أهم الأخبار
الرئيسية / افتتاحية المركز / صـدمة الخروج من السـلطة

صـدمة الخروج من السـلطة

بعد طول غياب يختلف اللبنانيون على دوافعه ظهر الرئيس سعد الحريري مساء الثلاثاء 13/7/2011 ليوجه كلمته الى اللبنانيين من أشاوس حزبه وقوى 14 آذار الحليفة في الصفقات الخاسرة.

البعض يعيد غياب الحريري الى افلاس شركاته التجارية المرتبط بفضيحة فساد احداها في السعودية وكذلك المرتبط بخلافات داخل عائلة الحريري.

فيما يميل البعض لتفسير هذا الغياب على انه يتفادى تفجير الخلافات التي فجرتها تصرفات الحريري مع الحلفاء والاصدقاء. فالغياب يؤجل المعاتبات ويؤخر اعلانات الانشقاقات داخل 14 آذار.

اما جمهور العوام من اتباع الحريري فقبلوا دون نقاش كالعادة ان الغياب مرتبط بمؤامرة اغتيال. لكنهم بتساءلون عن مصير الرواتب والمساعدات التي انقطعت عنهم فجأة؟.

تبقى فرضية مؤامرة تكمل التوقعات وقوامها ابتعاد الحريري بانتظار انهيار النظام السوري والتي عبر عنها احد زجالي الحريري من بروكسل على طريقته في الميجانا السياسية الفارغة من اية ابعاد سياسية. والقائمة على مبدأ المنطق الموازي وهو من سمات الجنون الاضطهادي او من مهارات استخدام مصطلحات دون فهم معانيها او من الاثنين معاً…

ظهور الحريري مساء الثلاثاء نسف كل هذه النظريات والفرضيات ليثبت بان الرجل يعاني من “صدمة الخروج من السلطة” بما يجعل باقي الفرضيات ثانوية حتى في حال وجودها الفعلي.

هي صدمة نفسية يعيشها الحريري رغم محاولات توريتها ورغم تجنب المحاور وليد عبود اثارة كل ما يمت اليها بصلة والتزامه بالاسئلة المحددة سلفاً والتي تدرب عليها الحريري بصورة مرهقة عكستها طلاقة ليست من صفات الحريري كمحاور.

هذه القراءة تدعي الموضوعية بل وتؤكد علميتها عبر طرحها للمراجعة على ايدي اطباء متخصصين حياديين. وفيها ان علائم صدمة الحريري النفسية تجلت من خلال المقابلة بالمظاهر التالية:

1 – الانقطاع عن الواقع: حيث بدا بجلاء ان الحريري يعيش واقعه الخاص الذي يعجبه متجاهلاً رؤية الواقع الفعلي والعملي المعيش. والمحكمة احد عناصر هذا الواقع الافتراضي الحريري. ولكل يعلم ان هذه المحكمة تحتاج الى سنوات بحيث لا يعقل ان يعلق زعماء سياسيون نشاطهم السياسي كل هذه الفترة. اما حديث الحريري عن خطوات قريبة اقترحها كزعيم للمعارضة فهو حديث منقطع بدوره عن الواقع. حيث لا يدرك الحريري انه لم يعد قائد 14 آذار وزعيمها كما كان العام 2005. حيث الواقعية السياسية التي دفعت بزعامات 14 آذار لخدمة السوريين لقاء تأمين حصتها في السلطة كان لعابها يسيل امام الوعود الميقاتية للتوزير. وان الرئيس الميقاتي نجح في احداث انقسامات مؤجلة في صفوف الحريري وحلفائه.

2 – إجتزاء الواقع: تجنب المحاور كعادة محاوري الحريري التلفزيونيين اثارة جوانب الوقائع السياسية بشموليتها فالتزم بالاسئلة والمواضيع التي لا تحرج الحريري وتكشف عـيَّ الكلام عنده. وهذا التواطوء ابقى الحريري ضمن واقعه الخيالي المتصور. حيث تجنب اثارة مواضيع مثل الخلافات داخل العائلة الحريرية وداخل 14 آذار وحتى داخل حزب المستقبل المتحول الى اجنحة والآوضاع المالية لشركات سعد الحريري والعلاقات مع السعودية التي اعطت الضوء الاخضر للرئيس ميقاتي في مقابل تخوين الحريري له. فيما اوردت ويكيليكس تصوير الميقاتي لسعد الحريري على انه غبي سياسياً…. الخ من المواضيع.

3 – البطولات الوهمية: تجنب الحديث عن معوقات الفعل السياسي الحريري فتح الابواب امام عبارات من نوع: لو اردنا السلطة فنحن نعرف كي نحصل عليها…. سوف نسقط حكومة الميقاتي بالضغط الشعبي…. الميقاتي والصفدي وصلوا الى البرلمان باصوات الحريري…. المحكمة الدولية غير قابلة للسقوط…. الحوار هذه المرة سيتركز على سلاح حزب الله… وهذه مجرد أمثلة عن وهمية الحريري.

فقد بات معلناً ان الحريري سعى بكل ما يملك ولايزال يسعى للعودة الى السلطة. حتى ان مقربيه عرضوا شيكات على بياض لبعض النواب كي يعارضوا تكليف الميقاتي. ونكتفي بذكر رفض النائب/ الوزير احمد كرامي لاحد هذه الشيكات. وهي الطريقة التي يعرفها الحريري للوصول الى السلطة. اما عن وهم الضغط الشعبي فان فضيحة حزب الحريري في يوم الغضب في طرابلس تبعد مجرد الحديث عن هذا الضغط. حيث كان عدد المشاركين ضئيلاً ومن خارج طرابلس وهم تحولوا الى العنف واحرقوا سيارة ارسال لقناة الجزيرة وتتبعوا صحافيين بقصد قتلهم. اما عن وصول الميقاتي والصفدي باصوات الحريري فتكفي الاشارة الى ان تحلفهما مع الرئيس كرامي كان كفيلاً بانهاء تمثيل الحريري في طرابلس. اما عن سقوط المحكمة الدولية فهو ينتظر احدى الصفقات التي يحضر لها في المنطقة. وبالوصول الى سلاح حزب الله فان وهم نزعه لا يزال يدرج في خانة الهذيان السياسي لغاية الآن على الاقل.

4 – التحالفات الموهومة: بدا الحريري في مقابلته بعيداً عن واقع المتغيرات السياسية في المشهد اللبناني. حيث انقسام حزب المستقبل الى اجنحة مع الاختراقات الاميركية والفرنسية للحزب اضافة للاختراق القواتي لقيادات في المستقبل. وهو مشهد يزيد اضطرابه التقصير المالي الحريري في المساعدات كما في الرواتب. كما تحدث الحريري عن صداقاته الحميمة مع زعامات 14 آذار وكلها تخطت هذا التحالف الى مشاريعها الخاصة. ولم يك موفقاً تركيزه على صداقته مع سمير جعجع القاتل الخارج من السجن. وتحديداً قاتل الزعيم السني الكبير رشيد كرامي. فهل يريد الحريري من السنة الوطنيين ان ينتظروا اعتقال واحكام اعدام قتلة رفيق الحريري ليتحالفوا معهم رداً على استهانة سعد بدماء رشيد كرامي وتحت عنوان “الوحدة الوطنية”؟!…

5 – النسايات الهيستيرية: تحدث سعد الحريري في سياق ثغرات ذكروية خطيرة. فاذا كانت وثائق ويكليكس مقصورة الانتشار على قراء الصحف فان تلفزيون نيو تي في قد اوصل الحقيقة ليكس الى ملايين المنازل العربية. وهي سجلت وتم تداولها على نطاق لا يسمح بتجاهلها. وهذه النسايات حولت حديث الحريري وفكره الى حالة من الهيستيريا السياسية التي احبطت مؤيديه قبل معارضيه. اذ تدخل في هذه النسايات تحدي الحريري لحزب الله في 5 ايار 2008 بقوله “إذا ارادوا معركة فنحن لها” وكانت 7 ايار ولم يك لها لا الحريري ولا حلفائه. بما لا ينسجم مع قول سعد اننا غير مسلحين بمن فينا سمير جعجع. ومن النسايات ايضاً يوم الغضب الطرابلسي ومثله كل محاولات الحشد الفاشلة لحزب المستقبل في ظروف ومناسبات لا تحصى.

6 – العواطف الحريرية: بانسانية حالمة اعلن سعد الحريري تعاطفه مع الشعب السوري متناسياً اعلان تعاطفه مع الشعب اللبناني الذي قهره الحريري عن طريق المال السياسي وشراء الذمم. والاهم تناسي الحريري الاعتذار عن سوء اختياره للشخوص التي نصبها على اللبنانيين وكل واحد منها اهانة وعار سياسي على الشعب والبلد معاً. فهل لم يصل الادراك الحريري الى فهم مستوى العيب في شخوصه كي يقارنها تحديداً بالرئيس ميقاتي والوزير الصفدي. وهؤلاء يدفعون من حر مالهم وينفقون على مؤسسات تغيث الشعب الطرابلسي بالمقارنة مع كهوف السرقات الحريرية التي وجه لها سعد الاعتذار. وكل يعتذر حسب قامته.

هذه الملاحظات على اختصارها وتبسيطها تؤكد ان سعد الحريري لا يزال عاجزاً عن تعقيل فكرة خروجه من السلطة مع معاناته لاضطرابات الصدمة النفسية الناجمة عن الخروج من السلطة. وتحت صغط هذه الصدمة النفسية يبدو الحريري مستعداً للتورط بما يتجاوز قامته كثيراً….

د محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*