أهم الأخبار
الرئيسية / اصدارات حديثة / الآليــات المدنية للتدخـل الأميركي في الشرق الوسط

الآليــات المدنية للتدخـل الأميركي في الشرق الوسط

توطئــة

مع تراجع الإطلاقيات والحتميات النظرية برز الدور المخابراتي على الصعيد الثقافي ومعه التركيز على الأفراد تحت شعار تصنيع قادة مجتمع. وهذا الميل كان من ضمن العناصر الفرعية في التدخل المخابراتي قبل أن يتخذ صدارته الحالية. ولعلنا نجد في كتاب مسؤولة المخابرات الأميركية فرانسيس ساوندرز المعنون ” المخابرات في سوق الثقافة – من يدفع للمزمرين ” خير دليل لمتابعة هذه المنهجية خلال الحرب الباردة/ للإطلاع أنظر الرابط:

http://mostakbaliat.com/link133.html

أما عن تجنيد الأكاديميين فإن كتاب علماء لكن جواسيس يقدم لنا نماذج حية/ أنظر الرابط:

http://mostakbaliat.com/link138.html

ومع نهاية الحرب الباردة سجل تحول كبير في التوجهات المخابراتية وأهدافها وهو ما نستدل عليه من التمويل المخابراتي السخي لمنظمات تصنيع القادة المدنيين على الطريقة الأميركية/ أنظر الرابط: http://www.mostakbaliat.com/amedist.html

ولعل تعديل ميثاق الأطلسي خلال حرب كوسوفو هو المنطلق العملي للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط. فقد أعطى هذا التعديل لدول الحلف حق التدخل في الدول التي تهدد فيها مصالحها وفي مقدمتها الشرق الأوسط. وبذلك كانت حرية بوش في توجيه صربات عسكرية الى العراق وتهديد بقية دول المنطقة وصولاً لإعلانه مشروعه عن الشرق الأوسط الكبير. للتعمق أنظر:

المنطلقات الجيوسياسية لأمركة الشرق الأوسط

http://www.mostakbaliat.com/?p=1152

رؤية مستقبلية لمشروع الشرق الأوسط الكبير

http://www.mostakbaliat.com/damasmea.htm l

وهذه الطموحات الأميركية لم تقف عند حدود المأزق العسكري الأميركي في العراق فتجاوزته الى حرب إفتراضية في بقية دول المنطقة. وهذه الحرب تنطلق من نظرية سياسة المعرفة القائلة بأن الإعلام أصبح بنية مستقلة بذاتها. وعليه فإن الحروب القادمة لن تكون حروب دبابات وصواريخ بل حروب معلومات وإعلام. وأن النصر سيكون لمن يملك وسائل إعلام أفضل ويخبر الرواية الجيدة. للتعمق في موضوع الحرب الإفتراضية أنظر الرابط:

http://mostakbaliat.com/link48.html

من هنا كانت إنطلاقة الفوضى الأميركية البناءة وفق نموذج لبناني قابل للتعميم. وهي الفوضى التي سنركز على مناقشة آلياتها وسبل الإحتياط للإنقلابات المخملية التي تنجم عنها.

الفوضى البناءة

ربما كانت الثورة الفرنسية أولى سيرورات الفوضى البناءة القابلة للطرح النظري كمرجعية للمقارنة. وهي إنطلقت من شعارات حرية- عدالة – مساواة. وهذا النموذج المثالي للفوضى لا يرقى فوق المحاذير القاتلة للفوضى. وإذا كان التوظيف المخابراتي لمبدأ الفوضى البناءة يستوجب وقفة تحليلية معمقة لفوضى الثورة الفرنسية فإننا في سياقنا نكتفي بالتذكير بالعقابيل والآثار الجانبية الضارة لتلك الثورة وفي مقدمتها التالية:

1. سيطرة الرعاع التي سرعان ما إنقلبت الى فوضى غير منظمة.

2. عدم ثبات المرجعيات الفكرية والسياسية لدى الرعاع بما أدى الى أن تأكل الثورة أبناءها والى إعادتها للملكية الى فرنسا.

3.  إندلاع الشوفينية الفرنسية التي ارادت تصدير فوضاها الثورية الى أوروبا دون مراعاة لظروف كل بلد على حدة ودون مراجعة ثغرات الثورة وضبط فوضاها.

4.  إعادة إطلاق الأحقاد التاريخية الفرنسية – الألمانية التي لم تنتهي لغاية اليوم برأينا.

ونكتفي بهذه العقابيل المؤلمة للثورة الفرنسية لنجد ملامحها في كل الثورات اللاحقة التي كرست شعار: “الثــورة تـأكل أبنــاءها”. فكل الثورات أكلت أبناءها خلال فوضاها أو بعدها خلال إعادة ترتيب البيت. وغالباً ما عاد الملك أو حاشيته الى السلطة بقناع أو بآخر. وهذا ما يفسر عودة الشيوعيون القدامى لحكم أوروبا الشرقية ولو بطروحات تطويرية.

ولو نحن أردنا العودة الى الفوضى المضادة لوجدنا في عودة الملك لحكم فرنسا بعد الثورة أولى تجارب الفوضى المضادة. أما في وقت لاحق فإن المثال المناسب قد نجده في تحضير المخابرات الأميركية للإنقلاب على حكم مصدق في إيران وإعادة الشاه الى الحكم. وهو ما فشلت فيه تلك المخابرات عقب الثورة الإسلامية فإنتقلت الى فوضى الإحتواء المزدوج فكانت الحرب العراقية – الإيرانية.

لاحقاً وبعد سقوط الشيوعية إنتقلت المخابرات الأميركية الى الفعل الفوضوي البناء. إذ طالما آلمتها حركات العنف الثوري الماركسية وأوجعتها. ولطالما أعجبت بهذه الحركات دون أن تتمكن من تقليدها. وجاءت الفرصة بسقوط جدار برلين فكانت التجربة العملية الأولى للفوضى البناءة الأميركية في مظاهرات مدينة تيميشوارا الرومانية. التي سرعان ما إمتدت الى العاصمة بوخارست وأسقطت نظام تشاوشيسكو الأقوى في الكتلة الشرقية. ومن يعرف بنية النظام الروماني يكاد يجزم بإستحالة إزاحته. ومن هنا نموذجية الفوضى الأميركية المصطنعة في رومانيا وأهميتها لكونها إتخذت قالباً لتفجير الفوضى في البلدان الأخرى.

الفوضى الرومانية نموذجاً

هنا نكتفي بعرض ملامح الضعف الموظفة في الفوضى الرومانية وهي:

1. الخلل الجيوبوليتيكي الناجم عن إعادة تقسيم أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى وفق معاهدة فرساي. التي ضمت الى رومانيا أقاليم من هنغاريا ومولدافيا ويوغسلافيا. فكان سكانها أقليات تشعر بالإضطهاد وتحن للعودة الى بلدانها الأصلية. وإن كبتتها قوة مخابرات تشاوشيسكو.

2. دعم المخابرات السوفياتية السابقة ( كي جي بي) التي أصبحت صديقة لأميركا مع تاريخ عداء لتشاوشيسكو.

3. الإختراق المخابراتي الأميركي المزمن للأقليات المذكورة أعلاه.

4. توظيف الأقلية اليهودية بعد تحضيرها وضغط اليهود الرومان الهاربون من رومانيا.

5. إطلاق المظاهرات من مدينة تيميشوارا الواقعة على حدود يوغوسلافيا والمتعددة الأعراق.

6.   توظيف التفرد الأميركي العالمي كعنصر تهديد ضد إستخدام النظام للعنف. ولولا ذلك التهديد لتمكنت مخابرات رومانيا من القضاء على التظاهرات خلال ساعات.

وبمراجعة مظاهرات جورجيا واوكرانيا وغيرها نجد أن تهديد القوة الأميركي هو العنصر الحاسم في نجاح هذه المظاهرات التي مثلت شرارة الفوضى البناءة الأميركية. وحدها مظاهرات فنزويلا أفلتت من نظام الفوضى الأميركي لأن جماهير الفقراء هي التي كانت تقوم بالمهمة فتقمع المظاهرات الإستعراضية المبرمجة مخابراتياً. وكانت النتيجة لجوء الأميركيين الى عملياتهم القذرة وهي محاولة إغتيال الرئيس الفنزويلي شافيز. بما يؤكد أن التظاهرات التي تطلقها الفوضى الاميركية المنظمة او “الهايد باركات” الأميركية لا تملك البدائل ولا هي تستند الى قواعد شعبية حقيقية.

الفوضى الداخلية الاميركية

على الوجه المقابل للعملة نجد أن الداخل الأميركي ينظم فوضاه الخاصة. وهي شديدة الخطورة بالمقارنة مع الفوضى المفتعلة أميركياً لتغيير الانظمة والجغرافيا اي لاحداث تغييرات جيوبوليتيكية تخدم المشروع الاميركي اتكريس الآحادية القطبية.

للتعمق انظر الداخل الاميركي: http://mostakbaliat.com/link139.html

وهذه الحركات الفوضوية الاميركية الداخلية على ندرتها مستقلة وصادقة وليست مفبركة مخابراتياً. كما أنها تتسبب بأضرار فائقة على الإقتصاد والمجتمع الأميركيين وتشكك بصدقيتهما. ومن الأمثلة الحديثة على الفوضى المضادة الداخلية نذكر بحوادث مدينة سينسيناتي الأميركية المندلعة في 1 أبريل 2001 والتي فضحت صقور بوش إذ تعاملوا معها على الطريقة الستالينية وفق توصيف الصحافة الأميركية. ثم نذكر إضراب عمال الموانيء الأميركية في اوكتوبر 2003 حيث كلف الإضراب الخزينة الأميركية ملياري دولار يومياً. وبالعودة الى الوراء نبدأ بحوادث وول ستريت وليتل روك ولوس أنجلوس وغيرها من حوادث الشغب العنصري. ومعها إضرابات عمال البريد وعمال جنرال الكتريك وكلها تشير الى تغلغل الفوضى في النظام الأميركي رغم كل محاولاته تصديرها الى الخارج على شكل حروب أو صراع حضارات وحرب ضد الإرهاب أو غيرها من المسميات. وهنا يطرح السؤال عن مدى إستفادة المخابرات الأميركية من فوضاها الداخلية في تجاربها لإطلاق الفوضى في أنحاء العالم؟.

مما لا شك به أن المخابرات الأميركية تدرك مكامن القوة في نظامها وهي مكامن الضعف في الأنظمة الأخرى بسبب إختلاف المنطلقات والأولويات الفكرية والسياسية. وعليه فإن الولايات المتحدة تتحصن بمكامن القوة التالية:

1. وجود الإعلام الأميركي تحت السيطرة والتوجيه رغم هوامشه الواسعة. مع التحكم الفاعل بالميديا بأساليب متطورة والتركيز على الرخاء ونمط الحياة الأميركي على حساب باقي الأحداث السياسية. وهو ما يعرف بتربية المواطن الصالح الأميركي.

2. وجود قوانين حاسمة تنظم المجتمع المدني الأميركي وتحدد صلاحياته فاصلة ما بينه وبين السياسة. بحيث يمنع تسرب العاملين فيه الى السياسة. على عكس القادة المصنعين في جمعيات الرفق بالحيوان والمدفوعين الى السياسة في مجتمعات العالم الثالث والمجتمعات العربية خصوصاً.

3. الرخاء الإقتصادي وهو علاج فعال للأزمات الاجتماعية في مقابل تفجير القفر وسياسات الإفقار لهذه الأزمات كما هو حاصل في بلادنا مثلاً.

4. إخراج المعتقدات والممارسات الطقسية اليومية وابدالها بنمط الحياة الأميركية.

5. ممارسة التمييز العنصري بضغط إحتكار الثروات. مثال ذلك أن الدستور الأميركي لا يشير الى ديانة أو مذهب او لون رئيس البلاد. لكن تركز الثروات بأيدي الآريين البروتستانت يجعلهم يحتلون مقعد الرئاسة بصورة دائمة. وغياب مثل هذه الفروق المالية في الدول الأخرى يدفعها الى بحث مواصفات الرئيس في دساتيرها بما قد يفجر تناقضاتها الداخلية.

هكذا نسجل إنتقال السياسة الخارجية الأميركية من لعبة الإحتواء المزدوج أيام الإتحاد السوفياتي الى لعبة أمركة العالم بالقوة وتغيير جغرافيته وأنظمته عن طريق الفوضى البناءة أو الإحتلال لو إقتضى الأمر فالردع غائب وعولمة نظام السوق الأميركية فرصة وواجب يتصدى له كل رئيس على طريقته الخاصة. فقد بدأ ريغان بحرب النجوم لتهويل القوة التي تهدد بها أميركا العالم بالخصاء. ثم جاء بوش الأب ونظم العالم في حرب مختلقة لتحرير الكويت. ونظمه كلينتون في حرب مختلقة أخرى هي حرب كوسوفو. لكن الجنوح الأكبر والجشع كان مبدأ بوش الإبن الذي يقرر علماء النفس معاناته من وهم كونه المسيح المخلص. ومن هنا تهوره وتطاوله وتجاوزه بإعتبار نفسه إلهاً لا يخسر مهما بدت علائم الخسارة واضحة. فعندها تحل القوة كل المشاكل. …. للتعمق انظر شخصية بوش: http://mostakbaliat.com/link46.html

بهذه العقلية يخوض بوش الإبن معاركه لأمركة العالم ويطلق الفوضى البناءة في أنحاء العالم. من هنا فإنه من الضروري متابعة فهم هذا الرئيس لهذه المواضيع كي نفهم تطبيقاتها. ولنتابع بوش منذ لحظة حدوث 11 سبتمبر كي لا نغرق في تاريخه الشخصي. فقد أبلغ ووكر بوش بحوادث 11 ايلول في ما كان يتلقى دورة تدريبية حول القراءة السريعة. إذ أن مسؤولياته الرئاسية لم تعد تسمح له بالبقاء خارج إطار الثقافة العامة. خاصة بعد أن فضحته المقابلات المتلفزة وأظهرت ضآلة محصلته الثقافية. فكانت سبباً في خسارته للأصوات الضامنة لتفوقه في الانتخابات. وذهب البعض يومها الى أن هذه الضآلة هي المسؤولة عن تدني نسبة التأييد والإحترام للرئيس الجديد. للتعمق انظر فضائح بوش: http://mostakbaliat.com/link116.html#فضائح

الصحافة الاميركية بدورها لم تقصر في ابرازها نقاط ضعف المرشح بوش ولاحقاً الرئيس. فقالت في ما قالته أن ووكر بوش لا يشتهر بالذكاء و أنه غبي وضحل الثقافة. كما أثارت الصحافة مسألة إدمانه للكحول ، ولمحت لتعاطيه الكوكايين. إضافة لفشله في ادارة شركة من الدرجة الثانية واساءة استغلاله لنفوذ أبيه الرئيس يومذاك لتعويض خسارته. وبعد فضائح افلاس الشركات تبينت مسؤولية بوش وضلوعه في هذه الفضائح. ولولا الخوف الأميركي من عقابيل  11سبتمبر لكان قسم كبير من صقور الرئيس موضع محاكمة. وهي محاكمات تورط الرئيس نفسه. حتى قيل أن الرئيس وفريقه هم الأكثر انتفاعاً من فوضى ما بعد 11سبتمبر. للتعمق انظر بوش بطة عرجاء منذ البداية: http://mostakbaliat.com/link116.html

أما عن أسلوب آل بوش في اختيار معاوني ووكر بوش فتصفه الصحافة الأميركية على النحو التالي: ان هؤلاء المساعدين ينقسمون الى فئتين: الأولى من كبار الأثرياء وممثليهم ممن يستطيعون دعم الحملة الانتخابية ومشاريع الرئيس عبر لعبة المصالح المشتركة. أما الفئة الثانية فهي من الخبراء والمتخصصين الذين يحسنون تبسيط الأمور المعقدة وهو تبسيط يحتاجه بوش.

هكذا كان بوش ملزماً بالعمل على تطوير نفسه مما جعله يتعب نفسه ويتبع دورات تأهيلية مكثفة لتعويض هذه الثغرات في شخصيته. وينقل العارفون بيوميات الرئيس أنه يرهق نفسه بهذه التدريبات. أما وقد تعلم بوش القراءة فإن الفضول يطرح السؤال عما قرأه هذا الرئيس؟. إذ أننا أمام رئيس محدث ثقافة وسياسة وهو متأثر بالكتب التي يقرأها راهناً وبأولئك الذين يختارون له هذه الكتب. وعليه فإن الفكر السياسي الحاكم للفوضى البناءة التي تهدد العالم الثالث بالخصاء نابعة من هذه الكتب ولنبدأ بإستعراض ما نراه أكثر تأثيراً من بينها:

1. كتاب ناتان شارنسكي المعنون: Nathan Sharansky, The Case for Democracy. The Power of Freedom to Overcome Tyranny & Terror, Public Affairs, New York, 2004. حيث يعترف يعترف الرئيس بوش، في مقابلة مع صحيفة “واشنطن تايمز”، أنّ الكتاب يمثل “الخريطة الجينية لرئاسته. فما هي هذه الآراء الشارنسكية المكونة لجينيات سياسة بوش؟. الجواب نجده في الكتاب وفي فكر وتاريخ مؤلفه حيث يظهر هذا الكتاب لمؤلّفه المنشقّ السوفياتي المهاجر الى اسرائيل، الذي شغل لبعض الوقت منصباً وزارياً في حكومة آريل شارون، وهو بعنوان “قضية الديموقراطية” ، كمرافعة عن الحاجة الملحّة لنشر الديموقراطية في العالم العربي، وكشرط لا غنى عنه من اجل توقيع اتفاق للسلام الشامل في الشرق الاوسط ومن اجل ترسيخ السلم العالمي. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، لن تتردّد الولايات المتحدة في اعادة النظر بالاوضاع القائمة في الشرق الاوسط منذ عقود، “مهما كانت المخاطر الناجمة عن ذلك”، بحسب قول وزير الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس. ولعلنا نجد ذلك التأثير واضحاً في أول تصريح لرايس بعد توليها ميرية الأمن القومي في الفترة البوشية الأولى إذ أعلنت عن تخيل مماثل للحل في الشرق الأوسط ووعدت بإقامة فيديرالية تضم فلسطين والاردن وإسرائيل وإلحاقات أخرى لاحقة. وهذه الرؤية تستعيد أهمّ طروحات التوجّه الاستشراقي التي تصف العالم العربي بكونه تجمّعاً لأقلّيات دينية وعرقية عاجزة عن العيش سوية في كيانات دولة وطنية. وترتكز الحلول المقترحة من اجل خدمة الديموقراطية ومصالح اميركا معاً، والمفترض انهما مترابطان، على استخدام صريح للطائفية في الدول العربية في اطار استراتجية تعرف بالـ”فوضى البنّاءة”. ومن أصحاب هذه الرؤية يستوحي الرئيس بوش إطلاق مصطلح “رجل القرن الحادي والعشرين المريض” على العالم العربي مقارنة بالامبراطورية العثمانية مريضة القرن التاسع عشر. وهؤلاء المحيطون ببوش لا يخفون أملهم في رؤية الوطن العربي ومعه الشرق الأوسط النفطي يلقى المصير الذي لقيه رجل القرن التاسع عشر المريض، الامبراطورية العثمانية، من تقسيم غداة الحرب العالمية الاولى. ومن هنا بدعة تغيير الخارطة العربية المنطلقة من مراكز الأبحاث الأميركية. والتي تكاد تطل علينا من خلال مشاريع جاهزة لتقسيم معظم دول المنطقة بدءاً بالعراق ولبنان والسعودية.

أما عن نظرة السيد شارانسكي الى الاسلام، فيرى فيه حركة ارهابية في الأساس، وعلى انه تهديد ليس فقط لوجود اسرائيل بل للعالم الغربي أجمع. فاستئصال الارهاب لا يمكن ان ينتج فقط من عمل أمني بحت، في مواجهة هذه المنظمات، أو من طريق تجفيف منابع تمويلها. إذ انه من الملحّ معالجة الاسباب العميقة للارهاب، وهي النابعة حصراً من سياسات الانظمة العربية الاستبدادية والفاسدة، كما من ثقافة الكراهية التي تنشرها. وبحسب هذا المنشقّ السابق، فانّ السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، كما الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، لا تتحمّل بالطبع المسؤولية في هذا المجال. ومن هنا منطلق جديد يدعم طرح هنتنغتون للإسلام كعدو حضاري للغرب وكبؤرة تركز عليها الحرب على الإرهاب.

وهذا يعيدنا الى السيد هنتنغتون وكتابه.

كتاب صدام الحضارات / هنتنغتون صموئيل

خلال بحثه عن عدو بديل للشيوعية إقترح صموئيل هنتنغتون الكونفوشية والإسلام عدواً بديلاً. ورغم أن الطرح لم يلقى بداية كثير تأييد علني على الأقل فإن خطوات بوش اللاحقة بينت تبنيه لهذا الطرح بمناسبة حوادث 11 سبتمبر إذ بدأ الأمر على شكل هفوات ما لبثت وأن تحولت الى عقيدة بوشية. وبداية هفوات بوش في هذا المجال تذكرنا بهفوته عندما استعمل الفاظاً نابية نعت بها أحد الصحفيين خلال الحملة الانتخابية. يومها لم ينتبه المرشح بوش الى أن الجمهور لايزال يسمعه عبر مكبرات الصوت. فكانت هذه الألفاظ فضيحة اضطرت المرشح بوش للاعتذار. وفي عودة الى التحليل النفسي نجد أن الهفوة هي الأصدق والألصق بحقيقة المشاعر وبمكبوتات اللاوعي. بل أن فرويد كان يعتبر أن الرواية الأولى هي الأصدق وباقي الروايات اللاحقة هي مجرد تجميلات تدخل بمساهمة الدفاعات النفسية. وبمعنى آخر فان التحليل النفسي يؤكد على مجموعة معطيات ليست في صالح الرئيس الأميركي. وأهم هذه المعطيات هي:

1.    أنه اعلن عن بداية صدام الحضارات على المستوى العسكري. متوجاً التطرف الاسلامي زعيماً للارهاب الدولي. مع اصرار عنيد على توظيف التناقضات الاسلامية من عرقية ومذهبية واقتصادية وتاريخية.

2.    أنه شخصية نزوية غير قادرة على تعقيل ردود فعلها وتالياً على تحمل الاحباطات وتقبل الواقع. والاندفاعات الغريزية لهذه الشخصية تكون في غاية الخطورة أمام الوضع الدولي الراهن.

3.    ان هذه الشخصية سهلة الانقياد وتابعة للآخرين. ونتيجة لهذه التبعية مضافاً اليها عدم تحمل الاحباطات كان يمكن التوقع بأن بوش سيترك الأمور لصقوره –  رامسفيلد ورايس خاصة- ( وهذا ما حصل فعلاً ويستمر) كي يسيروها ليبقى هو ظلاً لهذه الشخصيات.

4.    افتقاده للمرونة الفكرية والنفسية وميله للتوحد بريغان (وأعضاء فريقه ممن لايزالون على قيد الحياة). دون ادراك واقعة أن مرونة ريغان هي التي كانت تنقذه في الظروف الصعبة والمعقدة. اذ كان معروفا” عنه أنه يملأ الدنيا ضجيجا” ثم يسكت ليحل المشكلة بهدوء وبمساعدة اصدقائه.

5.    تجاهله ،وفريقه، لواقعة أن دولاً عربية واسلامية عديدة كانت تطارد بن لادن والتطرف الاسلامي عموماً. بل أنها كانت تطالب بتسليمهم لها من أجل محاكمتهم. فلو ارادت الادارة الأميركية محاكمة الارهاب لكان بامكانها تلزيم هذه المحاكمة الى هذه الدول لتبقي أيديها نظيفة.

هذه النقاط مجتمعة تشير الى اصرار عنيد من جانب الصقور في أميركا على اعادة اصدار صدام الحضارات في طبعة جديدة منقحة ومزيدة!؟. انظر صدام الحضارات: http://mostakbaliat.com/link40.html

ومن سمات الاصدار الجديد الاعتماد الكلي على استشارة  اليهود لمعرفتهم بطباع العرب والمسلمين. حيث تتميز الطبعة الجديدة بفصل المسارات ،على الطريقة الاسرائيلية، لاستفراد كل فئة لوحدها منعاً لقيام ردة فعل موحدة تجاه هذا الصدام. فالتقارير الاستراتيجية الأميركية تشير الى انهيار الاقتصاد الأميركي ما لم تتم السيطرة الكاملة على نفط الشرق الأوسط. حتى لو اقتضت هذه السيطرة استعمار اميركا العسكري للشرق الأوسط ( وهو ما بدأه بوش فعلياً في العراق وينوي متابعته في دول أخرى). ولعل نقطة الضعف الوحيدة في الطبعة الجديدة هي ما يغيب دائماً عن عقل اليهودي الذي يعتبر أن جنته هي على هذه الأرض. بينما يعتبرها المسلمون في السماء. وهو اعتبار يفسر جهوزية الموت لدى العرب والمسلمين. وربما كانت هذه الجهوزية وراء تراجع بوش وصقوره عن الحرب والإحتلال وإعتماد إثارة الفوضى الداخلية البناءة في هذه الدول كبديل عن القوة الشرسة بإعتبار الفوضى قوة لينة!؟.

القيادة العليا – الجيش ورجال الدولة و الزعامة في زمن الحرب / أليوت كوهين.

وتتلخص آراء الكتاب ومؤلفه في جملة من المقالات المنشورة التي يتناول فيها شؤوناً راهنة، واحدة نشرتها مجلة “ناشونال ريفيو” غداة هجمات 11 أيلول 2001 ويشرح فيها ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربات ساحقة إلى أعدائها. عنوان المقالة “اصنع الحرب وليس العدالة” ولعلها أول مقالة تصدر بعد تدمير مركز التجارة العالمي واحد أجنحة وزارة الدفاع، تحدد بدقة الأهداف التي يجب أن تحققها السياسة الأميركية في المرحلة التي أعقبت الأحداث معتبراً أن من نفذوا الهجمات ليسوا مجرمين بل أعداء الولايات المتحدة وبالتالي يجب أن تشن الحرب للقضاء عليهم لا أن تجري مطاردتهم وتقديمهم إلى العدالة. وتبرز في هذه المقالة صياغة مبكرة للمقولات التي طرحها بوش في خطبه اللاحقة وخصوصاً في كلمته أمام الكونغرس عن رفض الموقف الحيادي من الحرب على الإرهاب واعتبار أي طرف يعلن حياده قد اختار التحالف مع الإرهابيين وعليه أن يدفع ثمن هذا التحالف المعادي لأميركا حتى من دون اللّجوء إلى  العنف.

وفي مقالة في “وول ستريت جورنال” (20/11/2001) يعتبر ان الحملة على الإرهاب هي الحرب العالمية الرابعة (إذا كانت الحرب الباردة هي الثالثة) وأن على الولايات المتحدة ان تنتصر في الحرب على الإسلام الأصولي.

ومقابل الانتقادات الشديدة في الكتاب والمقالات، لباول الذي يحمله مسؤولية الوضع الراهن في العراق منذ دوره في حرب الخليج وصولاً إلى عمله اليوم على إبطاء الإندفاعة الأميركية إلى  الحرب، يشيد بوزير الدفاع دونالد رامسفيلد (“فورين افيرز” عدد أيار – حزيران 2002) باعتباره “وزير حرب” تبرز كفاءته في أوقات الشدة والتحدي. رامسفيلد هو السياسي المدني. مرة أخرى، يقود الجنرالات ولا يسمح أن يقاد. وبذلك يبدو واضحاً إنحياز المؤلف الإنتقائي لصقور بوش وزعامتهم على حساب الخبراء العسكريين. وهو ما يبرر تخلص بوش من كولن باول في رئاسته الثانية.

للتعمق انظر الزعامة في زمن الحرب: http://mostakbaliat.com/librairie1.html

على أن الوقائع المتعاقبة منذ إحتلال العراق ولغاية اليوم تشير الى أنه كان على كوهين أن يتخذ من حرب أفغانستان نموذجاً لتدخل الدجاج ( الصقور) في الحرب. وعندها كان لكتابه قيمة استراتيجية فائقة لأنه كان سيحسم الجدل ويستنتج بديهة مفادها ” أبعدوا المدنيين الذين ارتكبوا حماقة الحرب الأفغانية عن القرار العسكري”. فقد تكون هذه الحرب علاجاً طارئاً لهستيريا الجمهور الأميركي وأيضاً للإقتصاد بعد 11 أيلول. لكن الآثار الجانبية لهذا العلاح تورط الإدارة بعلاجات متابعة لها. واذا كانت أضرار حرب أفغانستان محدودة فإن اضرار علاجها بحروب أخرى ستجعل في جعل الولايات المتحدة كالأفعى المحاصرة في وكرها. وهذا ما بينته حرب العراق وستبينه حروب الصقور المقبلة ولو بأساليب القوة اللينة والفوضى البناءة.

تجدر الإشارة الى أن المعتدلين الأميركيين يسفهون هذا التطرف والإدعاءات التي يستند اليها. ومنهم على هذا الموقع المحلل السياسي الاميركي ويليام بلوم الذي يملك رؤية مخالفة لكوهين حول الحروب الاميركية القادمة… انظر: http://mostakbaliat.com/war1.html

كما أنه من المفيد مراجعة الحروي الاميركية خلال القرن الماضي. وهي مراجعة توضح إغفال كوهين لمفاصل تاريخية أساسية انظر الرابط: http://mostakbaliat.com/war2.html

شخصيات مؤثرة ومراكز بحوث

مؤسسة “امريكان انتربرايز” للدراسات/ روول مارك غيريشت

اضافة الى هذه الكتابات الملهمة يشير منظّر المحافظين الجدد، الاختصاصي في العراق والشيعة والباحث في مؤسسة “امريكان انتربرايز” للدراسات، المدعو روول مارك غيريشت، انّ ادارة بوش بلورت مشروعها حول “الشرق الاوسط الكبير” بالارتكاز جزئياً على ابحاث “مؤرّخين من اصحاب النفوذ، أمثال برنارد لويس من جامعة برنستون وفؤاد عجمي من جامعة جونز هوبكنز. حيث اشتهر برنارد لويس، المناصر الراديكالي لدولة اسرائيل، باعتباره أول اختصاصي أميركي أعلن، بعد حرب الكويت، عام 1991، موت العالم العربي ككيان سياسي: لقد حاربت دول عربية دولة عربية أخرى (العراق)، الى جانب التحالف الغربي، وتهمّشت منظمة التحرير الفلسطينية بسبب موقفها المناهض لهذه الحرب وهو اقترح، منذ ذلك الحين، تعميم  “الشرق الاوسط” وإسقاط مصطلح “العالم العربي”.

مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الادنى/ روبرت ساتلوف

في ترداد ممل لتوجيهات برنارد لويس، ينصح روبرت ساتلوف المدير التنفيذي المعروف في مؤسسة “واشنطن لسياسات الشرق الادنى”، وفي مقالة على شكل رسالة موجّهة الى السيدة كارن هيوجز، مساعدة وزير الخارجية الاميركية لشؤون السياسة العامة، “اقصاء مصطلحات العالم العربي والعالم الاسلامي من القاموس الديبلوماسي الاميركي. ويتابع: دافعوا قدر الامكان عن مقاربة خاصة بكلّ بلد على حدة، قولاً وفعلاً. إذ يريد الاسلاميون المتطرّفون محو الحدود، وخلق عالم فوق الاوطان، حيث تنفصل دار الاسلام عن دار الحرب. لا تتراجعوا امامهم قبل خوض المعركة.

فؤاد عجمي

فؤاد عجمي، وهو من الأنصار المتطرفين للليكود والمحافظين الجدد في واشنطن، فانه الناطق الرئيسي باسم الرؤية الطوائفية للواقع الاجتماعي السياسي في العالم العربي. ففي مقالته الاخيرة المخصّصة للتطورات الاخيرة في لبنان، يعتبر “انّ بلاد الارز كانت على الدوام، في جوهرها، وطناً للمسيحيين”. ويضيف انّ “العديد من اللبنانيين مقتنعون انّ الضعف في التماهي (العربي مع لبنان) ناشئ من كون هذا البلد هو مسيحيّ بشكل رئيسي، اضافة الى طوائف منشقّة تعيش فيه. هناك الكثير من الحقيقة في هذا الهجوم.

للتعمق انظر معاداة العرب: http://mostakbaliat.com/antiarabe.html

إنه لمن الطبيعي عدم الإنسياق وراء فكرة إختصار الاستراتجية الاميركية، بالطبع بهذه التوجهات لوحدها وإعتبارهذه الإستراتيجية ترجمة آلية لهذه الطروحات. فهنالك العديد من العوامل التي تتداخل في بلورة هذه السياسة وبخاصة المصالح الإقتصادية للشركات الكبرى والإلتزامات التي تحصل عليها في الدول النفطية الغنية. لكن هذه المفاهيم توفّر، وباعتراف السيد بوش ومساعديه، فكرة عامة وخطوطاً توجيهية. وهي ما يسمّيه السيد روبرت ساتلوف بالـ”فوضى البنّاءة”. ويلاحظ أنّ البحث عن الاستقرار كان “تاريخياً صفة مميزة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط. “يناقش واضعو الاستراتجية الاميركية ملاءمة مسألة الاستقرار في مناطق أخرى من العمل، لكن جورج بوش كان أول رئيس يعتبر أن الاستقرار بحدّ ذاته يشكّل عائقاً أمام تقدّم المصالح الاميركية في الشرق الاوسط. فالولايات المتحدة استخدمت في عملها سلسلة من التدابير القسرية وغير القسرية لتنفيذ رؤية سيطرتها على عالم عقائدي – إسلامي غني بالنفط ومهدد تالياً لمصالحها. وذلك بدءاً من استخدام القوة العسكرية لتغيير الانظمة في افغانستان والعراق، مروراً بسياسة التهديد بالقوة وصولاً الى تفجير الأمن الداخلي لدول المنطقة عن طريق هذه الفوضى البناءة.

وهكذا فإن هذه القوة الأميركية اللينة أصبحت مقدمة للعمليات المخابراتية القذرة ولكن بقفازات مخملية. وهي توجه ضد الأعداء والأصدقاء على حد سواء وإن بنسب متفاوتة بإختلاف التجاوب مع خدمة المصالح الأميركية. فاحتواء النفوذ الايراني  لا يزال  يمثّل أولوية في نظر واشنطن، لجعل طهران أكثر عرضة للضغوط الدولية الهادفة الى دفعها للتخلّي عن مشروعها النووي او، على الاقل، الى الحدّ من قدراتها على الردّ في حال تعرّض منشآتها للهجوم. وإفترض هذا الاحتواء ارغام سوريا، الحليف الاخير لطهران في الشرق الاوسط، على التخلي عن هذا التحالف بعد دفعها للإنسحاب من لبنان ونزع سلاح حزب الله. وامام الرفض السوري، النابع اساساً من غياب البديل المناسب ـ مثل استئناف المفاوضات السورية الاسرائيلية حول الجولان ـ حصلت واشنطن بعد أن التحقت بها باريس على قرار من مجلس الامن الدولي، في ايلول/سبتمبر 2004، يحمل الرقم 1559، يطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية (حزب الله والمنظمات الفلسطينية) ونشر الجيش اللبناني في الجنوب.

للتعمق انظر مؤامرة اميركية جديدة لتغيير الخارطة العربية: http://mostakbaliat.com/link149.html

وقد رأى العديد من القوى السياسية والطائفية بلبنان في التصويت على هذا القرار اعلاناً من قبل “المجموعة الدولية” بنهاية الانتداب السوري على لبنان، الذي كان مقبولاً أميركياً طيلة خمسة عشرة عاماً. وكان هذا القرار بمنزلة تشجيع للمعارضة اللبنانية على التحرّك في وجه الوجود العسكري السوري في لبنان. وقد شكّل اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005، والخاضع اليوم لتحقيق دولي، نقطة انطلاق لمظاهرات حاشدة، على خلفية طوائفية، ضدّ السلطة اللبنانية، مطالبة بالانسحاب السوري مع تزايد الضغوط الدولية على البلديْن. فكانت “ثورة برتقالية” حقيقية، تشبه “الثورات الديموقراطية” التي حصلت في صربيا وجورجيا واوكرانيا، وقد نجحت هذه الثورة بتحقيق هدفها الرئيسي وهو انسحاب القوات السورية، وذلك بفضل الدعميْن الأميركي والفرنسي.

للتعمق انظر التلفيق والتزوير بين الشهادات والشهود: http://www.mostakbaliat.com/?p=153

وهذه الثورات المخملية تعكس نمطاً جديداً من التدخّل الدولي، يصفه جيل بونتكورفو بـ”سياسة الزعزعة الديموقراطية”. وتقوم هذه السياسة على “الارتكاز الى قطاعات من المجتمع المدنيّ تطالب بالتغيير، ودعم تحرّكاتها من خلال تعبئة الاعلام المحلي والدولي، واختراع ابطال موحّدين لحركة الاعتراض، وتعزير الضغط الدولي على السلطات القائمة. بيد أنّ هذه السياسة ساهمت في لبنان بتفاقم الطائفية، ممّا أدّى الى مواجهة بين مكوّنات البلد”. وهو ما إنعكس بقبول الأمر الواقع الطوائفي في الإنقلاب المخملي الذي جرى على شكل ما سمي بالإنتخابات اللبنانية 2005. حيث تحولت التظاهرات المتواجهة بين الشيعة ( أمل وحزب الله) وبقية الطوائف ( تيار الحريري والقوات اللبنانية والدروز) الى تحالف إنتخابي. وذلك عبر معادلة غير متوازنة تجعل كل طرف من الأطراف قادراً على تعطيل الحركة السياسية في البلد. إذ لا يمكن تشكيل أية حكومة بدون مشاركة حزب الله/ أمل لتمثيلهما الحصري للشيعة. وهو أمر يعطل الأكثرية النيابية المخملية. للتعمق انظرالانتخابات اللبنانيــة صفقــة مخابراتية: http://www.mostakbaliat.com/?p=1156

ويمتد التعطيل الى مجلس النواب الذي عوض عجزه النشريعي بالتعدي على صلاحيات السلطة القضائية. مما إستوجب تعطيل المجلس الدستوري بعدم تعيين عضوي الحكومة فيه. لكونه المرجع القانوني للطعن بدستورية التعديات البرلمانية على القضاء. وعليه يمكن القول بفشل سياسة الفوضى البناءة في لبنان وتحولها السريع الى فوضى عارمة مهددة.

إن التجربة اللبنانية للفوضى البناءة قد تطرح ضرورة مراجعة استخدام المشاعر الطائفية في تخليق الفوضى. مثال ذلك في سوريا حيث يبدو انّ الولايات المتحدة قررت تشجيع تغيير النظام لأنه، كما يقول السيد ساتلوف، “لا مصلحة لها ببقاء نظام الأسد الأقلّوي القائم على مرتكزيْن هشّيْن هما الخوف والترهيب. ويمكن ان تتحوّل اهتزازات النظام الى تفسّخات والى هزّة ارضية …”. يؤكّد بعد ذلك أنّ على الولايات المتحدة التركيز على أولويات ثلاث:

1. تجميع أكبر عدد من المعلومات حول الديناميات السياسية والاجتماعية والاقتصادية و”الاثنية” (العبارة لساتلوف) الداخلية حول سوريا.

2. خوض معركة حول شعارات كالديموقراطية وحقوق الانسان ودولة القانون.

3. عدم توفير فرصة للنجاة أمام النظام السوري، الاّ اذا أبدى الرئيس بشار الاسد استعداده لزيارة اسرائيل في اطار مبادرة للسلام، او اذا طرد من الاراضي السورية جميع المنظمات المناهضة لاسرائيل، وتخلّى علناً عن العنف او “الكفاح المسلح والمقاومة الوطنية باللغة المحلية”. لكن الوضع السوري يطرح تعقيدات إضافية بالمقارنة مع اللبناني. حيث البديل القادر على الحلول مكان النظام هو حركة ” الأخوان المسلمين”. وهو بديل لا يناسب المصالح الأميركية من حيث المبدأ.

هذا ويقدم لنا العراق نموذجاً آخراً للفوضى البناءة. حيث بدأ التدخل الأميركي عبر الأمم المتحدة ولجنتها للبحث عن أسلحة الدمار الشامل. وبعدها جاء التدخل العسكري والإحتلال لتبدأ الفوضى البناءة بطريقة مخالفة. إذ هدفت هذه الفوضى الى تخليق نظام بديل فكان إنقلاب الإنتخابات العراقية. الذي أدخل عنصر التمييز العرقي والطائفي الى صلب النظام. ومن ثم كانت محاولة تكريس هذا العنصر عبر مسودة الدستور العراقي. مما أدى الى تفاقم التوتّر بين مختلف مكوّنات المجتمع بسبب المواقف من المخالب المخملية للإحتلال. التي ركزت على مكافأة الفئات العراقية المتعاونة ومعاقبة الآخرين والسنة خاصة. وفي هذا المجال يقول روول مارك غيريشت في مقال له صدر قبل الانتخابات: “على علاّوي والاميركيين ان يظهروا بوضوح بأنّ الشيعة قادمون، وأنّ امام النخب السنّية عاماً واحداً للالتحاق بالعراق الجديد. في الوقت نفسه، عليهما التأكيد علناً وباستمرار أنّ الجيش العراقي سيكون شيعياً وكردياً بغالبيته، لأنّ السنّة لم يتركوا امامهما خياراً آخر… على السنّة العرب ان يعرفوا ويشعروا حسّياً انهم يخسرون العراق”. وبهذا التفجير للتناقضات الداخلية أصبح العراق عصياً على الحكم بدون تكريس هذه التناقضات ودونها الحرب الأهلية. وبالرغم من كل هذه الأذية اللاحقة بالبنية العراقية فإن النموذج العراقي لا يقدم مثالاً ناجحاً للقوة الأميركية بشقيها اللين والقاسي. فمصالح الولايات المتحدة في المنطقة أصبحت أكثر تهديداً بعد التجربة العراقية منها قبلها. وهو ما يمكن تعميمه على مختلف تجارب الفوضى البناءة في المنطقة. إذ أدن هذه التجارب الى تصاعد العداء للولايات المتحدة في المنطقة بما يستدعي التفكير الأميركي بضرورة تجميل الوجه القبيح لهذه التدخلات غير البناءة. خاصة بعد إدراك الولايات المتحدة لهشاشة وضآلة الشخصيات المتعاونة معها في تدخلاتها الفوضوية. ومثلهم الهامشيون النابتون على ضفاف المستنقع الأميركي في العراق أولاً وفي دول المنطقة عموماً. للتعمق انظر تربية الضباع: http://www.mostakbaliat.com/?p=1163

التوصيات

1- إنشاء جمعية مكافحة التشهير بالعرب وكرههم.

من الشروط الاساسية لتطور اي امة, او مجتمع, شرط القدرة على تطوير النظم الرمزية €اللغة, نمط العلاقات الاجتماعية, التقاليد والاعراف… الخ€ السائدة بين افراده وجماعاته.

وهذا التطوير لا يمكنه ان يتحقق من دون مخالفة السائد والمألوف, حتى يصير الخلط سهلاً بين المصلحين وبين معادي المجتمع.

هذا النوع من الخلط هو المسؤول عن اغتيال العديد من المصلحين في تاريخ البشرية, منذ الحكم على سقراط بتجرع كأس السم ولغاية موجات التكفير والتخوين السائدة في مجتمعنا العربي منذ قرون, والمتجددة في محطات التحول العالمية, لذلك وجب علينا وضع الحدود لهذه الموجات, التي لا تكتفي بحرماننا فرص الحوار من اجل التطوير بل هي تزيد في تعميق تناقضاتنا وخلافاتنا.

للتعمق انظر مكافحة التشهسر بالعرب: http://mostakbaliat.com/antiarabe.html#مكافحة

علينا ان نراجع بعض المبادئ والمسلمات السيكولوجية وتذكرها كخطوة اولى, ومن هذه المبادئ:

1¬ النبذ الاجتماعي: وهذا النبذ هو المسؤول غالباً عن معاداة المجتمع لدرجة الاستعداد لخيانته, وهنا علينا الاعتراف بأننا من اكثر الامم قدرة على النبذ والتفنن فيه.

2¬ الفئات الهامشية: هذه الفئات المنبوذة تكون غالباً محط اهتمام محاولات اختراق المجتمع. وهنا ايضاً نفرق بين محاولات اختراق سليمة النية وأخرى معادية للمجتمع.

3¬ استيراد العناصر الثقافية: حيث عجزنا عن انتاج عناصرنا الثقافية الخاصة واستيرادنا لهذه العناصر, بدءاً من لعب اطفالنا ولغاية ادوية عجائزنا وخطط رعايتهم.

4¬ العنف الاجتماعي: حيث الصراعات الداخلية تكاد تهدد كل الدول العربية, تدعمها العصبيات والانتماءات الفرعية, التي تعكس عجز التكامل الثقافي والاجتماعي.

امام هذه المعطيات مجتمعة لا بد لنا من التقرير بوجود قوائم طويلة من الاعذار والتبريرات لغالبية اشكال الخروج على معايير النظم الرمزية الخاصة بمجتمعنا العربي.

وحتى لا يكون كلامنا مغرقاً في النظرية فإننا نعطي بعض الامثلة العملية الدالة على وجوب التريث في الاحكام, بل والتخلي عن التكفير والتخوين, ومن الامثلة:

¬ عزمي بشارة: الذي نظر اليه لمدة طويلة على انه جاسوس اسرائيلي بدرجة نائب في الكنيست الاسرائيلي, وبعد ذلك نكتشف فيه مناضلاً صلباً؟!

¬ مروان البرغوثي: وهو من اوائل دعاة التطبيع مع اسرائيل, وهو نبذ فترة لهذا السبب, ثم تحول الى بطل بعد اعتقاله ومحاكمته.

¬ ادوار سعيد: الذي استقبل ببرود وتحفظ في البداية, ثم تحول الى ناطق باسم المثقفين العرب في اميركا.

وتطول قائمة الشخصيات التي تغيرت المواقف منها بتغير اللحظة السياسية وظروفها.

وهذه الوضعية تشبه الى حد بعيد وضعية يهود اوروبا بعد ازمة تكفيرهم للفيلسوف اليهودي سبينوزا, يومها اتخذ اليهود قرارهم بإلغاء تهمة التكفير حفاظاً على تلاحم الجماعة, وعندما عادت لليهود بعض القوة اطلقوا بديلاً للتكفير هو عبارة عن تهمة «اليهودي الذي يكره نفسه», وقد يكون من المناسب ان نصل الى هذا الحد الادنى من خفض سقف التكفير والتخوين السائد بيننا.

ونحن ندرك مدى صعوبة هذا الاستبدال المتساهل امام حدة بعض التظاهرات العدوانية ضد الامة والمجتمع من قبل افراد ينتمون اليهما, ويفترض ان يردعهم هذا الانتماء ويخفف من حدة عدائهم, بغض النظر عن الدوافع الكامنة لهذا العداء.

ويبقى تحديد معايير كره الذات عند العرب, وهو موضوع يحتاج الى مراجعة شاملة للشخصيات التي وقعت ضحية التخوين والتكفير, للافادة من هذه التجارب, وربما امكن اعادة الاعتبار لبعضهم في مثل هذه المناسبة.

ونفتتح الحوار باستبعاد الزعامات الحزبية والسياسية عامة, لأن طرح مثل هذه الحالات للنقاش كفيل بتفجير كل التهم والتناقضات وربما الشتائم, وعلى هذا الاساس نحصر النقاش بالمثقفين العرب المتأمركين لغاية إعلانهم كراهية أنفسهم واوطانهم والعروبة. حيث ضخامة عدد هؤلاء يحولهم الى ظاهرة, هي نتاج القهر والعدوان الاسرائيلي, المؤدي للتوحد بالمعتدي, ومع ذلك فإن على هؤلاء ان يحسوا بأنهم يكرهون انفسهم وهم يتعاملون مع عدوهم.

انها قضية مطروحة للنقاش بإلحاح, سواء من حيث تحديد معايير كره الذات, او من حيث ترشيح اولئك العرب الذين يسيئون لأنفسهم. وعليه فإن إنشاء جمعية مكافحة التشهير بالعرب هو ضرورة لمواجهة موجة العدوانية الحالية للمنطقة العربية بشعوبها ومستقبلها.

إنشاء منظمة المصالحة العربية.

شكل إحتلال العراق حدثاً مفصلياً في تاريخ المنطقة. فالشرق الأوسط لم يعد بإمكانه إستعادة معادلة توازنه الإستراتيجي السابقة للحرب. إذ أن هذه المعادلة كانت تستند الى ملحقات معاهدة فرساي التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. والتي أجرت قائمة من الجراحات الجغرافية الوحشية. ونقول وحشية لأن تقسيمات تلك المعاهدة تسببت في سلسلة طويلة من الحروب بدأت بالحرب العالمية الثانية ( جاءت محاولة إنتقام ألمانية على ظلم فرساي) ولم تنتهي حتى الآن. بل أن هذه التقسيمات كانت سبباً لحروب أوروبية وشرق أوسطية كما أنها تعد بجملة حروب جديدة في تلك المناطق.

للتعمق انظر جيوبوليتيك الشرق الأوسط الجديد: http://www.mostakbaliat.com/?p=1171

وهكذا فإن فهم الحقائق الجيوسياسية وتحدياتها في الشرق الاوسط ، بعد الحرب على العراق , لا بد له من رصد المتغيرات الاستراتيجية التالية:

1. فقدان إسرائيل لدورها الوظيفي في حماية المصالح الأميركية في المنطقة. وتحولها الى دليل سياحي للجنود الأميركيين. ومع هذا التحول إضطرار إسرائيلي لزيادة جرعة تبعيتها للولايات المتحدة.

2. دخول عوامل متغيرة جديدة على علاقة تركيا مع الولايات المتحدة. وأهم هذه العوامل الدعم الأميركي للأكراد. وهو يشكل تهديداً جغرافياً وقومياً للأتراك.

3. إنتفاء حاجة الأميركيين العملية الى أصدقاء عرب. وبحسب البراغماتية الأميركية فإن أميركا لم تعد مسنعدة لتحمل أية أعباء تفرضها هذه الصداقة.

4. تراجع دور القوى الإقليمية وبخاصة سوريا والسعودية مع نهاية الدور العراقي. حيث الوجود الأميركي يجعل الدول الصغيرة والمعارضات الضئيلة تتوجه مباشرة الى الأميركيين دون أن تقيم حساباً للقوى الإقليمية.

5. إنفجار رغبات الإنتقام من الجهات الداخلة في المعادلات الإستراتيجية السابقة للحرب على العراق. خاصة بعد الإنفجارات الإنتقامية التي رافقت وترافق الوجود الأميركي داخل العراق.

6. خروج لبنان من دائرة التفرد الإستراتيجي السوري. وهو ما شجعته الإدارة الأميركية بإعلانها ” سوريا بعد العراق / بيرل” وبتوجيهها تهديدات جدية للنظام السوري. مع السماح لإسرائيل بضرب عين الصاحب وبتوجيه تهديدات لاحقة لكل من لبنان وسوريا. ثم جاء القرار 1559 ليسجل عودة اللاعبين الأربعة الرئيسيين الى المسرح اللبناني. وهؤلاء اللاعبون هم تحديداً أطراف تفاهم نيسان وهم: سوريا وفرنسا وأميركا وإسرائيل.

7. يأتي إنهاء تفاهم نيسان كنتيجة منطقية للنقطة السابقة.

إنطلاقاً من هذه المتغيرات فإن على الدراسات المتعلقة بمستقبل المنطقة تركيز بحوثها الاكاديمية السياسية على محاور  ثلاثة هي:

1. السياسات القوية اقليمياً: حيث ترفض الولايات المتحدة توازن القوى السابق للحرب وتوجه تهديداتها بإتجاه هذه القوى تحديداً. مع تشجيعها القوى الأصغر للتمرد على هذه القوى الإقليمية لإفقادها عمقها الإستراتيجي.

2. المؤسسات الاقليمية: حيث تمكنت حرب العراق من إعلان دخول الجامعة العربية قي غيبوبة لا سابق لها. إذ عجزت هذه المؤسسة عن تحقيق تسوياتها التقليدية الهادفة ومنذ سنوات لمجرد إنقاذ ماء الوجه. فجاءت حرب العراق لتهدر ماء وجه هذه المؤسسة. بحيث بات حضورها فولكلورياً بحتاً.

3. القوى الخارجية والانماط الاقليمية: أدت حرب العراق الى إقلاب الموازنة السابقة لها. إذ لم يعد لبنان خاصرة استراتيجية لسوريا. وبالتالي لم يعد مسموحاً لها بربط المسارين التفاوضيين بين البلدين وإسرائيل. وجاء القرار 1559 ليعلن عودة اللاعبين الكبار جميعهم الى لبنان. مع ما يشكله ذلك من تهديد للتوازن السوري وقدرته التفاوضية. وسط حصار إقتصادي أميركي محدود يهدد بالتصعيد. كما تصاعدت لهجة المطالبة الأميركية بمحاسبة السعودية عبر موجة من الكتب والتصريحات التي تتهمها بالتدخل في الداخل الأميركي. اما إيران فقد تم فتح ملفها النووي بحيث أصبحت كل القوى الإقليمية تحت سيطرة وتهديد أميركيين وعالميين.

أما عن الترجمة العملية للتعاطي الأميركي مع هذه المحاور التي تشكل السياسة الجديدة للإحتواء الداخلي فهي التالية:

الرغبة الأميركية في إلغاء أية قوة إقليمية

بالنظر الى التقسيم الهيكلي للسلطة في النظام الاقليمي, فإن سيطرة أميركا على المنطقة ستؤدي في المستقبل المنظور الى منع ظهور أو بقاء اي طرف مهيمن اقليمياً أو مناطقياً. وأمام المعوقات الاميركية لهذه السيطرة فإن الأميركيين سيلجأون الى تبني العمليات المخابراتية القذرة أو السوداء ( تحريك الأقليات وجماعات الحقوق الأميركية وربما العمليات السوداء القديمة من إغتيالات وتهديدات وإنقلابات وغيرها… ). يدفعهم الى ذلك عجزهم عن تورط عسكري أكبر في المنطقة بعد التكلفة الغالية لحرب العراق. وهذا ما تبدت طلائعه بتحريك الأقليات في سوريا وايران خصوصاً مع التلويح بإمكانية إذكاء صراعات أهلية في السودان والعديد من الدول العربية. وفي هذا الإطار يمكن تصنيف أحداث القامشلي ومبالغات المجتمع المدني وحقوق الإنسان في سوريا مع الإشارة الى تزامن هذه التحركات بسبب ضعفها وضآلنها. حيث التزامن يزيد الإرباك ويعطي حجماً أكبر للظواهر. وربما كان التضخم الأوضح يكمن في إيصال الإنتخابات الرئاسية اللبنانية الى مجلس الأمن وإستصدار القرار الدولي 1559 بشأنها. وفي هذا إعلان صريح عن قدرة الأمركة على عولمة تحركاتها وضغوطاتها وأهدافها الإستراتيجية. وفي هذه المرحلة سيسعى الأميركيون بجد للحد من التلهي الإسرائيلي في الإنتفاضة لتحرير إسرائيل من أعبائها وتجهيزها لتنفيذ عمليات قذرة ضد جيرانها أو المشاركة فيها. وتأمل السياسة الأميركية بذلك أن تدفع بالدول الإقليمية القوية المحتملة للتفكير في الإنخراط في وضعية الوجود الاميركي. ( وهنا لا تكتفي الولايات المتحدة بتفاهمات تحقق لها مصالحها بل هي تهرب الى الأمام بطلبات ضاغطة لإثبات الإنخراط في سياساتها. كمثل الورقة اللبنانية والمعارضة المتأمركة وإغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية …) اما الدول الاصغر والاضعف فهي سوف تستغل الفرصة للتعامل مع الولايات المتحدة مباشرة. وربما على قدم المساواة مع القوى الوسطى في المنطقة. ( وهذه نقطة رهان المعارضة اللبنانية المتأمركة ضد سوريا على سبيل المثال). ففي العقود الماضية, كانت الدول الاصغر تفكر ملياً في رغبات القوى الاقليمية واعتباراتها قبل اتخاذ اية خطوة مهمة في السياسة المحلية او الخارجية.

مثال ذلك تلك المقدمات التي تتمثل بخطوات مثل اعلان حاكم البحرين نفسه ملكاً ومن ثم عقده إتفاق تجارة ثنائي مع الولايات المتحدة, او اتخاذ سلطان عمان قراراً باقامة انتخابات عامة, او انشاء دبي لمنطقة “اعلام حرة” حيث يمكن للمستثمرين أياً كانوا ان يتمتعوا بالحرية الاعلامية..الخ. فكل هذه الخطوات ما كانت لتتحقق لو أُخذت في الاعتبار الحساسيات الاقليمية مجتمعة. إذ أن هذه الدول الصغيرة باتت تنظر الى رد فعل واشنطن وتهتم به دون الإهتمام بردود فعل اي عاصمة اقليمية قبل الاقدام على اي خطوة. وهذا يبرر إهتمام القيادات الاقليمية بأن تراقب عن كثب تطورات السياسية الداخلية للدول المجاورة.

والامر سيان بالنسبة الى مصر التي يبدو دورها يتضاءل اكثر فأكثر. فالقاهرة لن تضطلع بأي دور ريادي في امور الخليج الأمنية مثلاً. وهي تفضل عوضاً عن ذلك ان تكون مفيدة في جوارها القريب. أن اي ان تكون وسيطاً بين الاسرائيليين والفلسطينيين او حتى بين الفصائل الفلسطينية المختلفة. كما يمكن لمصر أن تلعب دوراً رئيساً في المغرب العربي عبر ما يسمى بالشرق الأوسط العظيم. حيث يمكن لإعادة ترتيب المغرب أن تعيده منطقة نفطية غنية قادرة على إستيعاب العمالة المصرية الفائضة. وان تجعله سوقاً هاماً للمنتجات المصرية.

اما عن التأثير السوري في المنطقة ،وفي لبنان تحديداً، فهو يتعرض لتحديات تشبه تحديات البحرين والإمارات وقطر للسعودية. مثال ذلك دفع الامور لتحقيق الخروج السوري من لبنان. وتشجيع الولايات المتحدة لذلك عبر قانون مراجعة سوريا (وليس محاسبتها) كما عبر القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن. وعبر قائمة من السياسيين اللبنانيين المرتبطين بالسياسة الاميركية او المراهنين عليها. وهؤلاء رأوا أن السيطرة السورية على لبنان , مسألة وقت لا اكثر, وذلك بسبب الضغوط الاميركية والفرنسية من جهة, ولإعتبارهم أن الاسباب التي تضفي شرعية للوجود السوري في لبنان كالحرب الاهلية والمواجهة مع اسرائيل, لم تعد مقبولة محلياً ودولياً. لكن هؤلاء يهملون خلفية المشهد السياسي الأميركي. ومن مناظره رفض وزير الخارجية باول استقبال ميشال عون رغم الحاحه. وأيضاً إدلاء عون بشهادته في غرفة خلفية في الكونغرس بما ينتقص من اهمية شهادته. فالولايات المتحدة تريد مساومة سوريا على الورقة اللبنانية لكنها لاتريد اسقاط هذه الورقة التي قد تضطر اميركا للعبها في حال خروجها من المنطقة.

واذا إستمر غياب عنصر الهيمنة الاقليمية والمحلية, سيتوجب على الباحث الاكاديمي السياسي ان يسأل عن نتائج التعاون الاقليمي في ظل التبعات السلبية التي يتركها السعي الى الهمينة على التعاون السياسي والاقتصادي في المنطقة. وهذا السعي ليس المسؤول الوحيد عن فشل محاولات عدة لمأسسة العلاقات العربية وتأطير التعاون الاقتصادي, لكنه من دون شك عنصر مهم جداً في هذا الفشل.

توجّهـات مؤسساتيــة جديــدة

في ظل السعي للهيمنة الإقليمية بدت جامعة الدول العربية غير معنّية بالاحداث الجارية, وعلى رغم ذلك, بقيت على قيد الحياة. ثم أتت الحرب على العراق ، والفترة اللاحقة للحرب , لتقلّصا أكثر فأكثر شرعية الجامعة العربية والاهمية التي توليها لها الدول الاعضاء. حتى باتت إستمراريتها جزءاً من الفولكلور السياسي العربي. وكان من الطبيعي أن يعزز عجز الجامعة توقعات ظهور مؤسسات اقليمية جديدة. بحيث يتجلّى لنا جيداً انبعاث منظمات اقليمية جديدة أو منظمات فرعية ينحصر هدفها في المصلحة المشتركة العملانية بدلاً من القومية وتضع نصب عينيها أهدافاً تقتصر على المكان والفعالية والوقت بدلاً من ” المهمة الابدية العقائدية ” التي أصبحت جالبة للتهم وللسخرية الأميركية. لكنها كسبت مواقع جديدة تتعزز بتنامي العداء الاميركي للمنطقة وردود فعلها على هذا العداء.

هذا ويمثل جيران العراق مثالاً على ذلك, فقد قام ممثلوهم الذين يضمون الدول العربية وغير العربية (ايران وتركيا) المحاذية للعراق, اضافة الى مصر, بالجلوس الى الطاولة مرات عدة ناشدين هدفاً محدوداً لكن محسوساً. وهو التباحث في مسألة تنسيق السياسات في ما يتعلق بالحرب الدائرة في العراق أولاً. ولاحقاً بنتائجها الاقليمية ووضع العراق الجديد في ظل الاحتلال الاميركي. وهنا يظهر سؤال واحد ينبغي عرضه على بساط البحث, وهو احتمال أن يتطوّر تجمع مماثل ليصبح نواة بنية فرعية أكثر استمرارية تابعة لمنظمة اقليمية للامن والتعاون على غرار لجنة الامن والتعاون في اوروبا/ ومنظمة الامن والتعاون الاوروبية مع احتمال مشاركة الفاعلين الدوليين الذين يشكلون رباعية الشرق الاوسط ( الولايات المتحدة, الاتحاد الاوروبي, روسيا, الامم المتحدة).

كما أنه من المرجّح أن تطرأ تغيرات ايضاً تمسّ مجلس التعاون الخليجي, فاليمن والعراق يدقّان ابوابه, بل أهم من ذلك أنّه ينبغي اعادة النظر في هذه المنظمة التي هدفت اساساً الى تعزيز النظام الملكي الخليجي ضد التهديدات التي تشكلها ايران والعراق. والتي فقدت مبرر وجودها بعد احتلال العراق واحتواء ايران بتواجد اميركي على حدودها. كما أنّ تجمّعاً فرعياً توحّده المصالح المشتركة قد يتشكّل من تلك الدول العربية التي تتشارك مصالح رئيسة في الصراع العربي – الاسرائيلي وهذا مثال آخر. حالياً, تتشكّل نواتان لمثل هذا التجمع هما:

أولاً: ما يسمّى باللجنة التابعة لجامعة الدول العربية (التي تتألف بشكل رئيسي من مصر والمغرب والسعودية وسورية) التي أبصرت النور لمتابعة تطبيق خطة السلام العربية التي تم اعتمادها في القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002. والتي يمكن تطويرها للسعي من أجل تحديث هيكلية الجامعة وتطويرها.

ثانياً: مجموعة الدول التي اختارتها الولايات المتحدة (مصر, الاردن, المغرب, السعودية, البحرين, السلطة الفلسطينية) وقد اجتمع ممثلوها بالرئيس الاميركي جورج بوش في قمة شرم الشيخ التي عقدت في حزيران (يوينو) 2003.

هذا ولم تفضيَ حداثة اطر العمل هذه الى شيء افضل مّما يوجد أصلاً. وفي الواقع, ينبغي أن يركّز البحث في توجيه السياسة الى الفرص والعوائق التي تقف امام هذه التجمعات وتحول دون تطوّرها الى عناصر راسخة لهيكلية أمنية اقليمية وأداة تسهم في الوقاية من الازمات وحلّها, والى صلة وصل بين القوى العالمية المحرّكة كما الى تطوير المؤسسات الاقليمية. وهنا يأتي تدخل القوى الخارجية لإبقاء كل مشاريع منظمات التعاون الإقليمي تحت السيطرة الخارجية والأميركية تحديداً.

الإصلاح العربي والجامعة العربية

يتنازع كل من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مشاريع الإصلاح في الشرق الأوسط. فيسعى الأوروبيون لفرض الإصلاح من الخارج ولكن بقفازات. في حين يؤكد الأميركيون على أن الحرب على المنطقة ( تحت تهمة الإرهاب ) هي البداية الفعلية للإصلاح. ومن جهتهم فإن العرب لا يملكون أي مشروع إصلاحي يمكنه أن يطرح الى جانب المشروعين الأوروبي والأميركي.

إن قدرة الجامعة العربية على تقديم مثل هذا المشروع ستكون المعيار الرئيسي لإمكانية إنقاذ المؤسسات الإقليمية والدول المنخرطة فيها من عثرات المشروعين السابقين. وفي تصورنا أن الجامعة تملك قدرات متفردة لإطلاق مشروع إصلاح عربي شامل من خلال الوساطة بين الدول العربية ومعارضاتها. وهي وساطة تقدم بديل لجوء المعارضات العربية الى الأميركيين تحت ستار المطالبة بالديمقراطية وبالحقوق. حيث تقدم المعارضة العراقية المثال النموذجي لهذه المعارضات. إذ تمخضت الحرب العراقية عن تحالفات أميركية مع معارضات هشة وشديدة الضعف. بإستثناء الجهات المعارضة المرتبطة بجهات إقليمية دفعت بها لمشاركة الأميركيين. والأميركيون يدركون جيداً تبعية هذه المعارضات للجهات الإقليمية وعدم تبعيتها لهم. بما يطرح السؤال حول توظيف الاميركيين للمعارضات الهشة المستعدة للتعاون معهم بسبب هامشيتها وإنعدام فعاليتها. فهل يكتفي الأميركيون بمجرد أسماء تدعي الفعالية؟. أم أنهم يحتاجون الى معارضات فاعلة تخدم أهدافهم بصورة فاعلة؟. مهما تكن الإجابة فإنهم يفضلون تعاون معارضات فاعلة تدعم مشاريعهم الديمقراطية ومحاربة الإرهاب. ومن جهتنا فإن الحفاظ على إستقرار منطقتنا ،بعيداً عن الحروب الأميركية، عن طريق مصالحة المعارضات العربية مع الجهات الرسمية. فهذه المصالحة تنزع من المعارضين الفاعلين كل التبريرات لتعاونهم مع الأجنبي. وهي أيضاً تؤمن لهم فرص الحوار المؤدي الى نيل حقوقهم ومطالبهم بدون اللجوء الى معاداة المجتمع وسلطاته.

ولو أننا راجعنا التهديدات الأميركية المنثورة على دول المنطقة فإننا نستنتج حاجة هذه الدول لتحصين بيتها الداخلي عبر مثل هذه المصالحات. ومن هنا ضرورة إنشاء المنظمة العربية للإصلاح. حيث المصالحات السياسية هي مقدمة الإصلاح الحقيقي وعكسها تجميع المعارضات العربية بإتجاه إشعال الصراعات الداخلية لغاية الحروب الأهلية.

المنظمة العربية للإصلاح

في عودة الى الفترة التالية لحوادث 11 أيلول نجد تحركات عراقية جادة بإتجاه مصالحة المعارضين العراقيين. ونلحظ نجاح هذه التحركات في مصالحة معارضات فاعلة وقوية في الساحة العراقية. فإذا ما وصلنا الى المؤتمرات الأميركية للمعارضة العراقية وجدنا غياب قطاعات عراقية واسعة عن التمثل في تلك المؤتمرات. وبعد متابعة الشخصيات والجهات المشاركة في تلك المؤتمرات نجد أنها تعرضت للفضيحة بعد إحتلال العراق. فهذه الزعامات الإفتراضية لم تكن قادرة على حماية نفسها بالرغم من الإحتلال الأميركي للعراق. وهي فضيحة طالت المخابرات الأميركية الى جانب الفضيحة الداخلية العراقية. إذ لعبت دور الغطاء للإحتلال الأميركي مع كونها مرفوضة شعبياً. وهو الرفض الذي أكدته أحداث ما بعد إحتلال العراق والشعبية التي تمتعت بها المقاومة العراقية في العراق والدول العربية. وهذه التجربة العراقية تطرح السؤال حول فعالية منظمة المصالحة العربية طالما فشلت هذه المصالحة في الحالة العراقية. إلا أن السؤال يسترد عندما نعلم أن السلطة العراقية آنذاك فشلت في تحقيق الإتصال ، وبالتالي المصالحة، مع المعارضات المدعومة من جهات إقليمية. وهي معارضات بالغة التأثير والفعالية من المؤمل أن تستطيع الجامعة العربية تحقيق المصالحات على صعيدها. ولعله من الطبيعي أن تحتاج السلطات الى الوساطة في إتصالاتها مع معارضيها وبخاصة المزمنين منهم. وتتصاعد أهمية هذه الوساطة المؤسساتية العربية في ظروف التواجد العسكري الأميركي في منطقتنا. حيث الكيانات القطرية مهددة أميركياً وعلى أكثر من صعيد. وحيث المعارضات الفاعلة تريد تجنب شبهة التعاون مع الأميركي ولا تريد أن تفوت فرصة تحصيل ما تعتبره حقوقاً لها. فهل تتحرك جامعة الدول العربية بإتجاه هذا الدور الذي يدعم فعاليتها الإجرائية ويؤمن للدول الأعضاء خدمات وساطة ضرورية للوقاية من الطروحات والمشاريع الأميركية المتطرفة لغاية تهديد كل الكبار بكل الصغار؟. وهذا يقودنا لطرح جملة تساؤلات تفسر هذه الطروحات الأميركية الضاغطة ومنها التالية:

1. هل يمكن فصل سلوك البحرين تجاه السعودية عن حاجتها لإستيعاب المعارضة الشيعية لملكها ولنظامها القائم؟.

2. هل يمكن فصل صفقة إيران مع شركة هاليبرتون عن تهديدات تحرك الأذربيجانيين والداخل الإيراني؟. وهل تفصل هذه الصفقة عن الضغوط الأميركية على الجوار العربي للعراق؟.

3. هل يمكن فصل تشدد المعارضات العربية وتطرف بعضها عن التهديدات الأميركية لدول المنطقة؟.

4. هل نستطيع إنكار الحاجة الى وساطة عربية أمينة لتقنين الخلافات داخل العربية وإعطاءها أحجامها الصحيحة وإبعادها عن المبالغات والطمع في مقابل الجمود؟.

تطول قائمة هذه الأسئلة وبعضها شديد الإحراج فهل يجد طرح هذه المنظمة من يتبناه كخطوة عملية إجرائية على طريق إحياء دور الجامعة وإنعاشها قبل أمركة كل المعارضات العربية.

احتـواء التمويل المخابراتي الاميركي

برزت قضية رئيس مركز ابن خلدون الدكتور سعدالدين إبراهيم ومحاكمته في مصر بتهم تتعلق بالتمويل الأجنبي لمركزه وأهداف التمويل، لتؤشر على صعوبة وتعقيد في طرح الملفات المتعلقة بهذا النوع من التمويل، خصوصاً في ظل أنظمة حكم عربية تتعامل بكثير من الاستنسابية مع كل أشكال العمل السياسي والأهلي. والدكتور ابراهيم مثال عن العرب المتطرفين في كراهية انفسهم وعروبتهم.

للتعمق انظر التمويل الاميركي المشبوه: http://www.mostakbaliat.com/amedist.html

ومن الموضوعي القول بان طريقة استخدام المخابرات الاميركية للعرب كارهي انفسهم (الضباع) في العراق ولبنان ومصر وباقي الدول العربية كافية لاشتراط تخلي الاحزاب والجماعات والافراد عن التمويل الاميركي والخارجي ان هي رغبت بالدخول في سيرورة المصالحة المطروحة.

وبما ان المخابرات الاجنبية تستسهل في الفترة الاخيرة اختراق المجتمعات العربية عبر منتديات ومدونات الانترنت فقد نشرنا مؤخرا رؤية بعنوان: ” سـوء الاستغلال السـياسي للنشاطات الرقمية” ويمكن الاطلاع عليها عبر الرابط التالي: http://www.mostakbaliat.com/?p=895

مواجهة الفوضى الجيوسياسية الراهنة في المنطقة العربية

وكنا قد اشرنا لها في بحثنا المقدم في مؤتمر الذكرى الاولى لسقوط بغداد بعنوان ” التداعيات المستقبلية لإحتلال العراق” انظر:

http://www.mostakbaliat.com/?p=1166

د. محمد أحمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*