Today is 2014.08.30
    «داعش» تعيد تجميع المتخاصمين لمواجهة شاملة وعبداللهيان يزور دمشق سراً بعد الرياض      الدولة تتخلّى عن عرسال والرهائن      لبنان: «داعش» تهدّد بقتل الأسرى      اليمن: مجلس الأمن يهدّد الحوثيين بـ«تدابير عقابية»      العراق: توافق على حسم الملف الحكومي      هجوم كبير للجيش في جوبر و«النصرة» تخطف مراقبي «الاندوف»والغرب يجتمع نظريا ضد داعش      مخاوف في الداخل الأميركي من خطر داعش على أميركا      صحف تركية: لماذا فشل أردوغان في سياسته الشرق أوسط      قطر وتركيا تفاوضان «داعش» لحل أزمة العسكريين المختطفين ومسعى غربي للرئاسة      التفاهم الإيراني ـ الأميركي يتوسع ليشمل سوريا      واشنطن تحشد حلفاءها لضرب «داعش» في سوريا      هدية إسرائيل لـ«الثوار»: معبر القنيطرة في يد «النصرة»      أوباما يسمح لطائرات المراقبة بالتحليق فوق سوريا ويرفض التنسيق معها لمحاربة “داعش”      العاصفة الإقليمية المرتقبة      سر استعانة السعودية بالكومندوز المغربي !      «داعش» تهدّد بذبح العسكريين اللبنانيين المخطوفين      غزة تنتصر بدمائهاوإسرائيل تغرق في الانقسام: وقف لإطلاق النار على مرحلتين      الأزمة اليمنية تدخل مرحلة الشروط المتبادلة      القوات العراقية تلحق خسائر بالإرهابيين في صلاح الدين وإيران تقدم أسلحة للبيشمركة      السعودية سلوى عبد الله الهزاع      دمشق من موقع الشريك: سوريا مركز مكافحة «داعش»      هولندا تقرر سحب الباتريوت من تركيا      مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية تتعثر: العبادي يرفض أسلوب ليّ الذراع      ماذا يجري في ليبيا؟      المعلم: سوريا مستعدة للتعاون إقليمياً ودولياً لمكافحة الإرهاب      رئيس الأركان العامة للجيش الليبي يعلن «الحرب على الإرهاب»      التنظيمات الجهادية: تعددت الأسماء والإرهاب واحد      حوادث فيرغسون العنصرية      لماذا التوافق على ازاحة المالكي      البنتاغون يقع ضحية أخطائه     

شكل إحتلال العراق حدثاً مفصلياً في تاريخ المنطقة. فالشرق الأوسط لم يعد بإمكانه إستعادة معادلة توازنه السابقة للحرب. فهذه المعادلة كانت تستند الى ملحقات معاهدة فرساي التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. والتي أجرت قائمة من الجراحات الجغرافية الوحشية. ونقول وحشية لأن تقسيمات تلك المعاهدة تسببت في سلسلة طويلة من الحروب بدأت بالحرب العالمية الثانية ( جاءت محاولة إنتقام ألمانية على ظلم فرساي) ولم تنتهي حتى الآن. بل أن هذه التقسيمات تعد بجملة حروب أوروبية وشرق أوسطية جديدة.
العراق بجغرافيته المعروفة قبل الإحتلال هو جزء من معادلة فرساي وهي نسفت بمجرد إعلان إحتلال العراق. فإعادة النظر في حدود أية دولة في المنطقة تعني إغراقها في فوضى جيو سياسية عارمة. وهذا ما حدث تحديداً بسبب إحتلال العراق. إلا أن مقارنة الشرق الأوسط بأوروبا الشيوعية إفتقدت للحنكة وللمعرفة الكافية بأنثروبولوجية المنطقة. بل ربما جاءت هذه المقارنة بناء على تصميم أميركي مبيت بتجاهل الانثروبولوجيا. فهذا العلم وإن ترعرع في أميركا إلا أنه أصبح يشكل عبئاً على السياسة الأميركية. فالانثروبولوجيا تمنع تذويب الجماعات وصهرها في بوتقة العالم الأميركي الشمولي. بهذا العلم إصطدم فوكوياما في تصوره لنهاية التاريخ. فوجد أن الرغبة بالإعتراف تحرك الحروب وتكمل التاريخ لتحول دون نهايته. من هنا كان تصور فوكوياما لعالم جديد قادم يمكن للهندسة الوراثية فيه أن تذوب كل الفروق الإنسانية وتقضي على التعددية فيه. وعندها فقط يمكن الحديث عن نهاية التاريخ.
وهكذا فإننا نشك في كون الأخطاء الأميركية في منطقتنا ناجمة عن جهل بثقافتنا وثقافة هذه المنطقة. إذ يبدو أن هنالك تجاهل وليس جهلاً. والتجاهل لا يهدف فقط للإلتفاف على معطيات الواقع بل الى الخلاص من انثروبولوجية المنطقة وتطويعها لإعتناق ديانة السوق الأميركية. خاصة وأن المنطقة نفطية وهدايتها للديانة الأميركية الجديدة ضرورية.
فهل يمكن تجاهل الانثروبولوجيا وإعتبار السقوط العراقي مقدمة لتهاوي دول الشرق الأوسط على النمط الشرق اوروبي؟. أم أن هنالك عوامل حضارية وإنسانية عصية على التجاهل تمنع مثل هذه المقارنة؟.
حيث يمثل العراق ، وبغض النظر عن النظام القائم فيه منذ إستقلاله وحتى ما بعد الحرب، دولة مركزية في النسيج الحضاري للمنطقة. وهو نسيج جامع بين اللغة والدين المدعومين بالعتبات المقدسة في العراق. لذلك يمكن القول بخطأ إعتبار الزلزال العراقي زلزالاً تابعاً لزلزال أوروبا الشيوعية. ولتأكيد التباين بين الحالتين لا بد من تحديد التشخيص التفريقي بينهما. وعناصر هذا التشخيص الفوارق التالية:
1. عجز الولايات المتحدة عن حشد تأييد كاف لثورة داخلية ما على النظام العراقي. كما حدث في دول اوروبا الشرقية. علماً بأن تاريخ العراق زاخر بالثورات وبأن النظام إرتكب خطيئة مراكمة عداواته الداخلية والإقليمية. لذلك فإن حرب العراق لم يكن لها مفعول الدومينو في احداث ثورات سياسية فعلية في المنطقة. لأنها إفتقدت للدينامية الكافية لإسقاط شرعية النظام.
2. إضطرار الولايات المتحدة لإعلان العراق دولة محتلة عقب فشلها في تخليق قرضاي عراقي. وهذا الإعلان كان كافياً للقضاء على أي أمل بحدوث ثورات سياسية في المنطقة. لأن أي تحرك في هذا الإتجاه أصبح يعتبر دعوة لإحتلال أميركي جديد. الأمر الذي يحرم معارضات المنطقة من أي تعاطف شعبي بسبب شبح إحتلال العراق ومعاناته من هذا الإحتلال.
3. تتأكد النقطة السابقة بظهور المقاومة العراقية للإحتلال ومن خلال مشاركة مقاتلين من مختلف البلدان العربية القريبة والبعيدة. مما يعكس إستحالة قبول هؤلاء باي نوع من الوجود الأميركي في بلدانهم. وضمناً إستعدادهم لقتال الأميركيين في تلك البلدان.
4. ما لا يمكن تجاهله هو أن حرب العراق قد أحدثت إنقلاباً جيو – سياسياً في الشرق الاوسط. فقد تم إحتلال دولة عربية من قبل قوة خارجية وذلك للمرة الاولى منذ نيل دول المنطقة استقلالها. لكن دول المنطقة لم تتساقط كالدومينو الشرق اوروبي وهي واقعة واجبة الملاحظة أيضاً.
5. إن إكمال الإنقلاب الجيوسياسي الأميركي الباديء في العراق يحتاج الى تدخل أميركي مباشر. وهذا التدخل غير متاح عسكرياً ومؤخر الى ما بعد الانتخابات الأميركية مخابراتياً. فالمخابرات الأميركية تحتاج الى صك غفران من فترة 11 سبتمير وما بعدها كي يمكنها التحرك بصورة فاعلة في المنطقة. عداك عن حاجات الإصلاح في الجهاز وتمويله.
6. لم يكن لدول الجوار العراقي دور يذكر في الحرب على العراق. أو أن دورها أعيق بتهديدات اميركية موزعة بالتناوب على هذه الدول. وذلك بحيث يفسر الأميركيون أي تحرك من قبل هذه الدول على انه عائق امام التقدم السريع لخطط الحرب الاميركية.
7. لقد إستتبع إحتلال العراق مشاركة مقاومين عرب لتحريره. وهذه المشاركة توضح فارقاً أساسياً بين منطقتنا وشرق وبما ان الوضع الجيو – سياسي وقواعد اللعبة قد تغيرت بشكل عام فإن على الابحاث الاكاديمية السياسية ان تغير هي ايضاً مقارباتها ومواضيعها. فماذا عن منهجية المقاربات الجديدة للأوضاع في المنطقة ؟.
بداية فان الولايات المتحدة أعلنت أنها لن تغادر العراق في وقت قريب بغض النظر عن حجم المعارضة لوجودها العسكري فيه. فاذا ما إضطر الأميركيون للمغادرة لسبب أو لآخر (والأسباب كثيرة وغامضة بغموض تراث المنطقة) فإن علينا توقع هزات كبيرة في المنطقة.حيث سيسود مبدأ “الحماية الذاتية” بين دول المنطقة وجماعاتها بحيث ينخرط في هذه السياسة الحمائية كافة الأفرقاء. وهذه السياسة يمكنها تفجير مفاجآت غير متصورة في الرؤية الجيوسياسية الراهنة. وتبدأ المفاجآت بالاكراد مطالبين بدولة مستقلة جغرافياً عن الأرض العراقية وطامعة بأراض من الجوار العراقي. مع محاولة ايرانية لملء الفراغ الإستراتيجي الناجم عن الانسحاب الاميركي في مقابل تحرك تركي معاكس. ومحاولة اسرائيلية للتكيف مع الوضع المستجد بتقديم تنازلات في الأراضي المحتلة كي تتفرغ للتحرك في المنطقة عندما يستدعي الأمر ذلك لتنفيذ تعليمات اميركية محددة وقس عليه.
أاما في حال نجاح الأميركيين بالبقاء في المنطقة فعلينا ان نتساءل عن العواقب القصيرة والمتوسطة الامد لهذا الوجود الاميركي. الذي يجعل من القوة العسكرية الاميركية الاقوى في المنطقة ليس جواً وحسب وانما على الارض ايضاً. وبالتالي تصبح حسابات الموازين العسكرية التقليدية في الشرق الاوسط (كالحسابات التفصيلية الصغيرة مثل تخيل الايرانيين في مواجهة المقاتلات السعودية, او السوريين في مواجهة الدبابات الاسرائيلية), مجرد حسابات تخطاها الزمن.أقله لجهة كونها عوامل مفسرة للعواقب السياسية. وقد يتحول إهتمام الأفرقاء الاقليميين بإتجاه الانخراط في اللعبة السياسية ، التي يقودها المايسترو الأميركي, اكثر بكثير من إهتمامهم في تدعيم ترسانتهم العسكرية. وذلك بحيث يتوقف سباق التسلح في المنطقة ليستبدل بسباق دبلوماسي من أجل الحصول على مكان ودور في اللعبة السياسية الاميركية في المنطقة. وهكذا فإنه ولفهم الحقائق الجيوسياسية وتحدياتها في الشرق الاوسط ، بعد الحرب على العراق , لا بد للابحاث الاكاديمية السياسية من ان تنظر في امور ثلاثة هي:
1. السياسات القوية اقليمياً.
2. المؤسسات الاقليمية.
3. القوى الخارجية والانماط الاقليمية.
في ما يلي سنحاول ان استعراض كل نقطة على حدة وتحديد ما يبدو منها إشكالياً بحيث لا يمكن التغاضي عنه.


في ظل غيـاب قــوة إقليمية:

بالنظر إلى التقسيم الهيكلي للسلطة في النظام الاقليمي, فإن سيطرة أميركا على المنطقة ستؤدي في المستقبل المنظور الى منع ظهور أو بقاء اي طرف مهيمن اقليمياً او مناطقياً. فالدول القوية المحتملة ستفكر في الإنخراط في وضعية الوجود الاميركي بدلاً منأدائها دور شرطي واشنطن في المنطقة. اما الدول الاصغر والاضعف فهي سوف تستغل الفرصة للتعامل مع الولايات المتحدة مباشرة. وربما على قدم المساواة مع القوى الوسطى في المنطقة. ففي العقود الماضية, كانت الدول الاصغر تفكر ملياً في رغبات القوى الاقليمية واعتباراتها قبل اتخاذ اية خطوة مهمة في السياسة المحلية او الخارجية.
مثال ذلك المقدمات التي تتمثل بخطوات مثل اعلان حاكم البحرين نفسه ملكاً, او اتخاذ سلطان عمان قراراً باقامة انتخابات عامة, او انشاء دبي منطقة “اعلام حرة” حيث يمكن للمستثمرين أياً كانوا ان يتمتعوا بالحرية الاعلامية..الخ. فكل هذه الخطوات ما كانت لتتحقق لو أُخذت في الاعتبار الحساسيات الاقليمية مجتمعة. إذ أن هذه الدول الصغيرة باتت تنظر الى رد فعل واشنطن وليس الى اي عاصمة اقليمية قبل الاقدام على اي خطوة. وهذا يبرر إهتمام القيادات الاقليمية بأن تراقب عن كثب تطورات السياسية الداخلية للدول المجاورة.
والامر سيان بالنسبة الى مصر التي يبدو دورها يتضاءل اكثر فأكثر. فالقاهرة لن تضطلع بأي دور ريادي في امور الخليج الامنية مثلاً. وهي تفضل عوضاً عن ذلك ان تكون مفيدة في جوارها القريب. أن اي ان تكون وسيطاً بين الاسرائيليين والفلسطينيين او حتى بين الفصائل الفلسطينية المختلفة. كما يمكن لمصر أن تلعب دوراً رئيساً في المغرب العربي عبر ما يسمى بالشرق الأوسط العظيم. اما عن التأثير السوري في المنطقة ،وفي لبنان تحديداً، فهو تعرض لتحديات تشبه تحديات البحرين والإمارات وقطر للسعودية. مثال ذلك تنامي الدعوة للخروج السوري من لبنان. وتشجيع الولايات المتحدة لتلك الدعوة عبر قانون مراجعة سوريا (وليس محاسبتها) وعبر قائمة من السياسيين اللبنانيين المرتبطين بالسياسة الاميركية او المراهنين عليها. وهؤلاء يعتبرون أن السيطرة السورية على لبنان, مسألة وقت لا اكثر, وذلك بسبب الضغوط الاميركية والفرنسية من جهة, ولإعتبارهم أن الاسباب التي تضفي شرعية للوجود السوري في لبنان كالحرب الاهلية والمواجهة مع اسرائيل, لم تعد مقبولة محلياً ودولياً. لكن هؤلاء يهملون خلفية المشهد السياسي الأميركي. ومن مناظره رفض وزير الخارجية باول استقبال ميشال عون رغم الحاحه. وأيضاً إدلاء عون بشهادته في غرفة خلفية في الكونغرس بما ينتقص من اهمية شهادته. فالولايات المتحدة تريد مساومة سوريا على الورقة اللبنانية لكنها لاتريد اسقاط هذه الورقة التي قد تضطر اميركا للعبها في حال خروجها من المنطقة.
واذا إستمر غياب عنصر الهيمنة الاقليمية والمحلية, سيتوجب على الباحث الاكاديمي السياسي ان يسأل عن نتائج التعاون الاقليمي في ظل التبعات السلبية التي يتركها السعي الى الهمينة على التعاون السياسي والاقتصادي في المنطقة. وهذا السعي ليس المسؤول الوحيد عن فشل محاولات عدة لمأسسة العلاقات العربية وتأطير التعاون الاقتصادي, لكنه من دون شك عنصر مهم جداً في هذا الفشل.


توجّهـات مؤسساتيــة جديــدة

في ظل السعي للهيمنة الإقليمية بدت جامعة الدول العربية غير معنّية بالاحداث الجارية, وعلى رغم ذلك, بقيت على قيد الحياة. ثم أتت الحرب على العراق ، والفترة اللاحقة للحرب , لتقلّصا أكثر فأكثر شرعية الجامعة والاهمية التي توليها لها الدول الاعضاء. حتى باتت إستمراريتها جزءاً من الفولكلور السياسي العربي. وكان من الطبيعي أن يعزز عجز الجامعة توقعات ظهور مؤسسات اقليمية جديدة. بحيث يتجلّى لنا جيداً انبعاث منظمات اقليمية جديدة أو منظمات فرعية ينحصر هدفها في المصلحة المشتركة العملانية بدلاً من القومية وتضع نصب عينيها أهدافاً تقتصر على المكان والفعالية والوقت بدلاً من “المهمة الابدية العقائدية ” التي أصبحت جالبة للتهم وللسخرية الأميركية. لكنها كسبت مواقع جديدة تتعزز بتنامي العداء الاميركي للمنطقة وردود فعلها على هذا العداء.
هذا ويمثل جيران العراق مثالاً على ذلك, فقد قام ممثلوهم الذين يضمون الدول العربية وغير العربية (ايران وتركيا) المحاذية للعراق, اضافة الى مصر, بالجلوس الى الطاولة مرات عدة ناشدين هدفاً محدوداً لكن محسوساً. وهو التباحث في مسألة تنسيق السياسات في ما يتعلق بالحرب الدائرة في العراق أولاً. ولاحقاً بنتائجها الاقليمية ووضع العراق الجديد في ظل الاحتلال الاميركي. وهنا يظهر سؤال واحد ينبغي عرضه على بساط البحث, وهو احتمال أن يتطوّر تجمع مماثل ليصبح نواة بنية فرعية أكثر استمرارية تابعة لمنظمة اقليمية للامن والتعاون على غرار لجنة الامن والتعاون في اوروبا/ ومنظمة الامن والتعاون الاوروبية مع احتمال مشاركة الفاعلين الدوليين الذين يشكلون رباعية الشرق الاوسط ( الولايات المتحدة, الاتحاد الاوروبي, روسيا, الامم المتحدة).
كما أنه من المرجّح أن تطرأ تغيرات ايضاً تمسّ مجلس التعاون الخليجي, فاليمن والعراق يدقّان ابوابه, بل أهم من ذلك أنّه ينبغي اعادة النظر في هذه المنظمة التي هدفت اساساً الى تعزيز النظام الملكي الخليجي ضد التهديدات التي تشكلها ايران والعراق. والتي فقدت مبرر وجودها بعد احتلال العراق واحتواء ايران بتواجد اميركي على حدودها. كما أنّ تجمّعاً فرعياً توحّده المصالح المشتركة قد يتشكّل من تلك الدول العربية التي تتشارك مصالح رئيسة في الصراع العربي – الاسرائيلي وهذا مثال آخر. حالياً, تتشكّل نواتان لمثل هذا التجمع هما:
أولاً: ما يسمّى باللجنة التابعة لجامعة الدول العربية (التي تتألف بشكل رئيسي من مصر والمغرب والسعودية وسورية) التي أبصرت النور لمتابعة تطبيق خطة السلام العربية التي تم اعتمادها في القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002. والتي يمكن تطويرها للسعي من أجل تحديث هيكلية الجامعة وتطويرها.
ثانياً: مجموعة الدول التي اختارتها الولايات المتحدة (مصر, الاردن, المغرب, السعودية, البحرين, السلطة الفلسطينية) وقد اجتمع ممثلوها بالرئيس الاميركي جورج بوش في قمة شرم الشيخ التي عقدت في حزيران (يوينو) 2003.
هذا ولا يعتقد أن تفضيَ حداثة اطر العمل هذه الى شيء افضل مّما يوجد أصلاً. وفي الواقع, ينبغي أن يركّز البحث في توجيه السياسة الى الفرص والعوائق التي تقف امام هذه التجمعات وتحول دون تطوّرها الى عناصر راسخة لهيكليةأمنية اقليمية وأداة تسهم في الوقاية من الازمات وحلّها, والى صلة وصل بين القوى العالمية المحرّكة كما الى تطوير المؤسسات الاقليمية. وهنا يأتي تدخل القوى الخارجية لإبقاء كل مشاريع منظمات التعاون الإقليمي تحت السيطرة الخارجية والأميركية تحديداً.


القوى الخارجيـــة والهندســـات الاقليميــــة

على صعيد النقاش حول السياسة الدولية في اعقاب الحرب على العراق, بات هناك حديث واسع حول “اعادة صنع” و”اعادة تشكيل” و”اعادة تنظيم” الشرق الاوسط”. هذه هي الحال على رغم مصاعب الولايات المتحدة وحلفائها في العراق. و هذا النقاش يشمل المطالبة بدمقرطة “الشرق الاوسط الكبير” وهو ضمن اجندتي دوائر المحافظين الجدد والليبراليين الاميركيين, ويراها الفريق الاول أميركية فيما يعتبرها الثاني أطلسية.
على الاكاديميين ان يسألوا على الأقل, كيف يصل مثل هذا النمط الى المنطقة؟. اي ما هي الاشارات التي يتلقاها اللاعبون الاجتماعيون في المنطقة من خلال هذا النقاش؟ وما هي ردود الفعل التي ينتجها (النقاش) في المجتمعات الشرق اوسطية؟.
وعلى رغم هذا يبدو ان هناك مفارقة مهمة بين الاصرار على هذا النقاش والحاجة الى “فرض النظام” في المنطقة, والنقص في الافكار حول الادوات المناسبة او الاساليب (المقاربات) الجديدة والعملية من اجل المضي قدماً في تنفيذ مثل هذه الاهداف.
وتبدو المادة السهلة في استراتيجية الادارة الاميركية في الشرق الاوسط متمثلة ، لغاية الآن ، بمجموعة مبادرات خلبية هوامية كمثل ما يسمى بمبادرة الشراكة في الشرق الاوسط. التي أعلنها باول وخصص لها مبلغاً كوميدياً هو 29 مليون دولار. والتي تبدو وكأنها نسخة من مشروع برشلونة بقيادة الاتحاد الاوروبي او الشراكة الاوروبية – الشرق اوسطية, ولكن مع امتداد جغرافي اوسع وموارد مالية أقل. ولقد تكرست هذه السعة الجغرافية بإعلان بوش عن مشروع ” الشرق الأوسط العظيم ” الممتد من المغرب وحتى باكستان بعضوية إسرائيلية ناجزة.
هذا ويشير الإستقراء التاريخي الى ان اللاعبين الاقليميين سيبقون جاهزين لتهميش مشاريع وتصاميم كبيرة يخطط لها لاعبون خارج المنطقة.
ويعود السبب في ذلك الى ان اللاعبين الاقليميين, بغض النظر عن ميولهم في السياسة الخارجية او اعتمادهم على قوى خارجية, يمنحون مصالحهم اهمية اكبر من مسائل النظام العالمي الذي يتجاهل تقليدياً هذه المصالح. خاصة وأن اللاعبين الإقليميين مجهزون ايضاً لتحمّل خسائر اكبر من اللاعبين الخارجيين من اجل الدفاع عن مصالحهم المركزة اقليمياً.
ووفقاً للمنطق ذاته, قد تعطي التطورات في مرحلة ما بعد الحرب في العراق دليلاً جديداً الى ما شدد عليه ليونارد بايندر في مقال نشر قبل 45 عاماً, وهو ان القوة المفروضة على منطقة من الخارج سـوف “تُحطم” من جانب ديناميكية النظام شبه الاقليمي.
وفي عبارات اخرى, لا يُمكن تأكيد السيطرة في النظام العالمي عندما يتعلق الامر بمسألة النظام الاقليمي. وحتى القوة العسكرية المتفوقة, كما هي الحال في العراق, قد لا تترجم الى قوة في منطق ويبيري (ماكس ويبير), اي الى القدرة على حمل الارادة على التفوق حتى على المقاومة. ولقد درس الكثير من الباحثين ،بالنسبة الى الشرق الاوسط، الكيفية التي يهزم فيها لاعبون اقليميون تصاميم قوى خارجية داخل نظامهم الخاص.
ولقد فسر باحثون اكاديميون مثل ل. كارل براون وغيره ،اثناء الحرب الباردة، هذه الظاهرة بالاعتماد على قدرة اللاعبين الاقليميين على ابعاد القوى الخارجية عبر زجها في صراعات مع بعضها بعضاً وسحبها نحو صراعات اقليمية مخالفة لمصالحها. وفيما الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة لن يمنحا اللاعبين الاقليميين فرصاً عدة لابعادهما. فهؤلاء سيحاولون على الارجح جر أي من هذين اللاعبين الى الاصطفاف الى جانبهم في صراعات اقليمية او محلية في مواجهة قوى اخرى (روسيا واليابان او قوى في العالم الثالث مثل الصين والهند). وقد تتوافر مثل هذه الفرص في اطار ما يسمى بالحرب العالمية على الارهاب. وبذلك يمكن للحرب على الإرهاب ان تتحول الى فخ غير محسوب للولايات المتحدة. التي إخترعت هذه الحرب بهدف التوظيف الاستراتيجي لتغطية طموحاتها الاستراتيجية وتوريتها خلف ستار الدفاع عن الأمت الأميركي وعن امن العالم ضد الإرهاب.
وعدا عن درس الآلية التي ستُقاوم بموجبها او تُهمش, محلياً واقليمياً, التصاميم الدولية للشرق الاوسط, فإن على الابحاث السياسية الأميركية ان تركزعلى فرص ووسائل تدخلات بناءة لقوى العالم الثالث, سواء كان ذلك في الصراع العربي – الاسرائيلي أم في صراعات داخلية مثل تلك في السودان والجزائر, او على صعيد اقليمي في مسائل الحد من التسلح والانظمة الامنية. ولن يركز مثل هذا البحث في التعاون فقط, ولكن سيتم باسلوب متعاون ليشمل باحثين شرق اوسطيين واوروبيين واميركيين. وستشمل الاهلية المكتسبة باتباع هذا الاسلوب الجانب العلمي الى جانب السياسات. إلا أن تجربة تقارير التنمية البشرية لا تبشر بنجاح مثل هذا التعاون الأكاديمي المختلط ( يسميه الأميركيون عادة بدبلوماسية الأبواب الخلفية). فصحيح أن هذه التقارير أعطت النموذج للمشاريع الخارجية للمنطقة ( العظيم الأميركي والإصلاح الأوروبي ) إلا أنها لم تثبت فعاليتها. فالمقاومة العراقية مثالاً تتدعم بمقاومة عربية لتبين أن عوامل مياه الشرب والانترنت وحتى الحريات الاعلامية والشخصية ليست موضع أولوية لدى شعوب المنطقة. فهذه الشعوب تقدم كرامتها القومية وعوامل الإعتراف الهيغلي على كل نصائح تقارير التنمية البشرية. وهذا ينفي صلاحية هذه التقارير للاعتماد كنواة لإطلاق مشاريع مقبولة من شعوب المنطقة. وهي تثبت بأشكال عديدة رفضها إستبدال الإعتراف بسعادة مياه الشرب. خاصة وأنها تدرك أنها ليست فقيرة بل هي تعرضت على مدى عقود لسياسة إفقار منظمة. وبالتالي فإن الحل لا يكون بتبرعات أميركية وإنما باطلاق حرية استثمار ثروات المنطقة بدون تقنين الإفقار الأميركي. وهذه عوامل واجبة التركيز الإعلامي عليها. في مواجهة افستعراضات الإعلامية للتبرعات الأميركية الواردة الى المنطقة ببخل شديد تحت شعارات المؤسسات الأميركية للتنمية. وهي مجرد فروع مخابراتية.


السيكولوجيــا السياسيـــة لثورة جيوسياسيـــة

وأخيراً, سيكون على البحث السياسي في شؤون المنطقة ان ينظر في الروابط بين التغيير الجيوسياسي والديناميكية الاجتماعية, وخصوصاً يجب درس وتمحيص التأثيرات النفسية والسياسية للحرب على العراق.
وعلى صعيد عالمي, يمكن مقارنة سقوط النظام السابق في بغداد بانهيار جدار برلين وذلك فقط لجهة الفوضى الجيو سياسية المتخلفة عن الحدثين. لكن هذه المقارنة تسقط على الصعد الأخرى حيث توجد فوارق بنيوية بين الحالتين يمكن إيجازها باللغة المفهومة من الغرب بالعوامل التالية:
1. بين الثـورة والإحتــلال: يكمن أحد الفوارق الرئيسية بين الحالتين في ان جدار برلين والانظمة الشيوعية في وسط اوروبا وشرقها اسقطها الناس في تلك البلاد عبر ما يمكن تسميتها بثورة شعبية مصطنعة أميركياً. في حين تخلص جيش اجنبي (قوات التحالف) من تماثيل صدام حسين ونظامه.
2. التجانـس الانثـروبولوجي: لايمكن بحال إهمال تحرك المقاتلين العرب للموت دفاعاً عن العراق والمشاركة في المقاومة العراقية في للإحتلال الأميركي لأرضه. وهو تحرك لا رديف له في حالة اوروبا الشرقية لإختلاف الأعراق واللغات والثقافات بين دول اوروبا الشرقية.
3. الإمتداد الثقــافي: وأول وجوهه العتبات المقدسة لدى المسلمين ،الشيعة خاصة، وإنتماء النظام السابق لايديولوجية يسارية قومية. إضافة للشراكة الثقافية والحضارية التاريخية بين العراق وجواره.
4. عامل التفجـير العــراقي: تعود تقسيمات المنطقة الجغرافية الى معاهدة فرساي وملحقاتها. وتفجير التناقضات العراقية يستتبع تفجير التناقضات في دول الجوار. ولعل الموضوع الكردي أبرز هذه التناقضات. حيث وعد قيام الدولة الكردية يتردد من أيام بلفور عام 1917 لغاية بوش 2003 دون قابلية للتنفيذ. بسبب مساسه بمصالح دول المنطقة مجتمعة. وإهمال بوش لهذا العامل أفقده الصداقة المزمنة للجنرالات الأتراك الذين عارضوا الحرب العراقية ولا يزالون يعارضون عقابيلها.
ولم يتضح الى الآن ماذا ستعني هذه الفروقات بالنسبة الى الثقافة السياسية والنفسية في العراق خصوصاً والدول العربية عموماً. ولكن, من الواضح ان تأثيره سيكون عميقاً وصاعق المفاجأة. حيث تخيل سقوط المهمة الأبدية العقائدية مع سقوط النظام هي فرضية أثبت النموذج العراقي خطأها. حيث لوحظ تنامي المقاومة العراقية وتصاعدها بعد اعتقال صدام وليس العكس. ويمكن القول بأن فئات عراقية عديدة تحفظت على المشاركة في المقاومة بوجود صدام وزال تحفظها بعده. وبذلك بدأ الاميركيون يدركون بأن الأنظمة العربية الراهنة هي أقل تشدداً بما لا يقاس من الأنظمة البديلة المحتملة. وهو إدراك يزداد وطأة مع الفشل في إيجاد قرضاي عراقي أو عربي عموماً.


الصـقور في الـورطــة العراقـــية


قال الرئيس نيكسون يوماً: ” … على أعدائنا أن يدركوا أننا نصبح حمقى حين تضرب مصالحنا وعندها سيرتعد العالم خوفاً منا… “. وإدعاء الحمق هذا لم يكن من اختراع نيكسون وان كان له أسبقية الإعلان عنه. فقد إدعى الحمق قبله كينيدي وتطرف في هذا الإدعاء.
ومشكلة بوش وصقوره هي أنهم تجاوزوا حد إدعاء الحمق الى ممارسته بصورة فعلية. فهم ألغوا التاريخ عندما رفض الإنتهاء وباتوا لا يعيرونه أي إهتمام. وبذلك سقطت عندهم كل نظريات الإستقراء التاريخي والإستنارة بالتجارب والسوابق التاريخية. وهم يتجاهلون أن دستور اميركا وقوانينه تقوم على مبدأ السابقة. وهذا يعبر عن إمتداد أذى الحمق الى بنية النظام الأميركي نفسه. فالجمهور الأميركي يمكنه أن يخاف ويروع لكنه غير مستعد للتضحية برخائه ولتقديم الضحايا البشرية التي تتطلبها حماقات الصقور. كما أن هذا الجمهور يحسن التحرك المنتظم في داخل بلاده. مثال ذلك اضراب عمال الموانيء الاميركية في نوفمبر 2002 الذي كلف الخزينة ملياري دولار يومياً والأمثلة كثيرة وخارجة عن سيطرة وزارة بوش للأمن. وعليه فإن الجمهور الأميركي قد لا يبالي بإنتهاكات ادارته للقوانين الدولية لكنه لا يسمح لها بجنون داخلي. يكفي أن بوش وصل الى الحكم من خلال إنتخابات مشكوك بصدقيتها. ويكفي أنه خلق حالياً الأجواء الضامنة لفوزه بفترة جديدة مستغلاً كل الثغرات في النظام الأميركي الفاسد. أما أن يصل الأمر الى حدود العبث بمدخرات ورخاء المواطن الأميركي فإن الأمر لن يكون تحت السيطرة. وبقراءة متعجلة لتاريخ الإضطرابات الداخلية الأميركية نجد أنها ألحقت أضرارا مميتة بالنظام الأميركي تفوق كل ما ألحقته به كل القوى الخارجية بما فيها الإتحاد السوفياتي السابق.
هكذا يمكننا مقاربة الحمق الأميركي الراهن الملامس للجنون. إذ تعتقد الإدارة بسيطرتها على الداخل من خلال تخويفه من عمليات إرهابية محتملة. أو ربما عبر الكشف عن عمليات نفذت فعلاً وأنكرتها الإدارة في حينه. وهذه السيطرة تبرر لمجانين الإدارة جنونهم ولا مبالاتهم بكل التهديدات الخارجية المحتملة. بما يجعلهم يؤكدون أن سوابق إسقاط اللاعبين الإقليميين لحلف بغداد مثلاً غير قابلة للتكرار. حيث الجنون والصدمة والترويع وشجاعة الرئيس بوش تحول دون تكرار هذا الفشل.
الآن ليس المهم قياس مستوى حماقة الادارة وتحديها للمنطق التاريخي السليم. وليس من المهم أيضاً التاكيد على كارثية ممارسة الحمق هذه. فالمهم هو إدراك واقعة أننا نتعامل مع عالم مجانين. وأن مقاربة المجنون تستدعي سلوكاً خاصاً لإحتواء أذيته المحتملة. وهنا تجب مراجعة اسلوب الطب النفسي في التعامل مع المجنون المهتاج.

د.محمد أحمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

Share
Copyright © 2014 المركز العربي للدراسات المستقبلية - نضع المستقبل بين يديك