبكة التواصل الاجتماعي “تويتر”:” خطف الثوار الليبيون مرتزقة اوكرانيين حاربوا الى جانب الزعيم الليبي معمر القذافي. وقالت الصحفية:” شاهدتُ 11 رجلا رفعوا الايدي. وابلغني قائد الثوار ان هؤلاء قتلة مرتزقة وصلوا الى ليبيا من اوكرانيا”.
هذه هي التجارب الملونة التي يستند اليها الامريكيون في سياستهم الداعية لنشر الازمات. ونتألم ونحن نشاهد الانهيار الاقتصادي والفقر زاحفين الى البلاد التي عبثت فيها المخابرات الرقمية الامريكية فدفعت شعوبها نحو المجهول ونحو مواجهة السلطات بدون ملكيتها لمشاريع سياسية واضحة ولبدائل حفظ كرامة المواطن وأمنه في هذه الدول.
رغم الحرج وقساوة اللفظ الا انها الموضوعية التي تفرض نفسها حيث تعجل التويتر والفايسبوك ولادة ثورات غير مكتملة النضج السياسي والادوات وغير مستوعبة للواقع عداك عن انقطاعها عنه وعدم بذلها اي جهد لمحاولة التغيير السلمي عبر الحوار والضغط السياسي البعيد عن التضحية بالمواطن العادي بدفعه عبر الشوارع. هي ثورات خديج يستغلها الامريكيون اليوم ويوظفونها لخدمة اهدافهم الجيوسياسية المشار لها أعلاه.


ثـورة الارز أخطـر الثورات الملونة
احاطت المخابرات الامريكية والسفير جيفري فيلتمان ثورة الارز بسياج من المحرمات أولها “دم رفيق الحريري” ثم دماء رفاقه في الشهادة. بحيث وظفت هذه المحرمات لحماية انقلاب مخملي امريكي – فرنسي في لبنان واعطائه عنوان الثورة استناداً لدراسة العقلية اللبنانية والعربية وكوامن رغبة الثأر في هذه الشخصية. ونجاح هذه الثورة لم يختلف كثيراً عن نجاحات الثورات الملونة اذ يجد زعيمها سعد الحريري نفسه خارج السلطة ومعه قائمة الهامشيين الذين اختارهم ليكونوا فريقه السلطاني المطيع وفق مبدأ “أوامرك سيدي” وفق وصف فيلتمان في ويكيليكس للحريري وفريقه.
في المقابل وجد وليد جنبلاط زعامته مهددة بتراجع حظوظ استمرارية الانقلاب فانقلب على الانقلاب ليعود فيرى ان اعلان دمشق المنبثق عن ثورة الارز والمنطلق تحت رعايتها ومعه شخصيات سورية كانت تزور بيروت زيارات خاطفة للقاء السفير فيلتمان برعاية أمنية انقلابية وهم يهددون نظام الحكم السوري. فكان ذلك مدعاة لتراجع جنبلاط خطوة ثانية الى الوراء لأن نجاح الانقلاب الامريكي في سوريا سيؤدي الى حضانة الانقلاب اللبناني برعاية امريكية. ما يعني في السياسة عودة سوريا الى لبنان بموافقة امريكية. قد تمتد الى موافقة على عودة الجيش السوري الى لبنان ولكن بعقيدة الولاء لامريكا بدل ممانعتها ومواجهتها.
جنبلاط بخبرته السياسية يدرك بان الذين تظاهروا وقادوا تظاهرات الخروج السوري من لبنان سيقومون انفسهم بنثر الارز والورود على فرق الجيش السوري ان هي عادت الى لبنان بموافقة امريكية. وهو ما يجعل جنبلاط يراوح مكانه في نفق من الغموض تقتضيه واقعة تمكن المخابرات الامريكية من اسقاط الاتحاد السوفياتي فما بالك بالنظام السوري؟!.
الارهابي سمير جعجع إستشعر ما يشعر به جنبلاط ولكن على طريقته الميليشياوية التي لا يفهم غيرها وهو وجد ينابيع التمويل لميليشياته الجديدة استعداداً لمواجهة احتمالات فشل ادارة فيلتمان للانقلابات اللبنانية السورية.


فيلتمان المندوب السامي
منذ تسلمه لمنصبه كسفير في بيروت باشر جيفري فيلتمان دوره كمندوب سامي امريكي في لبنان مع خطط امتداد هذه الوظيفة الى الدول المجاورة. وهو باشر خططه بالاعداد للقرار 1559 ولما جاءت حادثة اغتيال رفيق الحريري كان فيلتمان جاهزاً لتوظيفها كي يمارس علانية دور المندوب السامي الامريكي في لبنان.
أول فرمانات فيلتمان كان اتهام سوريا بالاغتيال (وهو يدرك يقيناً براءتها من الاغتيال) لكنه اتهام الحاجة لاستصدار الفرمانات اللاحقة.
فرمان اتهام رئيس الجمهورية أميل لحود بالاغتيال.
فرمان اتهام الحكومة ورئيسها عمر كرامي بالاغتيال.
فرمان اعتقال رؤساء الاجهزة الامنية اللبنانية الاربع.
عبر هذه الفرمانات بات رموز الحكم اللبناني بموقع الادانة بالقتل وباتت السلطة اللبنانية شاغرة ومشلولة بما يقتضي تولي جيفري فيلتمان مسؤولية حكم لبنان الى ان يتم انتاج جهاز حاكم جديد على شاكلة حكومات الثورات الملونة. ما جعل انزال المواطنين المذعورين الى الشوارع شرطاً ضرورياً لتمرير تنصيب المتسربين من قنوات غير صحية الى الحكم اللبناني.
النجاح الذي حققه فيلتمان في لبنان هو نجاح حقيقي كونه يخدم مصالح الدولة الاقوى كما لكونه نموذجاً عن الخدمات المستقبلية التي يمكن ان يقدمها لهذه المصالح وهو نجاح مختلف عن نجاح :اشربها ..كبها” الذي حققه جماعة فيلتمان اللبنانيين حيث المكبات استقبلت لغاية الآن كمية من الشخصوص المتسربة من قتاة فيلتمان وثورته الملونة الى السياسة اللبنانية.
تكرست نجاحات فيلتمان اللبنانية باعتماده مستشاراً لشؤون الشرق الاوسط في ادارة ديمقراطية ولوزيرة خارجية ديمقراطية زوجة رئيس ديمقراطي. وهي ترقية لا يحلم بها دبلوماسي خدم في ادارة ووكر بوش المخربة لولا فعاليته التي منحه اياها فريق لبناني متأمرك حتى النخاع. ومع المنصب الجديد تحول فيلتمان الى مندوب سام لعموم الشرق الاوسط فانطلق من دمشق مفاوضاً على عودة السفير الامريكي اليها. لنجده بعدها حاضراً في كل بؤر الازمات العربية مطلقاً تصريحات تنسجم مع صفته كمندوب سام للمنطقة العربية والاسلامية.
واذا كان استمرار لبنان تحت حكم أمراء الحرب الاهلية اللبنانية يبرر وقاحة الانتداب الامريكي له فاننا نعجب من قبول الدول العربية الاخرى لهذا الانتداب وإنصياعها له.


الحـريري يرشح جعجع للرئاسة اللبنانية
لا احد يفهم دوافع سعد الحريري لاستعجال مواجهات سياسية قبل اوانها وكأنه لا يزال متربعاً على زعامة قوى 14 آذار وكأن فيلتمان لا يزال سفيراً في بيروت يبعث بطلبات الدعم للحريري مهما كانت مواقفه خارجة على المألوف السياسي لان دوره الوظيفي كابن الشهيد رفيق الحريري غير قابل للاستيدال او للاستغناء عنه. وذلك بالرغم من قناعة فيلتمان بعدم صلاحية الحريري الإبن للخوض في المعترك السياسي والتي عبر عنها في برقية ارسلها لوزارة الخارجية الاميركية منشورة على الرابط التالي:
http://www.mostakbaliat.com/?p=8509
وحده توصيف فيلتماان الوارد في هذا الرابط للحريري يفسر غوامض المواقف الحريرية عبر التويتر كما يفسر لجوءه لهذه الوسيلة وهو الذي يملك المداخل الى الفضائيات العربية التي لا تزال تحظى بملايين المشاهدين. لكن الحريري فجر الخميس 10/11/2011 قنبلة تستعصي على الفهم حتى على ضوء تحليل فيلتمان لشخصية سعد الحريري. اذ اعلن الاخير انه يرشح سمير جعجع لرئاسة الجمهورية اللبنانية!.. وهي خفة سياسية تستدعي تساؤلات حول مستوى الفهم السياسي لدى الشيخ سعد الحريري حتى بعد خوضه تجربة رئاسة الحكومة وان امضاها مسافراً سائحاً غائباً منشغلاً بازماته التجارية. من اهم الاسئلة المطروحة التالية:
1 – الاعراف السياسية اللبنانية وهي تقتضي اعطاء البطريرك الماروني دوراً مقرراً في اختيار رئيس الجمهورية الماروني.  كما تقتضي عدم وجود فيتو على شخصية المرشح للرئاسة من قبل الطوائف الاخرى (فيتو تجاوزته اسرائيل بتعيينها بشير الجميل تحت احتلالها رئيساً) فهل يراهن الحريري على اجتياح اسرائيلي جديد او على معجزة بهذا الحجم تعيده للسلطة وتجعله يقرر مع جهات عدوة ترئيس سمير جعجع؟!…
2 – الأخلاقيات السياسية الامريكية صحيح انها أخلاقيات مطاطة بحسب المصالح الامريكية بحيث تؤمن واشنطن التغطية والدعم لانظمة معادية للديمقراطية الا ان امريكا تتظاهر عادة بالتزامها باخلاقيات محددة منها عدم دعم مجرمين لتولي مناصب عامة. فهل لدى واشنطن ما يبرر تجاوزها للشكليات الاخلاقية والسياسية المعتمدة عادة لديها؟!…
3 – خيانة الطائفة السنية دون الدخول في متاهات سيرك المال السياسي وما يتفرع عنه من سحر حريري يجذب جزءاً من جمهور السنة الا ان هنالك مقابلاً سنياً يرفض جعجع باعتباره مجرما متورطاً بقتل زعامات لبنانية وعلى الاخص اغتيال زعيم سني تاريخي هو رشيد كرامي. ومع تجنب لعبة النسب وحجم سعد الحريري السني مع وبدون اموال ومع او بدون فيلتمان ومع أو بدون الدعم السعودي فإن قسماً لا يستهان به من جمهور السنة في لبنان يعتبر وصول جعجع لرئاسة الجمهورية خيانة للطائفة وتاريخها الوطني ومعاناتها على حواجز ميليشات جعجع. وهي خيانة تستفز هذا الجمهور للمقارنة بين حجم رشيد كرامي السياسي وبين وجاهة رفيق الحريري المالية. وهي مقارنة يدفع سعد الحريري باتجاهها وكأنه قد عقد العزم على تعميق الانشطار السني.


وهم الاكثرية البرلمانية الحريرية
بدا سعد الحريري الزعيم اللبناني الاوحد بعد انتخابات 2005 التي جرت تحت الوصاية الامريكية على لبنان. حيث عجل واستعجل جيفري فيلتمان اجراء الانتخابات في موعدها كي يتمكن من استغلال الاغتيال قبل ان يفيق الجمهور اللبناني من صدمته. لكن مراجعة اعضاء ذلك البرلمان تبين ان غالبيته كانت ممن كانوا يهاجمون سياسة الحريري الاب وشخصه الا ان الواقع دفعهم لقبول الزعامة السعدية بدفع امريكي وباغراء تعهد الحريري بتمويل الحملات الانتخابية واعطائها غطاء الدم في مقابل اتهام اي مرشح من خارج لوائحه بوصفه قاتلاً للحريري. وعودة الى مرشحي تيار الحريري على تلك اللوائح نجد انهم جاءوا في ذيلها باقل عدد من الاصوات في هذه اللوائح. أما عن مواصفات هؤلاء المرشحين المتحولين فان سعد الحريري نفسه يدرك اليوم مستوى رداءة اختياراته ويصرح بذلك في مجالسه الخاصة.
بالانتقال الى انتخابات العام 2009 فان الوهم الاكثري الحريري كان بادياً للعيان دونما حاجة الى تحليلات سياسية. حيث اعلان وليد جنبلاط التزامه لغاية ما بعد ترشيح سعد لرئاسة الحكومة عقب تلك الانتخابات ومن بعدها الانقلاب الذي عاد فاخرج سعد من رئاسة الحكومة في ظروف مزرية وغير مسبوقة. أما القوات اللبنانية فقد غيرت لهجتها وسلوكها بعد استغنائها عن اصوات المسلمين في انتخابات الاقضية. وتكفي مراجعة وثيقة ويكيليكس المعنونة “
جعجع يتنمر: حصة السنّة في الدولة أكبر من حقهم المنشورة على الرابط التالي: http://www.mostakbaliat.com/?p=8378
وفي طرابلس جاء ترشح الرئيس عمر كرامي منفرداً ليكون كافياً كي يجبر الحريري على قبول شروط تحالف الصفدي – ميقاتي والاكتفاء بمقعد واحد في طرابلس بقي صاحبه في ذيل لائحة الفائزين التي تصدرها محمد الصفدي. وفي الشمال كما في بقية الدوائر السنية فقد تم استبعاد قائمة من شخوص برلمان 2005 الحريرية لاسباب مختلفة لحساب مصالحات مع العائلات السنية الأعرق. ومع ذلك حمل الحريري عبء استبعاد اسامة سعد لصالح فؤاد السنيورة في ما يشكل قنبلة عنقودية سياسية. سيدفع الحريري ثمنها لاحقاً. وبهذا تتكرس هزلية ادعاء الاكثرية البرلمانية الحريرية.
هذه الهزلية التي وصلت الى حدود تناول ولي الامر السعودي لبيت الحريري من قبل موظف حريري يدعي ان له “
قناعات سياسية” متنكراً للخبز االحريري ،السعودي المصدر الذي يأكل هذا الموظف فتاته.
من شابه سيده ما ظلم فقد تطاول الحريري على الامير محمد بن نايف في وثيقة فيديو الحقيقة ليكس التي نشرها نيو تي في. وبهذا تتحول وهمية النفوذ الحريري الى وهمية النفوذ السعودي في لبنان التي تأكدت بعد انقطاع الاموال الحريرية بسبب ازمة سعد المالية. كما انها تتأكد من خلال سذاجة التهجمات الحريرية وتوقيتها عداك عن الاسئلة الملغومة التي يتلقاها سعد الحريري عبر التويتر….


الحلم الامريكي في المنطقة العربية
مشروع تغيير الخارطة العربية مشروع امريكي معلن منذ ما قبل احتلال امريكا بوش للعراق للاطلاع انظر الرابط التالي: http://mostakbaliat.com/link149.html
هذا الحلم الذي حاول ووكر بوش تنفيذه عبر القوة العسكرية المباشرة والعودة الى العهد الاستعماري الكولنيالي لتثبيت الامبراطورية الامريكية وتحكمها بالعالم لقرن قادم. لكن حلم بوش سقط ليسقط معه الولايات المتحدة في هوة ازمة اقتصادية مهددة وقاتلة. وهو ما حال دون امكانية الاستمرار باعتماد سياسة القوة المبالغة على نمط بوش وما ادى لاستبدالها باستراتيجية اثارة الازمات التي يعتمدها اوباما حالياً. وهي استراتيجية تهدف لتحقيق الحلم ذاته ولكن بوسائل اخرى.
وبهدف الابتعاد عن العودة لحرج مناقشة الثورات العربية ونتائجها الحالية والمستقبلية نجد موحياً طرح السؤال التالي: “هل تقبل تخريب عاصمة بلدك على غرار تخريب بغداد؟”….
من يقبل بهذا التخريب وباعداد الضحايا البشرية المدفوعة ثمناً له يصبح حكماً أداة لتنفيذ الحلم الامريكي باشعال الوطن العربي وانطلاقاً من بلده. وهذه الفصيلة من الشخوص الافتراضية لا تدخل في اعتبارنا…
أما من يرفض هذا التخريب ويملك الوعي الكافي لاهمية استقرار بلده رغم اية مظالم كون عدم الاستقرار اكثر ظلماً من كل انواع الظلم فهو الجدير بالبحث عن صيغ لإرضائه عبر الاصلاح ولكنه اصلاح بايدينا وبالشراكة بيننا وليس وفق خرائط امريكية للاصلاح معدة مسبقاً وفق سياسة الهامبرغر.

د. محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

تعليق واحد

  1. شاهدشايف حاجة

    مع اعجابي وتقديري للمركز وموقعه المتميز والافكار الواردة في كثير من المقالات ؛ اود أن أبدي بعض الملاحظات على رأي مدير المركز الذي اجله وأقدره. 1: موضوع الاستنزاف المالي لكل من الصين واوروبا وآسياايضا أكيد 100% : وما بيع البترول الاستراتيجي الامريكي ب150$ للبرميل الا تصديقا لسعي امريكا للاضرار بالاسواق المنافسة.2:موضوع السيطرة الامريكية على المنطقة التي استنزفها الاوروبيون حتى الثمالة واقع أكيد للتعويض عما فقدته الادرارات الامريكية المتعاقبة بعد الحربين العالميتين.3:اما بالنسبة للازمة اللبنانية قد اختلف مع رئيس المركز على الدور الذي لعبه السفير فيلتمان والادارة الامريكية في لبنان؛ الاسلوب الذي نهجه فيلتمان هو نفس الاسلوب الذي تتبعه الادارة الامريكية مع المعار ضين للوجود الامريكي في المنطقة وهي على طريقة التقيا الايرانية الادعاء بالتأييد والعمل على ضرب المعارضين ؛ وكما يقال الامور بخواتيمها فقد أرهق فيلتمان ثوار الارز بمجموعة من الاخطاء حتى فقدوا الحاضنة الشعبية وبها فقدوا الحكم في لبنان والى الابد؛ ومما يؤيد ذلك توجهات الطريرك الراعي نحو صيغة التعايش مع سوريا والمسلمين سنة وشيعة : خلافا للنهج التصادمي الي امتاز به قائد القوات اللبنانية وبعض الكتائبيين والاحرار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*