أهم الأخبار
الرئيسية / افتتاحية المركز / ســاركوزي والأوهـام الاستعمارية

ســاركوزي والأوهـام الاستعمارية

منذ انطلاقته سوق الرئيس الفرنسي تفسه بصورة البراغماتي العامل على تحقيق مكاسب اضافية للمصالح الفرنسية في العالم. فانتقد بداية موقف سابقه شيراك من حرب العراق وأبدى طواعية للانقياد وراء سياسات بوش. لكن تعثر هذه السياسات دفعه للتراجع عن هذه الطواعية التي لم تعد مجدية. ما دفع بساركوزي للاكتفاء بالحصول على موطيء قدم في لبنان ومساومة سوريا على هذا الموطيء. ثم حاول ساركوزي الدخول من بوابة ما يسمى الربيع العربي لكن اللعبة السياسية في تونس أو ليبيا أو مصر لا تساهم في تعزيز الموقع الفرنسي، ما عدا طبعاً الاستثمارات النفطية خصوصاً في ليبيا.
ومع وصول الحراك الاجتماعي الى سوريا إستيقظت الاحلام الاستعمارية لدى ساركوزي فاعاد احياء الشوفينية الفرنسية لينطلق نحو ضم سوريا الى الحلم الفرنسي في لبنان. حيث بقي لبنان منذ نهاية الانتداب ولغاية اليوم فرانكوفونياً يساير فرنسا لغاية لعب دور المستعمرة القديمة التابعة تحت شعار “فرنسا الام الحنون”. وجاء مساس الربيع العربي بالنظام السوري ليثير طمع ساركوزي باستعادة سوريا الى حظيرة الفرانكوفونية وفق النمط اللبناني. بما يبرر الانقلاب في الموقف الفرنسي تجاه سوريا وهو يكاد يتطابق مع انقلاب شيراك على سوريا عبر سيرورة ولادة القرار 1559 القاضي بخروج سوريا من لبنان بما يمهد للعودة الفرنسية الى لبنان ويؤسس لطموحات فرنسية مستقبلية في سوريا.
الانقلاب الساركوزي على سوريا اقتضى التضحية  بسحب الاستثمارات الفرنسية من سوريا كوسيلة ضغط اقتصادي على النظام السوري. ومع فشل الرهان الساركوزي تكبدت فرنسا خسائر اقتصادية كبيرة جراء سحب تلك الاستثمارات. لكن الخسارة السياسية كانت اكبر اذ لم تقتصر على فشل الرهان السياسي على سقوط النظام السوري بل تعدته الى الكشف عن وجه شديد البشاعة لفرنسا كدولة ذات طموحات استعمارية.
فقد كشف ساركوزي عن قناعه الاستعماري باستعجاله التدخل الاطلسي في ليبيا لغاية المزايدة على الاميركيين في هذا المجال. كما كشف ساركوزي عن هشاشة سياسية في لبنان عبر فشله في تثبيت موطيء القدم في لبنان وتحويله الى موقف رافض لاي تدخل فرنسي مستقبلي في لبنان. وهو ما عبر عنه البطريرك الماروني الجديد لدى زيارته لفرنسا والتي جاءت بمثابة صفعة لساركوزي وسياساته.
مواقف البطريرك الراعي تأتي بعد نسف الحلف الشيراكي – الحريري لمقولة “الام الحنون” وبعد توظيف ساركوزي الوقح للبنان كقاعدة لاستهداف سوريا بما يلحق الضرر ليس فقط بالمسيحيين اللبنانيين وانما بكل المسيحيين العرب عن طريق اظهارهم بمظهر الداعمين لعودة الاستعمار الى لبنان والمنطقة. وما قاله البطريرك يمكن تلخيصه بالتأكيد على مواطنة المسيحي اللبناني والعربي وعلى واقعة كون المسيحيين عنصراً رئيساً في النسيج التاريخي للمنطقة.
بالانتقال الى الصورة الفرنسية البشعة في البلدان العربية الاخرى فان التدخل الفرنسي في ليبيا لم يكبد نفسه عناء اختلاق التبريرات السياسية والانسانية (على الطريقة الاميركية المبتذلة) بل ذهب مباشرة للاعلان الوقح عت اطماع ساركوزي النفطية في ليبيا. حيث انتزعت فرنسا وعداً مسبقاً من الثوار بالسيطرة على نسبة 30% من النفط الليبي في حال سقوط القذافي وهو ما أكمل بشاعة الصورة الفرنسية وعممها عربياً.
في السياق خسر ساركوزي ايضاً توظيفاته للحاجة الاميركية لاستعادة الصداقات التي خسرتها الولايات المتحدة بسبب سياسات بوش الاستعلائية الرافضة للشراكة المشترطة للتبعية. هذه الحاجة التي ترجمها الرئيس اوباما بمحاولات دائبة لتهدئة آثار واتعكاسات الهياج البوشي عبر اعلاناته الودية تجاه العرب في خطابه بالقاهرة واعلانات نوايا الانسحاب من العراق وافغانستان (لم ينفذ اوباما هذه الاعلانات ولم يلتزم بها لكنها اطلقها لفظياً للتهدئة) اضافة لمواقف اوباما الودية تجاه الشركاء الاطلسيين واعادة الاعتبار لادوارهم في نقرير سياسات الحلف. وهنا يبرز تهافت ساركوزي لاستغلال هذه الحاجة الاميركية بجملة مواقف ضاغطة تسببت باحراجات عديدة للسياسة الخارجية الاميركية. حيث تجاوزت هذه المواقف استعجال التدخل الاطلسي في ليبيا والتعجل في ممارسة العداء لسوريا الى مواقف ضاغطة على المانيا بخصوص أزمة اوروبا الاقتصادية.
الأوهام وحدها تبرر سلوك ساركوزي كرئيس لدولة يفترضها عظمى فيما تحف الاخطار بالاقتصاد الفرنسي وسط عجز فرنسي شبه كامل عن حماية مصالحه الاقتصادية وافتقاده لآليات هذه الحماية. ولم يعد على ساركوزي سوى اتخاذ خطوة مشابهة لخطوة منع الحجاب ليرى ويتأكد من عجزه عن حماية المصالح الفرنسية. فهذه الخطوة القادمة لن تقابل كسابقتها بعد ان تمكن ساركوزي من تشويه صورة فرنسا وجعلها اكثر بشاعة…..
رغم ما تقدم يصر الفرنسيون على قدرتهم باسقاط النظام في سوريا حيث كد وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه الخميس 27/10 أن سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد تحت ضغط الاحتجاجات الداخلية والعقوبات الخارجية أمر “شبه مؤكد”، لكن ذلك سيستغرق وقتا بسبب التعقيدات السياسية داخليا وإقليميا.
وكانت الصين وروسيا قد استخدمتا في وقت سابق حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار بمجلس الأمن يدين العنف الذي تنفذه السلطات السورية ضد المحتجين، وهو ما اعتبره جوبيه “وصمة على جبين مجلس الأمن الدولي الذي لم يقل شيئا تقريبا عن هذا القمع الهمجي”. فيما وسع الاتحاد الأوروبي نطاق عقوباته على نظام الأسد والحكومة السورية بعد أن رفضت الصين وروسيا مشروع القرار الدولي.
في المقابل تتجنب الولايات المتحدة التصعيد مع سوريا ،على عكس فرنسا، حيث سارعت الخارجية الاميركية الى توضيح مسألة استدعاء السفير الاميركي بدمشق مؤكدة انه بهدف التشاور وليس سحباً للسفير. بما يطرح السؤال عما اذا كانت عظمة فرنسا قد تجاوزت العظمة الامبراطورية الاميركية؟!. أم ان الامر لا يتعدى كونه وقاحة ساركوزية!!….

تعقيب :

بعد يومين فقط من نشر هذه الافتتاحية وليلة الثلاثاء الاربعاء 1 و2/11 تم تدمير مقر صحيفة “تشارلي ايبدو” الهزلية الفرنسية، التي تصدر الأربعاء 2/11 عدداً خاصاً تجعل من النبي محمد – عليه الصلاة والسلام – “رئيس تحريره”. الذي صرح بالقول: تلقينا الكثير من رسائل الاحتجاج والتهديد والشتائم على تويتر وفيسبوك” مضيفاً أن “جهاز إخراج الصحيفة احترق، والدخان الأسود يكسو كل شيء، والنظام الكهربائي ذاب”، مؤكدا أن الحريق “مرتبط” مباشرة بعدد الأربعاء.
وبهذه الحادثة يتأكد ما ذهبت اليه الافتتاحية عن تأثير سياسات ساركوزي في رفع مستويات الحساسية العربية والاسلامية ضد رغباته وميوله الاستعمارية…

د. محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

تعليق واحد

  1. تعقيب
    بعد يومين فقط من نشر هذه الافتتاحية وليلة الثلاثاء الاربعاء 1 و2/11 تم تدمير مقر صحيفة “تشارلي ايبدو” الهزلية الفرنسية، التي تصدر الأربعاء 2/11 عدداً خاصاً تجعل من النبي محمد – عليه الصلاة والسلام – “رئيس تحريره”. الذي صرح بالقول: تلقينا الكثير من رسائل الاحتجاج والتهديد والشتائم على تويتر وفيسبوك” مضيفاً أن “جهاز إخراج الصحيفة احترق، والدخان الأسود يكسو كل شيء، والنظام الكهربائي ذاب”، مؤكدا أن الحريق “مرتبط” مباشرة بعدد الأربعاء.
    وبهذه الحادثة يتأكد ما ذهبت اليه الافتتاحية عن تأثير سياسات ساركوزي في رفع مستويات الحساسية العربية والاسلامية ضد رغباته وميوله الاستعمارية…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*