أهم الأخبار
الرئيسية / افتتاحية المركز / الشعوب العربية في مواجهة المجهول

الشعوب العربية في مواجهة المجهول

تتجلى حالة فقدان التوجه لدى الجمهور العربي كما لدى اصحاب القرار العربي المترددين في التعامل مع موجات الربيع العربي المتدفقة. وهي حالة انعكست بالاهتمام الملفت الذي لقيه كتابنا “ثورات ملهوفة – قراءة مستقبلية للتحولات الشعبية العربية”. حيث تناولته بالعرض والنقد اكثر من مئة وسيلة اعلامية موزعة على كافة الدول العربية. اضافة للاهتمام الرسمي بالكتاب.

تتأكد حالة فقدان التوجه من خلال الانطباعات والمناقشات الدائرة حول الكتاب. وبخاصة لجهة الاتفاق مع افكاره في بعض البلدان العربية والاختلاف معها بالنسبة لبلدان اخرى.

بمراجعتنا لكافة التعليقات والانطباعات التي وصلتنا نجد انها تشترك فيما بينها ،على تناقضها لغاية التعارض الكلي، بخطأ التعميم الذي شجعه ايحاء الاعلام الاجنبي باطلاق تسمية موحدة على كافة التحركات الشعبية العربية. ولعله من السذاجة بمكان قبول هذا التعميم الذي يتجاوز الخلافات العربية – العربية المدعومة بمشاركة شعبية. حيث نتوقف عند مثال الحرب الكروية بين الجزائر ومصر مبارك. ففي العام الماضي تحول الخلاف على مباراة كرة قدم بين البلدين الى صدام بين جمهورهما. ومن تابع الاعلام في البلدين وفي مصر خاصة يجد ان الاجهزة الرسمية في البلدين تورطت في هذه الحرب وسخرت لها الاعلام الرسمي. حتى ان جمال حسني مبارك قاد تلك الحرب شخصياً محاطاً بشخصيات ثقافية واعلامية وفنية مصرية. فاذا ما عاود الفريقان لقاءهما في الخرطوم وصل صدام جمهورهما حدود الحرب بالاسلحة البيضاء مع سقوط عشرات الجرحى من الطرفين.

في السياق نذكر حربا كروية اقدم واقل تداولا في اعلام بين قطر والسعودية كما نذكر الغضب الشعبي السعودي لعدم فوز شاعر سعودي في مسابقة شاعر المليون التي يعدها تلفزيون ابو ظبي وغيرها من الصدامات الشبيهة. التي تصل الى قمتها في الانقسام الشعبي اللبناني يومي 8 و14 آذار 2005 مع وضد سوريا.

هذه الاحداث الصدامية الشعبية بين مواطني دول عربية مختلفة وداخلها انما تؤكد عدة مؤشرات غير قابلة للاهمال في نظرتنا للتحركات الشعبية العربية. بل هي تؤكد ان لهمال هذه المؤشرات يقودنا في الاتجاهات الخاطئة بما يؤكد مستوى السم في مصطلح الربيع العربي المنحوت مخابراتياً والموزع عبر الاعلام الاجنبي مع تبنيه كالعادة في الاعلام العربي.

أول المؤشرات واهمها ان الثورات الافتراضية العربية تعكس معاناة قطرية خاصة بالبلد المعني بالثورة. وهي بالتالي لا تعكس رأي الشارع العربي بمعنى كونها ثورات تعكس تطلعات وطموحات الانسان العربي العابرة للقطرية. وهنا مكمن الشرور حيث لا يمكن لاية ثورات من الثورات العربية ادعاء عمومية تمثيلها للشارع العربي. وهي بالتالي تحركات خاصة بكل بلد على حدة بما يجعل من المستحيل ربطها. عداك عن خطيئة الخلط بين هذه الثورات.

ثاني المؤشرات ان الدول العربية المؤتلفة في جامعة الدول العربية خرجت من اطار الشراكة في الجامعة. بل ان هذه المؤسسة العربية الجامعة اعطت الضوء الاخضر لقوات حلف الاطلسي لتكرار تدخلها العسكري في ليبيا ولما تنتهي مأساة التدخل الاطلسي في العراق ولبنان. ما يعادل فقدان الجامعة العربية لدورها العربي الجامع ويعكس واقع تدخل بعض الدول العربية لتغيير المعادلات سلباً أو ايجاباً في دول عربية اخرى.

ثالث المؤشرات واخطرها تدخل بعض الدول العربية لافشال واجهاض الثورتان المصرية والتونسية سواء بالتدخل المباشر او باستخدام الضغوط الاقتصادية على البلدين. في مقابل تجييش الاعلام في هذه الدول ضد الانظمة التي تشهر ممانعتها للمشروع الامريكي في المنطقة.

مآل الشارع العربي وواقعه

هذه المؤشرات تطرح السؤال الكبير حول مآل الشارع العربي وحول استمراريته. فهل لا يزال هذا الشارع راسخاً حاضراً يمثل ضمير الامة العربية؟!. ام هو تحلل على غرار جامعة الدول العربية؟. ام انه تفكك وانقسم بناء على الخلافات بين الاقطار العربية المختلفة؟…

تشير هيمنة التوجهات القطرية في شوارع الدول العربية الى حالة من الاحباط العربي تتمثل بمشاعر فقدان القدرة على الفعل والتغيير. وهي مشاعر ساهم فساد الانظمة في مراكمتها بما يفسر لا مبالاة الشارع العربي تجاه صراع هذه الانظمة مع شعوبها. وذلك وصولا الى رغبة ضمنية بامتداد هذا النوع من الصراع الى كافة الانظمة التي تتجاهل هذا الشارع وتطلعاته وتنظر اليها بازدراء بات يتضح ويتكشف بصورة صريحة بعد احتلال العراق.

الا ان هذه اللامبالاة الظاهرة للشارع العربي لم تصل بعد الى مرحلة الانسحاب اذ اطلت ضمنياته ومواقفه من خلف الثورة المصرية حيث تتراكم المطالبات بالغاء اتفاقية كامب دايفيد وطرد السفير الاسرائيلي في القاهرة اضافة لوقف ضخ الغاز الى اسرائيل وغيرها من التطلعات التي تؤكد ان المشاعر القومية المكبوتة قد تفجرت وان اي رئيس مصري قادم لن يستطيع تجاهل هذه المطالب رغم المحاولات الجادة لتهميشها والتشكيك بدوافعها.

مواجهة المجهول

امام هذه الوقائع تجد الشعوب العربية نفسها في مواجهة المجهول حيث تتنازعها المخاوف على مستقبل بلادها والمنطقة عموماً التي تحيق بها اخطار دموية بدءاً من الخطر العسكري للاطماع الغربية مروراً باعتماد واشنطن سياسة الارض المحروقة عقب بدء انسحابها من العراق وصولا الى تدخلها في تفجير الاحقاد الداخلية من عرقية وطائفية ومذهبية تهدد دول المنطقة بسلسلة من الصراعات الاهلية. كما تواجه هذه الشعوب أعباء ضمان حاجاتها الاساسية وأمنها الداخلي والحياتي في ظل انشغال الانظمة بالتموقع والتكيف مع المتغيرات الجيو استراتيجية التي ستفرض نفسها نتيجة اقلاب المعادلات الاستراتيجية في المنطقة. وهو اقلاب ينتظر تمام صفقات قد تكون كارثية بالنسبة للعرب شعوباً ودولاً. حيث البروز التركي المفاجيء في هذه المعادلات يقابل الاصرار الايراني على دور اقليمي والتهديدات الاسرائيلية بقلب الطاولة على اية معادلة جديدة تتجاهل دور اسرائيل الاقليمي وامتداداته داخل بعض الدول العربية.

هذه الضبابية المحيطة بمستقبل المنطقة بشعوبها ودولها تضاف الى تهديدات الصراعات الاهلية واحتمالات تغيير الانظمة بقوة التدخل الاطلسي او بنعومة الفوضى البناءة او عبر بعض جماعات الضغط العربية الاميركية التصنيع. حيث تمكن بعضها من الوصول الى الحكم او التأثير بقراراته وفق توجيهات السفارات الامريكية وزيارات المسؤولين الامريكيين لتلك السفارات.

الثـوابت القومية

لعل اول شروط استعادة القدرة على التوجه هو العودة لاستذكار الثوابت القومية العربية الجامعة. حيث ادت محاولات زعزعتها والتشكيك بها لانحرافها عن مساراتها الاصلية لصالح ثقافة الاستهلاك التي تزداد انتشارا بين شرائح واسعة من الجمهور العربي. حيث كانت البداية مع الانفتاح الساداتي الذي وعد المصريين بتحقيق احلام الرخاء والثراء ليحول مصر الى دولة مدينة ومن ثم الى متلقية للمساعدات مرتبطة بشروطها السياسية. وتكرر المشروع الساداتي بنسخ مختلفة في عدة دول عربية لتخلص كل نسخه بتحويل البلاد الموعودة الى المديونية الضخمة والى التبعية الاقتصادية مرفقة بداء الاستهلاك.

هنا تنشطر احلام الجماهير الى حالمة بمستقبل افضل مع تحسين شروطه وازالة معوقاته وبين راغبة باستهلاك اوسع. هو الانشطار بين رؤية مستقبلية جامعة ومسؤولة وبين رؤية باحثة عن سيارة افضل او شروط سكن افضل او قدرة استهلاك اعلى.

وفي اعتقادنا ان العودة للثوابت القومية من شانه ان يعيد التوازن والتوجه لرؤية القطاعات الجماهيرية والثقافية العربية. كما من شانه الغاء حالة الشك والريبة التي خلفهما مصطلح الربيع العربي الذي دعانا لمحاكمة الثورة المصرية والتونسية وفق قوانين التحرك القبلي اليمني او غيره من التحركات المختلفة كل الاختلاف عن ظروف وشروط الثورتين.

اسرائيل العـدوة العنصرية

ثوابتنا القومية تذكرنا بان اسرائيل هي العدو الذي يكرس عدوانيته ضد العرب كافة وهو الذي يمارس العنصرية والتمييز ضدهم. كما انه يحتل اراضيهم ويرتكب المجازر بحقهم. بما يذكر بوجود العدو الاسرائيلي ويشل محاولات تمويهه بالاعداء البدلاء. حيث نتفهم المواقف الخليجية من قساوة السلوك السياسية الايراني ونستوعب مستوى خبث التسرب التركي نحو المنطقة العربية. كما ندرك خطورة مثلث القوة الاقليمي الذي تمثله هذه البلدان الثلاث. لكن اسرائيل وحدها التي تمارس الاحتلال والعدوان وتتطلع لتدمير اية طموحات عربية على كل المستويات. والفارق الاهم بين اسرائيل وكل من ايران وتركيا هو طبيعة الوجود التاريخي للبلدين الاخيرين مع ما يستتبعه ذلك من شراكة حضارية وحتى من احقاد تاريخية وخلافات واختلافات قابلة للكمون على مدى عقود وقرون فيما العداء الاسرائيلي يرفض كل انواع الكمون.

الانحياز الامريكي لاسرائيل

في سياق تهديدات بوش عقب احتلال العراق طرحت مشاريع منها تقسيم السعودية الى دولة نفط ودولة حج. كما طرحت مشاريع تقسيمية اخرى تنسجم مع مخططات اسرائيلية سابقة. بل ان هذه المشاريع تجد استمراريتها في محاولات امريكية – اسرائيلية لم توقفها العثرة الامريكية في العراق. وعليه لا بد من استذكار ان اسرائيل هي الولاية الامريكية الثانية والخمسون وان اكثر الدول العربية التصاقاً بامريكا تبقى عرضة للمصالح والاهواء الاسرائيلية في التأثير على المواقف الامريكية. وهو ما ترجمته السياسة الامريكية تكراراً بما يوازي الاعلان عن استحالة حصول اي  دولة عربية على الصداقة الامريكية.

ولعلنا لم نطلب الكثير بطلب استذكار هاتين الثابتتين اللتان لم تعودا كذلك لدى قطاع الباحثين عن الاستهلاك الغارقين في احلام الرخاء والواقعين اسرى التمويل الامريكي وضحية السفاحين الاقتصاديين.

د محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*