أهم الأخبار
الرئيسية / استراتيجيا / قـراءة انثروبـولوجية للاحتجاجات الســورية

قـراءة انثروبـولوجية للاحتجاجات الســورية

إستخدام مصطلح المؤامرة ،ووسائل تصنيعها وتكرار وتنوع أساليب تنفيذها، للحديث عن متغيرات الساحة السورية تبرره كمية الوثائق السرية المنشورة حتى الآن بخصوص التآمر على سوريا (انظر في هذا الفصل الكتب الفرنسية التي تميط اللثام عن سعي الرئيس شيراك لاسقاط النظام السوري اضافة لوثائق ويكيليكس السورية والحقيقة ليكس وغيرها) واستهداف نظامها باستغلال الواقع الجيواستراتيجي السوري ما بعد احتلال العراق. اذ فقدت سوريا بهذا الاحتلال بعدها الاستراتيجي الوحيد ،المتمثل بالعراق، الذي استبدل نظامه بوجود عسكري اميركي يقطع حبل الوريد السوري العراقي. ما وضع سوريا في حالة اختناق جيوبوليتيكي حاولت واشنطن إكماله بانتخاب رئيس لبناني معاد لسوريا بغية تحويل لبنان الى مشارك في خنق سوريا. ومع التمديد للرئيس لحود لجأت واشنطن ،للهدف نفسه، الى اطلاق معارضة لبنانية للوجود السوري في لبنان اضافة لاستصدار قانون اميركي لمحاسبة سوريا والقرار 1559 وفق ملابسات سنتطرق اليها لاحقاً.

اكتمل الحصار الاميركي بتشديد الخناق الاقتصادي على سوريا في محاولة لدفعها نحو وضعية الدولة الآيلة للسقوط. الا ان حفاظ سوريا على نمط الاكتفاء الذاتي الاشتراكي مكنها من مواجهة هذه الوضعية. وان بثمن تضحيات شد الحزام التي ساهمت في التململ الشعبي من تردي المستوى المعيشي وتالياً باطلاق الاحتجاجات السورية مطلبية الطابع.

اما على صعيد الاقليم فقد جهدت واشنطن لاقناع دول المنطقة بان هنالك فرصة سانحة قد لا تتكرر بدخول سوريا هذه الوضعية. وهي جهود لا تزال مستمرة اذ تقول الاوساط السياسية العربية المقربة من واشنطن بان التحرك الشعبي السوري سيقود لاسقاط النظام عن طريق الاقتصاد. اذ ان الدولة السورية على وشك اعلان العجز عن دفع رواتب موظفيها بحسب هؤلاء كما بحسب وسائلهم الاعلامية.

حالة الاختناق الجيوبوليتكي السورية كانت من ملحقات مخطط احتلال العراق الذي يؤدي تلقائياً لهذا الاختناق. بما يستتبع الاعلانات الاميركية عن دمشق كمحطة أميركية تالية لبغداد. كما ان هذه الحالة عزلت سوريا عن الدول العربية الصديقة لامريكا. بما يطمئن هذه الدول ويشجعها على اتخاذ خطوات تعزز الاختناق السوري. خاصة بعد التسويق الاميركي لاسرائيل في تلك الدول العربية عن طريق التهويل بالخطر النووي الايراني ووضع ايران في اعلى قائمة الاولويات المهددة لهذه الدول مع تراجع الخطر الاسرائيلي على هذه القائمة. وهو ما عمق الهوة بين هذه الدول وبين سوريا الممانعة والتي تركز على كون اسرائيل العدو الحقيقي للأمة العربية والتي تلتقي مع ايران في هذه النظرة لاسرائيل.

هكذا اصيبت الاستراتيجيات العربية بحالة فصامية (شيزوفرانيا) حيث برز تسامح قائمة من الدول العربية مع اسرائيل حتى باتت الاخيرة تتحدث عن حلفها مع هؤلاء العرب لمواجهة ايران. وهو الحلف الذي سوق له نظام مبارك وكرسته الاعلانات المصرية عن الخوف من ايران (مع اهمال كل مباديء ونظريات الجيوبولوتيك كون ايران تبعد آلاف الكيلومترات عن مصر ما يجعل الخوف المصري منها هيستيرياً بحتاً). هذا ووجد الحلف العربي الاسرائيلي ضد ايران ترجمته في الدعم العربي للحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز 2006 حيث تبين وثائق ويكيليكس ،المعروضة في هذا الفصل، أن المسألة تجاوزت الدعم العربي لتلك الحرب الى الطلب من اسرائيل كي تمددها علها تقضي على حزب الله. حيث مقاومة حزب الله لاسرائيل تقابلها علاقته بايران. ما يرجح كفته لدى مدركي الخطر الاسرائيلي وما يرجح كفة اسرائيل على حسابه لدى المستخوفين اميركياً من ايران. لغاية دعوة السفير السعودي في لبنان لنظيره الاميركي الى تسليح ميليشيات سمير جعجع وفق وثائق ويكيليكس المعروضة ادناه.

مهما يكن فان حرب تموز أثبتت لكل اللاعبين في المنطقة ان سوريا تبقى رقماُ صعباً في معادلات المنطقة. فهي لم تكتف بدعم حزب الله بل هي حظرت على اسرائيل قصف مناطق لبنانية متاخمة لحدودها تحت طائلة دخول سوريا الحرب ضد اسرائيل.

هكذا خرجت سوريا من مخاض احتلال العراق ومخاض الاتهام باغتيال الحريري كما من حافة هاوية حرب تموز رقماً صعباً مبعدة الايحاء الاميركي بكونها دولة آيلة للسقوط. ولم يبقى امام واشنطن وحلفائها الاقليميين والدوليين سوى السعي لاسقاط النظام من الداخل. وهو ما يبعد عن التحرك السوري المعارض للنظام اية صلة قرابة بالثورات الشعبية العربية. وذلك لجملة اسباب ابرزها التالية:

1 – ان قرار اسقاط النظام من الداخل هو نسخة طبق الاصل عن محاولة اسقاط النظام الايراني من الداخل. حيث المقارنة بين بنية المعارضة الايرانية الفاشلة ونظيرتها السورية تؤكد فشل الاخيرة المسبق.

2 – ان تحركات داخلية سورية عديدة سبقت التحرك الاخير وهي تحركات ثبت برمجتها من قبل المخابرات الاميركية. حيث نعدد سلسلة التحركات الكردية في الداخل السوري. التي جاءت رداً اميركياً على تسهيل دخول المقاومين الى العراق عبر الحدود السورية.

3 – ان تحرك المعارضة السورية المستغل لاجواء “الربيع العربي” ،وفق الاماني الاميركية، لا علاقة له البتة بالقواعد التي ارستها الثورات (راجع الفصل العاشر: الثورة التونسية) واهمها: سلمية التحرك (تنسفها كمية الاسلحة المتدفقة للمعارضة السورية) والعناوين الوطنية المشتركة (مفقودة في الحالة السورية حيث لكل مكون معارض مطالبه الفئوية الخاصة: مطالبة الاكراد بالتجنيس وبعض الاحزاب بالترخيص… الخ). بما يعادل فقدان القدرة على تنظيم التحركات. اما عن شفافية خلفيات التحرك فان غموض تعريفات القوى الواقفة خلف الاحتجاجات السورية كاف لكشف الشبح الاميركي الداعم لهذه الاحتجاجات مباشرة او عن طريق أدواته الاقليمية. وبينها عصابات تؤكد عودة ادارة اوباما الى العمليات المخابراتية القذرة في فترة السبعينيات ايام مجازر الجنرال بينوتشيه بتوجيه من هنري كيسينجر.

4 – لا بد من التوقف عند التدخل الفرنسي بالغ العدوانية ضد سوريا منذ وضع الشروط الفرنسية للقرار الاممي 1559 (انظر فقرة العدوانية الفرنسية المتفجرة في هذا الفصل). حيث عادت احلام الكولونيالية تراود الفرنسيين بحيث تجاوزوا مطالبة العودة كلاعب في لبنان الى محاولة توسيع هذا الدور ليشمل سوريا اذا ما تم اسقاط نظامها. وهو هوام فرنسي لا تدعمه سوى الشوفينية الفرنسية. ومعها ذكرى سوريين أفراد فكوا البغال من عربة الجنرال غورو لدى دخوله دمشق وجروا العربة بدل البغال.

المسعى الفرنسي المبكر لاسـقاط النظام السوري

كانت مفاجئة تلك العدائية الفرنسية المتفجرة تجاه سوريا بعد احتلال العراق. فهذه العدائية تجاوزت الاصول الدبلوماسية والسياسية المعهودة لدرجة جعلتها تطرح علامات العجب والاستفهام في اوساط السياسة العالمية وحتى في الاوساط السورية. فقد كانت فرنسا وحتى قبل بضعة اشهر معارضة للحرب العراقية وللمشروع الاميركي لتغيير الشرق الاوسط وحتى مشروع اصلاحه على الطريقة الاميركية. وفجأة يوفد الرئيس الفرنسي مطلع تشرين الثاني 2003، مستشاره الدبلوماسي موريس غوردو مونتاني الى دمشق حاملاً مشروعاً كاريكاتورياً للانفتاح الدولي على سوريا. وكان الرفض السوري للمشروع مبرراً بالخطر الجدي الاميركي الذي يغلق ابواب الدبلوماسية ولو مؤقتاً. وبدا شيراك وكأنه ينتظر هذا الرفض فسارع للتحالف مع الاميركيين واطلق مشروعه الخاص بالخطورة السورية ومن فصوله القرار 1559. يومها تعددت الاجوبة على سر الاندفاعة الفرنسية المعادية لسوريا. فرأى بعضهم انها الانتقام من الدور السوري في لبنان على حساب الدور الفرنسي فيه عقب حرب الخليج الثانية. فيما رأى البعض انها انتقام لفشل شيراك بتامين طلبات صديقه رفيق الحريري من سوريا وأهمها تسهيل تفرد رفيق الحريري بعمليات توزيع مخصصات مؤتمري باريس واحد واثنين، من دون تدخل دمشق أو حلفائها. ودعا متابعون لعدم اهمال الخيبة الفرنسية من قيام سوريا بالغاء عقدين تنقيب عن النفط لشركة توتال الفرنسية فيما كانت ادارة بوش تنتقم من فرنسا شيراك اقتصادياً لمعارضتها الحرب على العراق. وبعد التحليلات أقاويل لا تجد قرائنها من تقديم رشاوى شخصية لشيراك وغيرها من قصص الفساد الفرنسي التي تنتظر الافراج عن وثائقها لتأكيدها او نفيها.

اللافت ان نفس الوجوه التي شهدناها منذ سقوط بغداد عام 2003 وبعدها صدور القرار الدولي 1559 الذي أريد منه المساس بسوريا لا تزال حاضرة في التحركات الداخلية السورية المصطنعة انطلاقاً من الحسكة ثم من درعا ومن بعدهما بعض المدن السورية. وبما ان المنطق السياسي لا يعترف بوجود شخصيات قابلة للاستعمال في مختلف هذه الاستخدامات فإن تصنيف هذه الوجوه في خانة السعي للاضرار بسوريا بغض النظر عن شذوذات المنطلقات النظرية المبررة لهذا الاضرار والاستهداف. وهي خانة تتسع لادراج العديد من الشخصيات السورية المعارضة ومن يحركها من جهات اقليمية ودولية.

هكذا نجد ان تطوع فرنسا لقيادة حملات العـداء لسوريا تجعل الاطلاع على وثائق المطبخ السياسي الفرنسي المتعلقة بسوريا مسألة غاية في الاهمية لاستيعاب سيرورة هذا العداء. ونورد في ما يلي قراءة مقارنة بين اهم كتابين فرنسيين تناولا العلاقات الفرنسية السورية. وهما كتاب ريشار لابيفيير المعنون بـ «التحول الكبير» وكتاب فانسان نوزيل “سر الرؤساء”

من جهته أضاء كتاب الصحافي ريشار لابيفيير المعنون بـ «التحول الكبير» والصادر في العام 2008، على خفايا كواليس الاليزيه المتعلقة بالاعداد لاطلاق القرار 1559، على أرضية المصالحة بين الرئيسين جاك شيراك وجورج بوش بعد خلافهما حول العراق. وهي مصالحة قامت على أساس التآمر على سوريا كعدو مشترك في العراق بالنسبة لواشنطن ولبنان بالنسبة لباريس.

المؤلف لابيفيير لم يملك سبل التعمق ودس الانف في محاضر الاليزيه التفصيلية. وهي الحظوة التي منحت للصحافي الفرنسي فانسان نوزيل والتي اصدر على اساسها بعد سنتين كتابه «سر الرؤساء». والكتاب الاخير يستمد أهميته من كونه موثقاً بمحاضر الاليزيه. فيما يتمتع كتاب “التحول الكبير” بقيمة تحليلية إستقرائية تجعله اكثر عمقاً وأهمية نظرية من كتاب “سر الرؤساء”. هذا اذا جازت لنا المقارنة بين الكتابين وهما ينتميان الى مدرستين مستقلتين تماماً. اذ ان كتاب لابيفيير كان أكثر غنى في التحليل وربط الأحداث، وعرض التفاصيل والتفسيرات المنطقية التي أدت لتحويل صيف 2004 موعدا أميركياً فرنسياً مشتركا «للانتقام «من الرئيس بشار الأسد لعدم تعاونه مع الرئيس بوش في تسهيل احتلال أميركا للعراق وإغلاق طرق القاعدة العابرة إلى المثلث السني عبر سوريا، أو رفضه طلبات الرئيس شيراك، الارتقاء بصديقه الشخصي الرئيس رفيق الحريري، في لبنان، إلى مسـتوى الشراكة.

في المقابل فان كتاب «سر الرؤساء» يعزز معرفتنا بتلك الفترة مدعوماً برزمة من المعلومات حصل عليها مؤلفه، في سياق الفصول التي خصصها للبنان وسوريا، من موريس غوردو مونتاني، المستشار الدبلوماسي للرئيس جاك شيراك.

وبين الكتابين يمكن الرجوع الى التوازن السياسي اللبناني وتأثره بتجاذبات الهيمنة بين اللاعبين الاربعة الاساسيين في الساحة اللبنانية. وهم واشنطن وباريس ودمشق وتل أبيب. بما يسمح لنا بتسجيل الثغرة الاسرائيلية في الكتابين. حيث لم يتطرق اي منهما الى الموقف الاسرائيلي من لبنان وعبره من دمشق. واذا كان النمط التحليلي الاستراتيجي لكتاب «التحول الكبير» يتيح تجاهل الثقب الاسود الاسرائيلي فان الطابع التفصيلي المرجعي لكتاب “سـر الرؤسـاء” يجعل هذا الثقب اكثر بروزاً. فهو يدفع للشك بان الكاتب ومصدره مستشار شيراك تعمدا تجاهل هذا الثقب منعاً لإثارة عوامل اضافية مؤثرة جذرياً على الصفقة الاميركية الفرنسية المنقول بعضها عن مفكرات الرئيس شيراك شخصياً.

خاصة وان الرئيس شيراك بذل جهوداً مع الاسرائيليين لتأجيل انسحابهم من لبنان العام 2000 بما يتيح للحكومة اللبنانية الاستعداد لملء فراغ الانسحاب وعدم التفاجؤ به. ويومها زار شيراك صديقه رفيق الحريري حاملاً اليه بشرى الموافقة الاسرائيلية على تأجيل الانسحاب. وهذه الحادثة واحدة من جملة اتصالات قام بها شيراك في اكثر من اتجاه مساهمة في دعم الحريري. وتجاهل كتاب سر الرؤساء لهذه الجهود الشيراكية يؤكد انتقائيته ويقلل من موثوقيته رغم استناده الى وثائق حسية ومصدر موثوق ومعروف بقربه من شيراك احد رأسي حربة المؤامرة على لبنان قبل سـوريا. وهنا نتوقف عند لهجة الكتابين التي تخرج الموقف الفرنسي على انه قيام دولة كبرى هي فرنسا بممارسة ضغوط مؤثرة على دولة اقليمية مثل سوريا. مع الايحاء بان نجاة النظام السوري من السقوط نتيجة التأثير الفرنسي كان مجرد أعجوبة. فيما يؤكد المحللون المحايدون ان سوريا كانت لاعباً ماهراً واتقن بشار الاسد السير على حافة الهاوية مقدماً الجواب الحاسم على سؤال اطراف المؤامرة “مـن يحكم سـوريا؟”.

اما في لبنان فان الكتابين يتفقان على كون الصفقة المعادية لسوريا هي مكسب لبلد الارز ومواطنيه ويهملانه على هذا الاساس. اذ يفترض الكاتبان ان التفاهم بين باريس وواشنطن انتج القرار 1559 الذي اخرج الجيش السوري من لبنان. وهو ما يؤكد جهلهما المشترك المطبق للواقع اللبناني. فاللبنانيون ،بمن فيهم قائمة من الشاكين من التدخل السوري في لبنان، لا يوافقون على استبدال التدخل السوري بتدخل فرنسي اميركي مشترك. وباختصار فان اكثرية اللبنانيين نظروا ولا يزالون ينظرون للقرار 1559 على انه قرار فتنة. كما ان الجدال المبدئي حول الخلفيات النظرية للقرار يمكنه ان يشعل حرباً أهلية لبنانية حتى في وجود المارينز والقبعات الزرق الفرنسية في لبنان ولذلك سابقة اجبرت الدولتين على الانسحاب من بيروت العام 1983.

كاتب هذه السطور رصد آثار الحرب العراقية على معنويات الشارع العربي بالرعب والاحباط ومع ذلك فهو كان متأكداً أن القرار 1559 غير قابل للتنفيذ ولو بثمن اخراج الجيشين الفرنسي والاميركي من لبنان بالقوة. وكان مقتنعاً ومعه قائمة من المحللين ان صداقات الرئيس الحريري مع شيراك وغيره شخصية تعني اشخاصها. رغم تدخل شيراك الايجابي في تفاهم نيسان. والذي كان الاطلالة السياسية الوحيدة تقريباً للحريري الذي بقي يمارس السياسة من باب الاقتصاد حتى اغتياله. اذ ان رفيق الحريري اقتصادي لم يتحول الى سياسي الا بعد اغتياله!.

بعد الاغتيال وجد القرار 1559 طريقه للتنفيذ عبر آليات الثـأر المنسجمة مع انثروبولوجية المنطقة وبدعم من كل القوى الاقليمية والدولية المعنية ايجاباً بالقرار. فكان الخروج السوري من لبنان في ظروف تهدد الداخل السوري وتعرض القسم المعارض للقرار من اللبنانيين الى الارهاب الدولي. ولم يعد كاتب السطور متأكداً من بقاء لبنان ذلك البلد الذي يعرفه او حتى ينتمي اليه.

هكذا فان الثغرة الاسرائيلية في الكتابين تتحول الى ثقب اسود بتجاهلهما للملف اللبناني وجهلهما المطبق بحيثياته. حيث لا وجود لدولة لبنان ما لم تكن عربيةً واية محاولة لاخراج لبنان من عروبته تعني نهاية الدولة في لبنان. وهذه العروبة اللبنانية لا يمكنها ان تغفر جرائم اميركا ضد العرب ودعمها لاسرائيل. وعليه فان اية مواجهة عسكرية مع اسرائيل تستقطب جمهور اللبنانيين الى الطرف الذي يقود هذه المواجهة. مع ملاحظة انحراف فئة من اللبنانيين عن هذه القاعدة في حرب تموز 2006 بذريعة استخدام اسرائيل للخلاص من حزب الله ومعه التدخل الايراني في لبنان. وهذه الفئة هي تحديداً فئة السنة السعديين التي اضيفت الى فئات اقلوية لبنانية معروفة بتبنيها للخيار الاسرائيلي.

في سياق حديثه مع لجنة التحقيق الدولية “انظر الحقيقة ليكس في هذا الفصل” يجدد سعد الحريري نفي معرفة والده بالقرار 1559 واطلاعه عليه قبل صدوره. لكن هذا النفي لا يصمد امام الملاحظات المسجلة على مسودة القرار بخط الحريري. ومهما يكن فان الاهم هي المطالب التي تقدمت بها فرنسا – شيراك وعملت على تحقيقها نيابة عن رفيق الحريري.

بين رفيق الحريري وشيراك

يأس الرئيس الفرنسي وحليفه رفيق الحريري من تسهيل تفرده في التصرف بمخصصات مؤتمري باريس واحد واثنين، من دون تدخل دمشق أو حلفائها. هي الوجهة التي تبناها كتاب «شيراك العرب» لكريستوف بولتنسكي وآشيرمان عن المرحلة نفسها.

حيث تجدر ملاحظة سبق الرئيس شيراك إلى بلورة مفهوم «الهلال» أو «القوس الشيعي»، قبل أن يطفو على السطح النووي الإيراني في العام 2004، وكان الرئيس الفرنسي يستخدمه في لقاءاته مع بوش وكوندليسا رايس لضمهما إلى الحملة من أجل القرار 1559. ومن نافل القول إن وصول المصطلح (القوس الشيعي) الى مسامعنا على لسان الملك عبد الله الثاني الأردني بعد حرب تموز 2006 ما كان سوى صدى لهواجس الرئيس الفرنسي المبكرة، وانعكاس لتجربته الشخصية وعلاقاته القوية مع حكام الخليج وصدام حسين في العراق. وكان قبل ذلك، الخوف من «وقوع» العراق بيد الشيعة، أحد أسباب معارضة شيراك لحرب العراق، كما يعرض الكاتب.

على صعيد متصل اعتقد الرئيس الفرنسي جاك شيراك، لوقت طويل، أن الرئيس السوري الشاب، بشار الأسد، الذي كان قد استقبله في الإليزيه قبل توليه السلطة، نصير لإجراء إصلاحات رفضها والده العنيد، ورفض القبول بها حتى وفاته في يونيو 2000. حتى انه وعندما خلف بشار والده، اعتقد شيراك أنه «سيكون وصياً عليه»، بحسب مستشار سابق في الإليزيه، و«اجتهد شيراك كثيرا لمساعدته، وحاول إقناعه بتليين مواقفه. ونجح بالحصول على تأييد سوريا قرار الأمم المتحدة إعادة المفتشين إلى العراق في نوفمبر 2002». ففي حينه كان شيراك يعتقد بان سوريا تملك ورقة بناءة يمكنها أن تلعبها في المنطقة بعد سقوط صدام حسين. اذ بإمكانها أن تساهم في استقرار المنطقة، والتخفيف من هيمنتها على لبنان، والتفاوض مع إسرائيل حول اتفاق سلام.

ولهذه الغاية، أوفد شيراك سراً مطلع نوفمبر 2003، مستشاره الدبلوماسي موريس غوردو مونتاني، لرصد نيات الرئيس السوري. وكان الموفد مكلفا بالمهمة أيضا من قبل المستشار الألماني غيرهار شرودر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اللذين تشاورا مع شيراك ومستشاره. (المقابلة بين غوردو مونتاني وبشار الأسد دامت أكثر من ساعتين، في صبيحة العاشر من نوفمبر).

«لقد تغير العالم حولكم»، قال الفرنسي. «نحترم سيادتكم، وقد بذل رئيس الجمهورية كل ما بوسعه لضمكم إلى المشهد الدولي، وهو مستعد للمتابعة. نحن بحاجة إليكم من أجل التوازن في المنطقة. فلتتخذوا مبادرة، من أي نوع كان، ونحن ندرسها، وندعمكم بإرسال وزراء خارجية فرنسا وروسيا وألمانيا».

كان بشار الأسد يصغي بانتباه، لكنه كان متوترا ومرتاباً ثم سأل:«هل تحمل رسالة من الأميركيين؟».

«لا»، أجاب غوردو مونتاني: إني لا أحدثك باسم الأميركيين، لكن باسم قادة الدول الثلاث وحكوماتها.

هنـا يورد الكاتب لابيفيير فكرة تعكس جهل الاليزيه التام بالعقل السوري ،او انها تعكس استهانة الاليزيه بالعقل السوري، اذ ينقل عن مستشار شيراك أن الرئيس السوري لم ينتهز الفرصة المتاحة، فخاض في مطولة هجائية للأميركيين، الذين يشتبه في سعيهم لإسقاطه.

من يعرف العقل السوري يدرك انه يعرف جيداً حساب معادلات القوى وموازينها. فعندما يأتي موفد فرنسي ممثلاً لبلده بالاضافة لبلدين اكثر اهمية وفاعلية ،وهما روسيا والمانيا في هذه الحالة، فان ذلك يعني محاولة فرنسية يائسة للظهور بمظهر المؤثر. والسوريون يدركون مسبقاً ان روسيا ومعها المانيا لا ترغبان بحال ارضاء النرجسية الفرنسية بالاصطفاف خلف الدبلوماسية الفرنسية أو واحدة من مبادراتها المحتملة. ولو سلمنا جدلاً بحدوث ذلك فانه لن يشكل اي تأثير على الموقف الاميركي الذي ذهب الى حرب العراق دون الالتفات لمواقف هذه الدول الثلاث او لمصالحها. وهو ما يجبر السوريين على تقييم أهمية وفاعلية العرض الفرنسي الثلاثي. واذا كان الرئيس الاسد قد اشار للنوايا الاميركية المبيتة ضد بلده ونظامه فهو لم يخض سيناريو اضطهادي او تآمري لان التهديدات الاميركية لسوريا كانت علنية وواضحة. بحيث لا يمكن لرئيس دولة التلهي بمبادرة او بوساطة من النوع الذي عرضه الموفد الفرنسي. ما يجعل عودته صفر اليدين طبيعية وليست مستهجنة كما يظهرها الكاتب.

هكذا عادت فرنسا الى التحالف مع واشنطن عقب لقاء النورماندي الخريفي بين بوش وشيراك. وهو تحالف يتجاهل التمرد النرجسي الفرنسي على سلوك بوش المذل لفرنسا ولاوروبا معها. وبعد هذا التنازل امكن للمراقبين التأكيد على ان زيارة الموفد الفرنسي لدمشق كانت مجرد مساومة على ثمن الدور الفرنسي رفض الاسد الدخول فيها. وهو رفض استتبع نقمة فرنسية تفجرت بمناسبة القرار 1559 الذي كان منحة او رشوة اميركية لشيراك على حساب لبنان وسوريا.

ويناقض الكاتب لابيفيير نفسه في حديثه عن زيارة وزير الخارجية الاميركي كولن باول لدمشق بعد اقل من شهر على زيارة الموفد الفرنسي. لكن باول حمل معه قائمة من 17 شرطاً منها ما يشترط تعاونا أمنيا في العراق، وطرد فصائل المقاومة الفلسطينية من دمشق، وقطع العلاقة مع المقاومة في لبنان. غير أن المصادر السورية الموثوقة أكدت يومها انه وفور خروج باول أصدر الأسد أوامر تعاكس كل ما ورد في ورقة وزير الخارجية الأميركي من شروط.

هكذا فان حديث الاسد عن الاستهداف الاميركي لبلده كان واقعياً. وهو لم يخض في مطولة هجائية للأميركيين، الذين يشتبه في سعيهم لإسقاطه” كما قال الكاتب. وفي رأينا ان ما قد يبرر انطباع الموفد الفرنسي هو ان الرئيس الاسد بقي لغاية تلك الفترة يخوض نقاشاته السياسية وباقي خطاباته وفق اسلوب المحاضرات الطبية التي تتضمن بعض التكرار لترسيخ الافكار.

وبعد زيارته السورية واصل مونتاني جولته على العربية السعودية للقاء ولي العهد عبد الله، ثم لبنان ليلتقي رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني. كان الوزراء المقربون من سوريا يسيطرون على حكومته، والمقربون من الأسد يمسكون بكل الخيوط في بيروت.

الرئيس الفرنسي المصاب بخيبة كبيرة، ازدادت قناعته تدريجا، بأن نظام دمشق سيبقى عصيا، إلا إذا ضاعف من ضغوطه على دمشق. والحال أن واشنطن كانت هي أيضا قد أصبحت على موجة باريس نفسها مقدمة الفندق اللبناني لفرنسا تعويضاً عن خسارتها العراقية.

الرئيس السوري وانزعاج واشنطن

في هذا الوقت كان غضب البيت الأبيض يزداد يوميا، ضد سوريا التي وضعها بعض «المحافظين الجدد» في «محور الشر». ولم تتوقف لائحة المآخذ عن التطاول خلال العام 2003. وبحسب وكالات المخابرات الأميركية، منحت دمشق حق اللجوء لمسؤولين عراقيين بعد سقوط بغداد. دون ان تلقى الإنذارات الموجهة إليها أذنا صاغية. من جهة أخرى، كان العشرات من المقاتلين العرب يتدفقون الى العراق عبر الحدود السورية. وبهذا الخصوص صرح أحد مسؤولي الخارجية الأميركية، دافيد ساترفيلد، عن هذا الانزعاج لدبلوماسيين فرنسيين خلال لقاء مطول كُرس لسوريا، في الرابع عشر من نوفمبر 2003: «إن خلايا القاعدة تعبر الأراضي السورية، بدون أن يمنعها النظام السوري، لكنه يعرف أن مخابراتنا تحيط بكل ما يجري».

والى دواعي الغضب الاميركي من سوريا تضاف ملفات استقبال سوريا لمسؤولين عراقيين سابقين وتحفظها على أرصدة عراقية مودعة لديها.

يضاف الى كل ما تقدم دعم دمشق «حزبَ الله»، والفصائل الفلسطينية الراديكالية، كحماس والجهاد الإسلامي، أعداء إسرائيل حتى الموت. «من المؤكد أن السلطات السورية لم تكن على علم بالعمليات الإرهابية، لكنها كانت تسهر على أمن هذه العمليات بالقول لمنفذيها: انتبهوا، فإن الأميركيين يراقبونكم»، بهذا باح دافيد ساترفيلد للفرنسيين.

من جهته أرسل البيت الأبيض إشارات عدة إلى الرئيس السوري، تعبر عن غضبه، لكن من دون نتائج. اذ لم يكن الأسد يثق بالأميركيين، وهو ما كرره لغوردو مونتاني ولدبلوماسيين آخرين قابلوه، إلا أنه حاول التفاوض معهم بطريقة غير رسمية، عبر عماد الحاج، رجل الأعمال اللبناني الأميركي. وهو ما علق عليه دافيد ساترفيلد ان «الأسد يماطل ويحاول الظهور بمظهر المحاور الجيد مع واشنطن. لكنه يعرف تماما، المطالب التي يجب ان يلبيها. لا نحتاج إلى قنوات موازية، ولا نلعب هذه اللعبة. كما ينقل لابيفيير عن مصدره الفرنسي ان الرئيس الاسد تحول في ممانعته للاميركيين الى “نيـو ناصري” محاولاً التموضع كبطل العالم العربي، وقد جذب الشباب اليه في الشرق الأوسط. لكن في النهاية، غدت علاقاته كريهة مع جيرانه.

هنا يبرز الجهل الاميركي الفرنسي بشؤون المنطقة مرة أخرى. فمنذ العام 1996 تحديداً بقيت سوريا بلد الممانعة العربي الوحيد وباتت تالياً مكروهة من جيرانها العرب “المهرولون”. وكراهية المهرولين لسوريا طبيعية ولا تحتاج لاي تبرير او تصرف من قبل سوريا.

من جهته، أقر مجلس الشيوخ الأميركي “قانون محاسبة سوريا” متبنياً عقوبات اقتصادية ضد النظام السوري. ما شكل اعاقة جديدة للادارة الاميركية بعد ان شيطن هذا القانون النظام السوري بحيث لم تعد ادارة بوش  قادرة على وضع سياسة شاملة وديناميكية لسياسة العصا والجزرة: وبما أنها لم تعد تملك ما تعرضه على دمشق، فقد توقفت عن الاستجابة والرد على الأحداث.

التحضير في الخفاء لقرار من مجلس الأمن

بعد تحالف الخريف النورماندي بين باريس وواشنطن العام 2003 أطلقت باريس خلال الأشهر الأولى من 2004 حملة دبلوماسية ضد سوريا. انطلاقاً من مبدأ انه ما دام الأميركيون يحرصون على تنفيذ فكرتهم لدمقرطة الشرق الأوسط، فليكن، ولنختبر التزامهم بالفكرة في لبنان، حيث لا يزال لفرنسا بعض التأثير. حتى ان جاك شيراك عرض هذه الفكرة، خلال لقاء مع بعض الشيوخ الأميركيين في مارس 2004.

سألوه رأيه في «الشرق الأوسط الكبير»، فأجاب: «لنكن واقعيين. لن نتقدم في الديموقراطية، إلا إذا بدأنا بدعمها حيث توجد، ولو بطريقة غير كاملة كما في لبنان. ينبغي إذاً، أن نساعد هذا البلد على التخلص من الوصاية السورية. هذه اللازمة التي سوف يكررها شيراك خلال عشاء في الإليزيه مع جورج بوش في الخامس من يونيو2004: «ستكون هناك انتخابات رئاسية في لبنان في شهر اوكتوبر، إنها فرصة من أجل انطلاقة جديدة للبنان، شرط ألا يؤخذ الرئيس الجديد في طوق سوري. سيحاول السوريون إعادة انتخاب الرئيس الحالي إميل لحود، عن طريق تعديل الدستور. ولنعمل معا لمنع ذلك. وتابع شيراك لقد سجلنا باهتمام تبني الولايات المتحدة عقوبات، مشروطا رفعها بانسحاب سوريا من لبنان… فلنعمل معا من اجل ذلك. ورداً على هذا الحديث أجاب بوش على الفور«لمَ لا».

كوندليسا رايس وعدت بأن تتشارو، بسرعة، مع نظيرها موريس غوردو مونتاني، الاتصالات الأسبوعية بينهما تكثفت. ورويدا رويدا بدأ محور باريس ـ واشنطن يتشكل ويظهر إلى العلن، بفضل هذه العقدة اللبنانية السرية، وبفضل هذا الملف بالتحديد.

لم يكن جاك شيراك يرغب بالصراخ فوق السطوح: إنه يسعى، بأي ثمن، إلى إعادة وصل ما انقطع مع جورج بوش، خصوصا ان شعبية هذا الأخير في فرنسا كانت في الحضيض. لكن، بما أنه لم يصغ إليه في العراق، أو في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، فقد عثر في لبنان على عنوان للمصالحة، يعيده إلى واجهة الأحداث. وصديقه رفيق الحريري كان سعيدا بذلك.

الخطوات التطبيقية بدأت صيف 2004. في بيروت، تولى تنسيقها السفيران، فيليب لوكورتييه، الفرنسي، والأميركي الواصل حديثا من بغداد، جيفري فيلتمان. من جهتهما، باشر سفيرا فرنسا في الأمم المتحدة وواشنطن، الإعداد مع الاميركيين، لمشروع قرار يطرح على مجلس الأمن. القرار كان يطالب بانتخابات حرة، وانسحاب القوات السورية بأسرع وقت ممكن.

دور رفيق الحريري في القرار 1559

التقى موفد شيراك كوندليسا رايس ومسؤولين آخرين في 19 و20 اغسطس 2004، قبل أن يتجه إلى سردينيا، المقر الصيفي لرفيق الحريري. جرت قراءة مشروع القرار مرات عدة، بتمعن، على متن يخت رئيس الوزراء اللبناني، الذي لم يكن لشيء أن يهدئ من غضبه من السوريين. وحدث ما كان يخشاه شيراك. اذ قام السوريون بتعديل الدستور اللبناني، وسمحوا لحليفهم إميل لحود بالتمديد ولاية جديدة لمدة ثلاثة اعوام.

رئيس الوزراء الحريري، الذي استدعي إلى دمشق في 26 اغسطس 2004، كان عليه أن يواجه بشار الأسد الذي قال بغضب: «لحود هو أنا»(…)

المشاروات الأخيرة حول القرار الفرنسي، جرت نهاية اغسطس 2004. وتبادل الدبلوماسيون الفرنسيون والأميركيون في الأمم المتحدة مسوداتهم. موريس غوردو مونتاني على تواصل مباشر مع اللبنانيين، وبطريقة غير مباشرة مع وزير الخارجية السوري، الذي كان يمرر رسائله عبر الإسبان. التعديلات الأخيرة، قدمها مستشار شيراك إلى كوندليسا رايس، وذهب باتصالاته الهاتفية المتتالية، إلى حد أن يقتحم عليها الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري في ماديسون سكوير غاردن، في نيويورك. في الثاني من سبتمبر 2004 تبنى مجلس الأمن القرار 1559 بأكثرية تسعة أصوات، وامتناع ستة من بينها: روسيا، والصين والجزائر.

القرار«1559»، شكل صفعة حقيقية لسوريا، إذ يطالب النص بسحب جميع القوات الأجنبية المسلحة، وحل الميليشيات، وإجراء انتخابات رئاسية حرة وفق القواعد الدستورية اللبنانية من دون أي تدخل خارجي. ومن دون أي اعتبار أو حساب لما حدث، نجح بشار الأسد في الغد، بفرض تمديد ولاية الرئيس لحود. لم يكن ليتوقع انذارا عالميا مشابها، أو أن ينعقد ضده حلف فرنسي أميركي، غير منتظر بعد الخلاف بين الطرفين في حرب العراق وإهتـزاز الثقة بينهما. ورأى الأسد في ذلك استفزازاً من قبل الحريري، وخيانة من جاك شيراك، وتحديا من جورج بوش. باختصار، كان ذلك إعلان حرب.

لقاء شيراك رايس وعشاء لم يتم مع بوش

ازداد توتر الساحة اللبنانية في 2 اوكتوبر 2004 إثر تعرض وزير الاقتصاد السابق مروان حمادة، الذي اقترع ضد التمديد لمحاولة اغتيال. وفي 21 اوكتوبر استقال رفيق الحريري، وبدأ بتوحيد المعارضة في وجه مؤيدي سوريا في لبنان. ولتأييد صديقه اللبناني، بطريقة عمياء، أوفد جاك شيراك احد مستشاريه في الاليزيه، برنار ايمييه إلى بيروت، كسفير جديد. وكان على هذا أن يبقي عينه على القدر السياسي اللبناني الذي يغلي، بالتنسيق الكامل مع نظيره الأميركي فيلتمان. وضاعف شيراك من نصائحه لتيري رود لارسن، المكلف بمراقبة تنفيذ القرار 1559.

وأكثر فأكثر، كان شيراك يدلل جورج بوش، لرعاية براعم التلاقي الفرنسي الأميركي الهش إستغل شيراك مناسبة اعادة انتخاب بوش ليهاتفه في 9 نوفمبر مهنئاً. فاجاب بوش: اشكرك وأجدد لك تمنياتي بالعمل معا في مواضيع تخدم مصالحنا المشتركة. بيننا الكثير من الخلافات، لكن عندما نعمل معا، لا تتأخر النتائج.

في الثامن من فبراير 2005 أوفد الرئيس بوش كوندليسا رايس للقاء شيراك. والملف الرئيسي كان: لبنان!. حيث إستهل شيراك اللقاء باندفاعة عداء غير دبلوماسية العبارات ضد سوريا ونظامها ورئيسها.

هنا نفتح قوسين للخروج عن محتويات كتاب لابيفيير لنقول ان اندفاعة شيراك لم تستند الى معطيات موضوعية بقدر استنادها الى تقارير مرسلة من قبل رفيق الحريري. والى هذه التقارير ننسب قول شيراك لرايس بحسب الكتاب وبالنص: ان القادة السوريين الحاليين لا يعرفون إلى أي اتجاه يجب أن يتجهوا، لذلك تتعثر حركتهم. ويضرب لها مثالا الاستقبال الذي لقيه تيري رود لارسن في دمشق: حار من قبل بعض القادة السوريين، ومهين من جانب متطرفي النظام. ونبقي هذه القراءة الفرنسية – الحريرية لاستقبال لارسن ومواقف القادة السوريين دون تعليق.

ويتابع شيراك (وفق معطيات مستشاري الحريري برأينا) أن دمشق مصممة على عدم التغيير في لبنان وعلينا دعم المعارضين اللبنانيين وان لا ندع السوريين يخنقون الديموقراطية العربية الوحيدة المتجذرة. ونبه شيراك الى ضرورة الانتباه لأمرين: الأول عدم الخلط بين الديموقراطية في لبنان، وعملية السلام، وإلا أضفنا إلى اوراق دمشق ورقة أخرى. اذ ينبغي دعم الديموقراطية في لبنان من اجل الديموقراطية ومن اجل لبنان. والأمر الثاني ضرورة التهديد بفرض عقوبات مالية قادرة على ضرب نظام الرشوة القائم بين دمشق وبيروت. لقد كان شيراك يحض الولايات المتحدة على الذهاب أبعد مما ينبغي، وكان لذلك يحاول أن يجر خلفه الأوروبيين.

ورغم تجاهل الكتابين لتأثير الحريري السياسي على شيراك واكتفائهما بذكر الصداقة الشخصية بينهما الا انهما لم يهملا قلق شيراك من الشيعة العرب اذ كان على الدوام يخشى من سيطرة الشيعة، والأسد حليفهم. وهو يفضل السنة، من صدام حسين إلى رفيق الحريري.

هنا تجب ملاحظة ان الغرام الشيراكي والفرنسي عامة بالسنة هو غرام مصالح فالانظمة السنية هي المتحكمة بالنفط والمالكة لاحتياطيات نقدية تحتاجها فرنسا. حيث تكفي الاشارة الى الشروط الاماراتية المذلة لفرنسا من اجل اتمام صفقة طائرات رافال الفرنسية والتي لم تكتمل بعد. اما عن الخلفية التاريخية لهذا الغرام مدفوع الثمن فهي تعود الى الحقبة الاستعمارية عندما دعم الفرنسيون مسيحيي لبنان وعقدوا صفقات جزئية مع السنة فيما كانت الغلبة للبريطانيين في الاوساط الشيعية والدرزية. وفي السياق تتداعى ذكريات الرغبات الاستعمارية الفرنسية بتفتيت الشام التاريخي الى دويلات صغيرة عاجزة. وهي ذكريات ربما تعاود ساركوزي بعد شيراك بمناسبة الاحتجاجات السورية الحالية.

وفي نهاية اللقاء خطط شيراك لعشاء مع جورج بوش، في 21 فبراير 2005 على هامش قمة أوروبا الولايات المتحدة. لكن احداثاً درامية أخرى منها اغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير تكفلت بقلب أجندة مواعيد شيراك رأسا على عقب.

خارطة الاحتجاجات السورية الحالية

الاحتجاجات السورية الحالية هي المدخل الاميركي لتفجير التوازنات الجيو استراتيجية في المنطقة ما يقتضي التركيز عليها بصورة خاصة. فهذه الاحتجاجاات ومنذ انطلاقتها أظهرت عجزها عن التكامل فيما بينها. حيث طرحت كل فئة من الفئات السورية المحتجة مطالبها الخاصة. وبغض النظر عن نظرية المؤامرة فان تحول هذه الاحتجاجات من سلمية الى دموية يؤكد وجود طابور خامس أقله لناحية وجود لاعبين فرعيين في الداخل السوري اتخذوا من فوضى الاحتجاجات مناسبة للتسلل الى المشهد السياسي السوري بتحويلهم الاحتجاجات الى الدموية. وتتكشف التطورات عن ضلوع جماعة الاخوان المسلمين السورية المحظورة بهذا التحول الى الدموية. حيث اكدت تصريحات الزعامات الاخوانية ان هذا النظام غير قابل للحوار والتصالح.

بناء عليه لا يمكن توقع تكامل التحركات السورية المعارضة اذ ان لكل تحرك منها مطالبه الخاصة المعروفة والمزمنة. حيث الجهات المتحركة الظاهرة على السطح تتمثل لغاية الآن بالمجموعات التالية: الـدروز (بدأوا تحركاتهم عقب استلام بشار الاسد للحكم عام 2000). والأكـراد (بدأوا تحركاتهم عقب احتلال العراق وفجروها عقب اغتيال الحريري) والأشوريين (انطلقت شرارة الاحتجاجات الحالية من مناطق فيها تواجد أشوري مع تأخر الانخراط الاشوري العلني في الاحتجاجات حتى الجمعة مايو 2011). والعلويون المنشقون على النظام (وحركتهم انطلقت ايام حافظ الاسد بقيادة شقيقه رفعت وعاودت الظهور عقب وفاة باسل الاسد ومباشرة الرئيس حافظ خطوات توريث ابنه الثاني بشار للحكم. ما أثار حفيظة واحتجاج عدد من كبار الضباط والوجهاء العلويين ليتواصل التمرد العلوي بعدها بانشاء رفعت الاسد لفضائية آ ان ان المعارضة للنظام بعنف). ويبقى السؤال مطروحاً حول آلية التفجير التي شجعت التحرك المتزامن لهذه الفئات السورية ذات المطالب المزمنة.

اللاعبـون الفرعيون في سـوريا

في طليعتهم يأتي الموسـاد الاسرائيلي (الذي نفذ عمليات نوعية من الدرجة الاولى تعكس تمكنه من تحقيق اختراقات جدية لاجهزة الامن السورية ومنها اغتيال العميد محمد سليمان وعماد مغنية وغيرهما). ثم ياتي السلفيون الجدد (وبدأت تحركاتهم الميدانية بصورة تفجيرات ارهابية عقب حرب مخيم نهر البارد في لبنان المؤدية لاستئصال حركة فتح الاسلام من المخيم والتضييق عليها حتى الاختناق) وهؤلاء تلقوا الدعم والمساعدة من الافرقاء المتخاصمين في لبنان دون ان يلتزموا باي ولاء لأي فريق منهم. ما أجل فتح ملف حرب مخيم البارد لغاية الآن كونه يورط كل اللاعبين على الساحة اللبنانية تقريباً. ويليهما فئة غامضة من العـراقيين العـرب (وهم متسربون بصورة غير شرعية عبر الحدود العراقية السورية وهم يعادون النظام لاعتقاله المئات من المقاتلين العرب القادمين لسوريا بهدف قتال الاميركيين في العراق). كما تضاف جماعة المهاجرون العراقيون البالغ عددهم حوالي المليون عراقي ممن حملوا معهم أحقادهم وتناقضاتهم الداخلية (بدأ استشعار خطر هذه الجماعة عبر نتائج الانتخابات العراقية الاخيرة حيث صوتت الغالبية منهم في الاتجاه المعاكس لتوجهات السياسة السورية في العراق). هذا دون إهمال دور الاخوان المسلمون السوريون المتأخر تصنيفهم في هذا السياق بسبب تجنبهم الاستعراض بتصدر الاحتجاجات وعملهم عبر قنوات تحريك الفئات السنية الفقيرة الأكثر شعوراً بالتهميش والأكثر حساسية تجاه علوية النظام.

انثروبولوجية الثورات السـورية

سـوريا هي قلب منطقة الشام التاريخي المتميزة بتعددية إتنية ودينية وحضارية لا مثيل لها في المنطقة العربية. ورغم طغيان الطابع العربي على المنطقة فان دور الطابع الاسلامي يبقى كامناً بسبب التركيبة السكانية للشام التي تضم عرباً غير مسلمين. كما تضم مذاهب وفرق اسلامية متركزة فيها بنسب عالية مقارنة مع الدول العربية الاخرى. ما يجعل المنطقة تعيش قائمة طويلة من القناعات الضمنية الكامنة بما يجعل تفجرها وارداً في حال توافر الاجواء لانتقالها من ضمنية كامنة الى ظاهرة وممارسة.

هنا يبرز اللوبي الشامي الصهيوني في امريكا ، ذو الغالبية اللبنانية، كاحد وجوه تفجر القناعات الضمنية. ومنها اعلانات المدعو زياد عبد النور العام 2005 “لقد اتخذنا قرار اسقاط النظامين اللبناني والسوري ومهما فعلوا فان سقوطهما قادم”. ومنها ايضاً ما يسمى بالمجلس العالمي لثورة الارز الساعي باصرار للتحريض على سوريا وعلى كل ما هو عربي وتطول القائمة.

في المقابل تبرز بعض التحركات الاسلامية الهادفة لأسلمة المنطقة وفق الانماط الاسلامية المتطرفة. وهنا نقع على أمثلة الحركات المتبنية للشعارات دون تحركات ميدانية والحركات التي تؤسس لنفسها بهدوء واخيراً الحركات العنفية التي خاضت مواجهات عسكرية لتحقيق أهدافها. ولعل اوسع تلك المواجهات تحرك الاخوان المسلمين في سوريا مطلع الثمانينيات.

وجاء الكيان الصهيوني ليضاف الى تناقضات الشام التاريخي وليضيف انشطاراً جديداً في البنية الاجتماعية لهذه المنطقة عبر المراوحة بين الخيارين العربي والاسرائيلي أو الغربي تلطيفاً. ومع هذا الانشطار الاضافي نجد ان المنطقة لم تستطع في تاريخها الحديث انتاج ثورات حقيقية لاستحالة جمع مكوناتها الاجتماعية حول اهداف مشتركة تؤسس لثورات حقيقية. وبعيداً عن التقليل من صدقية ووطنية الثورات الشامية نقول بانها كانت على الدوام محدودة ورمزية. مثال ذلك ثورة امطانيوس شاهين (الفلاحين) وثورة الشيخ صالح العلي وثورة سلطان باشا الاطرش ومعركة ميسلون ضد الاستعمار الفرنسي وغيرها من الامثلة.

الحركات الشعبية السـورية: نمط الثورات الشامية المذكور اعلاه يبرر حلول الحركات الشعبية مكان الثورات في تاريخ الشـام. حيث تشير متابعة هذه الحركات لاشتراكها بالخصائص التالية:

1 – التقليد والتبعية: حيث يستجيب الجمهور السوري لاي تحرك عربي يدعم قناعاته الضمنية فينخرط في التأييد الحماسي لهذا التحرك. وهو ما ينطبق على التأييد الشامي للثورة العربية الكبرى كما ينطبق على الطلب السوري للوحدة مع مصر عبد الناصر وعلى دعم المقاومة الفلسطينية ومقاومة المشاريع الاميركية في المنطقة من حلف بغداد لغاية مشروع الشرق الاوسط وغيرها من التحركات الشعبية التي شهدتها منطقة الشام بصيغة الحماس والتقليد دون لعبها أدوار أساسية في صياغة هذه التحركات. وهذا العامل الانثروبولوجي – الثقافي يجعل تحرك الشارع السوري الحالي منسجماً مع نمطية الاندفاع السوري للتوحد ببقية المنطقة العربية وتقليدها وتبني حراكها الاجتماعي.

2 – غلبة الطابع القومي: تشير متابعة التحركات الشعبية الشامية منذ مطلع القرن العشرين ولغاية اليوم الى ترجيحها للطابع القومي على الطابع الديني رغم المغريات الداعمة للتحركات الدينية. وهنا لا بد من الالتفات الى ان الفكر القومي العربي شهد ولادته في منطقة الشام وان منظري هذا الفكر ومؤسسيه كانوا من الشوام متعددي الديانات والمذاهب. بما يفسر غلبة الطابع القومي في الشام التاريخي. فيما غياب هذه الاسس الفكرية في مصر مثلاً اتاح للسادات ومن بعده لمبارك استئصال المشاعر الناصرية من الشارع المصري. ما جعل سوريا دولة الممانعة العربية الوحيدة. كما جعلها ملاذاً للمقاومات العربية وللعروبيين عامة.

3 – لا طائفية التحركات السورية: بمراجعة مجمل الامثلة المذكورة أعلاه نجدها جميعها تحركات شعبية لاطائفية رغم انطلاق بعضها من اوساط طائفة بعينها. دون ان تؤثر هذه الانطلاقة على عمومية ووطنية التحرك. حيث توجهت درزية الاطرش وعلوية العلي نحو مواجهة الاستعمار الفرنسي بعيداً عن اية ميول طائفية او مذهبية.

تمـرد الاخوان المسلمين: فهم ابعاد هذا التمرد يقتضي وضعه في اطاره التاريخي. فبالعودة الى مطلع الثمانينيات لا يمكن تجاهل تزامن مجموعة من العمليات السوداء الهادفة لضرب استقرار المنطقة العربية تمهيداً لاحداث تغييرات سياسية جذرية فيها تتطابق مع الاجندة الاميركية في حينه. وبحسب المبدأ القائل بان الصدفة المتكررة هي في حقيقتها ظاهرة تستوجب البحث في آلياتها فان رد التحركات المتزامنة الى مبدأ الصدفة هو نوع من الحماقة السياسية لاغير.

هذا المبدأ ينطبق على التحركات العربية الراهنة كما على سلسلة عمليات مطلع الثمانينيات حيث تزامنت حركة الاخوان المسلمين في سوريا مع الاجتياح الاسرائيلي للبنان الذي اوصل مرشحاً اسرائيلياً (بشير الجميل) لرئاسة الجمهورية مع محاصرته لسوريا عبر خاصرتها الرخوة والسيطرة الاسرائيلية على اكثر من نصف الاراضي اللبنانية. اما في العراق فكانت محاولة جدية ومتينة الحبكة لاغتيال صدام حسين في الدجيل. حيث هدفت هذه العمليات المتزامنة لتهيئة الاجواء امام طرح مشروع شرق اوسط جديد يتسع للعضوية الاسرائيلية. فكان لزاماً على الجهات الداعمة لهذا المشروع ،اجنبية وعربية، ان تتفق على زعزعة استقرار الدول المعارضة لهذا المشروع وهي سوريا والعراق ولبنان الحاضن لمنظمة التحرير الفلسطينية.

في هذا الاطار يدرج تمرد الاخوان السوريين في تلك الفترة. مع ملاحظة انه وعلى غرار باقي التحركات الاخوانية، لم يلتزم بأمن المواطن بل جعله درعاً بشرية خلال المعارك وعرضه للملاحقات السياسية بعدها.

ولادة مشروع الشرق الاوسط الجديد: من خلال تحري آليات هذه العمليات المتزامنة تلفتنا دعوة وزير الخارجية الأمريكي ألكسندر هيغ إلى قيام شرق أوسط جديد. وذلك في تصريح له في أبريل 1981 أثناء جولة شرق اوسطية له إذ قال:.. إن النزاع العربي الإسرائيلي يجعل بعضاً من أوثق أصدقائنا منقسمين على أنفسهم. والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط لا يمكن حمايتها إلا بإستراتيجية لا تغفل تعقيدات المنطقة ولا التهديد بحدوث تدخل خارجي. والولايات المتحدة تعتبر عملية السلام، والجهود المبذولة لمواجهة التهديدات السوفييتية والإقليمية، تعزّز بعضها بصورة متبادلة، فإذا كان أصدقاؤنا العرب على استعداد أكبر لركوب المخاطر من أجل السلام مع الإسرائيليين فإن التعاون في مجال الأمن سيكون سهلاً، باعتباره تعاوناً ضرورياً لردع أي تدخل سوفييتي ولردع الدول العاملة لحسابه».

جاء الرد من الرياض، في 7 آب 1981، بمبادرة من ثمانية مبادئ قدمها الأمير فهد ولي العهد السعودي. حيث أعلنت المجموعة الأوروبية أن المبادرة تشكل أساسا للتفاوض، أما الولايات المتحدة فتجاهلت المبادرة ولم تتخذ أي موقف واضح منها. وسط تباين المواقف العربية بين الرفض من قبل سوريا والعراق، بينما دعمت المبادرة دول عربية أخرى. فيما رفضتها قيادة وكوادر حركة فتح داخل منظمة التحرير الفلسطينية بعنف. إلا أن ياسر عرفات دعم المبادرة حيث نقل عنه جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، قوله: «استعدوا للضربة، ولقد أديتم بضغطكم هذا إلى موقف سيؤدي إلى رفع الغطاء العربي عنا، واللهم اشهد أني بلغت». ثم قامت السعودية بسحب مشروعها في قمة فاس في نوفمبر 1981 وذلك إثر الضغوط التي مورست عليها. الا انه وبعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت في يونيو 1982 عاد مجلس الجامعة العربية ليعقد قمته الخامسة عشر الطارئة في فاس في 6 سبتمبر 1982 ، بعد أشهر من الاجتياح الإسرائيلي، شارك بالقمة 19 دولة عربية بغياب كل من ليبيا ومصر، وبعكس القمة الأولى في فاس، اعترفت جامعة الدول العربية هذه المرة بوجود إسرائيل، وتم إقرار مشروع السلام السعودي.

ومع معاودة طرح المبادرة السعودية في قمة بيروت في 19 مارس 2002 يقفز الى الذهن ذلك التناغم بين تقديم وسحب المبادرة السعودية ثم معاودة طرحها وبين اتضاح خيوط مشروع الشرق الاوسط الجديد المطروح مبدئياً من قبل الكسندر هيغ في أبريل 1981 والمطور بمساهمة من شيمون بيريز عام 1991 وصولاً لتضخمه على يد ووكر بوش. وذلك وصولاً لتغيير الشرق الاوسط بالقوة العسكرية الكولونيالية. والاكثر خطورة ومدعاة للتحليل المعمق معاودة اطلاق المشروع على لسان وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون خلال جولة خليجية لها في ديسمبر 2010 بالتزامن مع انطلاق التحركات الاجتماعية العربية الحالية. وهذا موضوع لا يحتمل الاختصار الذي يفرضه علينا سياق هذا الكتاب فيبقى مطروحاً للنقاش الاكاديمي والدراسة العلمية المتعمقة.

المثقف السـوري: رأينا ان بنية المجتمع السوري لا تعطيه فرص اطلاق الثورات والتحركات الاجتماعية المتماسكة. لكننا رأينا في المقابل ان الاجواء الثقافية السورية حاضنة للفكر السياسي ومؤهلة لاطلاق الطروحات السياسية الفكرية. بما يستتبع السؤال عن دور المثقف والمفكر السوري في خدمة مجتمعه وتقديم الحلول الفكرية لأزمات هذا المجتمع. بما يقود لطرح الاشكالية التقليدية حول علاقة المثقف بالسلطة وهي ذات شجون ليس في سوريا فقط بل في كافة الدول العربية. والأهم ان المثقف السوري يجد بلده مستهدفاً يدفع ثمن ممانعته السياسية تحت شعارات مواربة وبتحريك غرائز دينية ومذهبية وعرقية لا علاقة لها بالاهداف السياسية الكامنة وراء التحركات الاجتماعية الحالية في سوريا.

بطبيعة الحال فان هذا المثقف غير مدعو للتحول الى تابع للسلطة بهذه المناسبة فله ان يحتفظ بمبادئه وآرائه ومنطلقات معارضته للنظام. لكنه في المقابل امام إجبار المساهمة في صد محاولات زعزعة أمن واستقرار بلده تحت ضغط شعارات يدرك المثقف زيفها واصطناعيتها.

أقله يطلب من المثقف السوري ان يحذو حذو النخب الثقافية والسياسية اللبنانية التي وقفت الى جانب الممانعة السورية عندما رأت لبنان يتحول الى مشروع سياسي اميركي ينطلق لاسقاط النظام السوري. وهذه النخب لم تكن في خدمة السلطتين اللبنانية والسورية. كما لم تكن شريكة لا في المناصب ولا في الفساد حيث كانت هذه الشراكة محصورة برؤوس الفساد في البلدين المتحولين اليوم لعداء الممانعة والمصطفين وراء الدعوة لاسقاطها عبر اسقاط النظام. حتى دون تفكير بالبدائل الكارثية المحتملة لهذا النظام.

من هذا المنطلق انظر مثالاً لمقابلات المفكر السوري برهان غليون مع قناة الجزيرة. والرجل لا يحتاج لتزكية مستواه الاكاديمي والفكري فهو معروف وكذلك كتاباته التي تضيف ومضات فكرية نادرة بين معاصريه. لكني آسف اشد الاسف للطريقة التي يقدم فيها هذا المفكر نفسه لمشاهدي الجزيرة. فبحكم مهنتي كطبيب نفسي لا استطيع تجاهل مقدار الذاتية في انفعالات وايماءات وجه غليون التي تعكس حقداً شخصياً لا علاقة له لا بالفكر ولا بالثقافة. وكذلك اسلوبه في تناول المواضيع المطروحة الذي يقربه من زجالي المستقبل وجماعة 14 آذار في لبنـان. وهذا يسر الجزيرة لكنه مصدر اسف وقلق لعارفي غليون ومتابعي كتاباته الفكرية السياسية.

بحكم مهنتي ايضاً افسر مواقف غليون على انها ردود فعل على تجارب مؤلمة وظالمة قد يكون تعرض لها. لكن هذه التجارب في حال صحتها قد تستدعي ردود فعل انسانية ومعها موقف شخصي خاص. لكنها لاتبرر التحول من ثقافة الفكر الوطني والالتزام بأمن المجتمع الى مواقف ثأرية تحريضية لا تنسجم مع مسؤولية المثقف تجاه بلده ومجتمعه. خاصة في ظروف تجعل هذه المسؤولية مقررة لتجنيب البلد متاهات الدخول في المجهول. وعليه فان المفكر غليون مدعو لاجراء فيدباك عبر معاودة حضوره لتسجيلات مقابلاته المتلفزة. وله ان يحكم بعدها ان كان يليق به الظهور بهذا المظهر خاصة امام جمهوره الخاص من المثقفين والاكاديميين داخل سوريا وخارجها.

واذا كان الامر يتعلق فعلاً بانتقاص شخصي لحيثية هذا المثقف وغيره فحري بالجهات الرسمية الموكلة بالحوار مع المعارضين ان تقدم اعتذارها عن مثل هذه التجاوزات في حال ثبوتها. مع مراجعة رسمية لفساد الجهة المسيئة لاستخدام سلطاتها.

سـوريا تدفع ثمن ممانعتها

ضعف الاقتصاد السوري وانعكاساته من فقر وبطالة وتراجع المستوى المعيشي يقابله عدم الارتهان السوري للقروض الدولية وشروطها او للمساعدات الاقتصادية المشروطة سياسياً. كما يتلازم هذا الضعف الاقتصادي مع استمرار تحصين سوريا العسكري في وجه المغامرات الاسرائيلية المحتملة والمتحولة راهناً الى مرجحة. وكلها ظروف تنعكس على مستوى رفاهية المواطن السوري العادي وعلى حياته اليومية. بما يبرر حساسية هذا المواطن امام الفساد الذي يفترس بعض تضحيات هذا المواطن بنسبة قابلة للتضخيم في ظروف الانفعالات الحالية.

لكن هذه الظروف الاقتصادية السيئة ومعها الضغوط السياسية متعددة الصعد والاتجاهات تختصر جميعها بان سوريا تدفع ثمن ممانعتها. وهي لا تزال موضوع ابتزاز للتنازل عن هذه الممانعة مقابل وعود الانفتاح على طريقة الانفتاح المصري ايام السادات او على طريقة التخلي عن العروبة التي مارسها مبارك.

واستناداً للاشارات المذكورة اعلاه حول طبيعة الحركات الاجتماعية السورية فان الحركة السورية الحالية مدعوة للتبصر وتأمل الشروط التي تطرحها الثورة المصرية وفي صدارتها:

1 – المطالبة بعودة مصر الى الممانعة العربية عبر مطالبات وقف اتفاقية الغاز مع اسرائيل وسلسلة مطالبات تصل لغاية الدعوة لالغاء اتفاقية كامب ديفيد.

2 – رفض الشخصيات التي تحوم حولها شبهات الارتباط بالخارج بما فيها شخصيات من الدرجة الاولى وبعضها شخصيات تنوي المنافسة في انتخابات الرئاسة. مع وضع فيتو قاطع على الشخصيات المرتبطة بعلاقات من اي نوع مع اسرائيل.

3 – بالاضافة للمراقبة الممارسة على سلوك قادة المرحلة الانتقالية تجري الثورة المصرية المراجعات في صفوفها وحول مجموعات شاركت في الثورة وتبين ان لديها تمويل او ارتباطات تقتضي المراجعة.

4 – المحافظة على الشعارات الوطنية الجامعة ورفض كل ما يهدد الوحدة الوطنية وأمن المواطن المصري على كافة الصعد. بما يستتبع الاصرار على السلمية.

هذه الخطوط العريضة يمكنها ان تكون قواعد سياسية تساعد باقي التحركات الاجتماعية العربية على التوجه بما يجنبها الوقوع ضحية الاستغلال من قبل قيادات هذه التحركات او من قبل جهات خارجية. وعلى قيادات التحرك السوري ان تراجع جيداً هذه المعايير اذا كانت تريد تجنيب بلدها الانسياق وراء الاستغلال الديني والتوظيف المذهبي للتحرك. مع التذكير بالطابع الاقصائي للتحركات السياسية الدينية عبر احتكارها للتحرك واقصاء المكونات الاخرى. والاهم التذكير بان هذه التحركات في حال تحولها الى عنفية فهي لا تأبه بأمن المواطن الفرد بل تتخذ من الافراد دروعاً بشرية.

مـوقف الشـارع العربي الممانع

أشار استطلاع اجرته جامعة ميريلاند بالمشاركة مع مؤسسة الزغبي الدولية لاستطلاع الرأي ان الرئيس بشار الاسد هو الزعيم العربي الاكثر شعبية في الشارع العربي. وشملت الدراسة عينات من ست دول عربية هي: مصر (في عهد مبارك) والاردن ولبنان والسعودية والامارات العربية المتحدة والمغرب.

هذه النتيجة جاءت لتعكس رضى الشارع العربي عن مواقف الرئيس السوري الممانعة القريبة من نبض الشارع العربي وآماله. ومع ذلك غاب الشارع العربي عن دعم الرئيس العربي الاكثر شعبية!. وسبب الغياب مرتبط بجملة عوامل في طليعتها مزاج الشارع العربي وتركيبته الساعية للاعتراف بالانسان العربي المتجنبة لتحرك سابق لأوانه خشية احباطات جديدة. اضافة لضبابية الرؤيا في هذا الشارع بسبب تزاحم التحركات الشعبية وسط غياب معايير التفريق فيما بينها. وهو ما يفرض تحفظات اضافية في هذا الشارع.

هنا تعود بنا الذاكرة الى فترة الاجتياح الاسرائيلي لبيروت حين تزامنت هذه الفترة مع مونديال كرة القدم ووصول الجزائر والكويت الى التصفيات. واحتجاجاً على ما اعتبر تحيزاً ضد الجزائر خرجت التظاهرات العارمة في الشارع العربي وكأن هذه الجماهير لم تسمع باحتلال اسرائيل لعاصمة عربية!.

المسألة هنا تتعلق ببحث الشارع العربي عن الاعتراف فهو يريد ان تفوز دولة عربية في منافسات المونديال ليحصل على اثبات حسي ضد العنصرية ونظرة التعالي التي تمارس ضده. ومن هنا فان هذه التظاهرات لم تكن حماسة رياضية بل هي كانت معركة لنيل الاعتراف من قبل المتظاهرين. اما عن عزوف الشارع العربي عن التظاهر ضد احتلال بيروت فهو عزوف العاجز الذي أدمن الشعور بعدم الجدوى. حيث تواجه الانظمة العربية احتلال بيروت ببيانات الشجب والاستنكار والدعوة الى مؤتمر قمة عاجل يكرر الشجب والاستنكار مواصلاً السلوك الذي أدى لاحتلال عاصمة عربية.

صمت الشارع العربي في الحالة السورية لا يعني تخلي هذا الشارع عن ممانعته ولا عن آماله ونضالاته لنيل الاعتراف. فهو صمت الشعور بعدم الجدوى خاصة بعد تكرار الاستهداف الاميركي للنظام السوري. ويضاف الى هذا الشعور تنامي دور الاعلام الذي يتناول الملف السوري من زوايا ضيقة تفتح الابواب عريضة امام ابراز الشائعات والفرعيات على حساب القضايا الاساسية. فقد أعلنت قناتي الجزيرة والعربية عن استقالة حوالي العشرين عضواً في حزب البعث الحاكم فيما يضم الحزب اربعة ملايين منتسب. كما تابعت القناتان انباء استقالة ثلاثة ضباط وحوالي المئة عنصر من مختلف الوحدات العسكرية السورية. فكيف يمكن تفسير هذا التركيز بغير الصفة الاستخبارية الممهدة لنشر الشائعات والتهيئة لحضانتها؟.

مثال آخر حول الحالة المزاجية للشارع العربي يتمثل في موقفه خلال حرب تموز الاسرائيلية ضد لبنان. حيث واكب الشارع هذه الحرب بالترقب الصامت. لكن ومع ظهور بوادر العجز الاسرائيلي في تلك الحرب وقدرة المقاومة على المواجهة خرج الشارع العربي الى الشوارع مؤيداً المقاومة غير آبه بسلطات ربما كانت مشاركة في دعم اسرائيل في تلك الحرب (تسربت انباء مصرية عن عمالة مبارك لاسرائيل كما سربت ويكيليكس وثائق حول المساهمات العربية في تلك الحرب دعماً لاسرائيل) ذلك ان الشارع العربي اعلن منذ فترة انه لم يعد يتحمل احباطات جديدة.

الضغوط الاميركية على سوريا

عودة الى هيكلية النظام السوري وهي تحتاج بالفعل الى اعادة تنظيم واسعة على اكثر من صعيد. خاصة وان الخلافات في صفوف مسؤولين من الدرجة الاولى باتت متداولة اعلامياً،وانشقاق بعض الوجوه من بينهم، تفتح ابواب التشكيك بالتزام النظام العقائدي وبممانعته. عن طريق الإيحاء بان الإستراتيجية السورية تستغل دور الممثل الإقليمي لتوجه قومي حقيقي في مواجهة إسرائيل والعداء الأميركي ليست غاية في حد ذاتها وانما هي وسيلة تستجيب لرهانات داخلية خلافا لما يرفع من شعارات في الخطاب المتعلق بالسياسة الخارجية السورية. ويتدعم هذا الايحاء بمعلومات صادرة عن مصادر مطلعة ومسؤولين سابقين يمكنهم تقديم الامثلة الداعمة عبر معايشتهم لبعض المفاصل التي دفعت بالنظام لاستخدام آلياته الدفاعية للبقاء في وجه العواصف الاقليمية. حيث من الطبيعي ان يطرحها المعارضون في سياق يشكك بالاستراتيجية المعلنة للنظام.

كما ان متابعة السياسة السورية في عهد بشار الاسد تدعم التحليلات القائلة بأن هدف استعادة الجولان يبقى حيويا ومصيريا في الخطاب فقط في حين أن المصالح الاقتصادية هي المحرك الحقيقي لسياسة القضاء على العزلة السورية وضمان شركاء تجاريين يساعدون على دعم تحديث البلد الذي يواجه تحديات اجتماعية وجودية. ولسوريا كأي دولة في العالم تحديد أولوياتها الاستراتيجية اضافة لموضوعية تقديم مواجهة التحديات التي تواجهها سوريا في ظل اختناقها الجيبوليتيكي على التورط في حرب مدمرة قد تتحول لمواجهة دولية.

الا ان طرح النقاش العلني حول الاولويات الاستراتيجية السورية يشكل تحدياً للنظام السوري الذي لم يعتد مثل هذا النقاش ايام الأسد الأب. وهو تحد يستهدف منه المعارضون اظهار ذبول النظام بعد رحيل حافظ الاسد. وكلها ممارسات تضع النظام امام العودة الى الوراء وتعزيز القبضة الحديدية للنظام. ولقد اضطر الأسد الابن لسلوك هذا الخيار ،رغم عدم انسجامه مع رؤيته التحديثية، تحت ضغط المآزق المفخخة عمداً لتهديد النظام. ليبقى خيار تطوير النظام وتحديثه الخيار الواقعي الوحيد امام هذا النظام.

لا بد للمتابع المنصف ان يسجل الملاحظات حول نوايا بشار الاسد الاصلاحية كما حول الاصلاحات الفعلية التي ادخلها خلال حكمه على مدى العقد الماضي. ومنها ملاحظة تحرير الاقتصاد الذي أراده بشار وانجز مراحل منه وبخاصة على الصعيد المصرفي والشركاء التجاريين وكذلك خصخصة بعض القطاعات. اضافة لملاحظة الانفتاح على الحداثة التكنولوجية كخطوة على طريق التنمية المستحيلة وسط الانواء التي تعرضت لها المنطقة منذ تولي بشار الاسد الحكم ولغاية اليوم. حيث واجهت الرئيس الجديد الأنواء التالية: الانسحاب الاسرائيلي من لبنان العام 2000 والذي طرح اشكالية انسحاب الجيش السوري من لبنان التي اعتبرها الرئيس شيراك كافية لاسقاط النظام بصورة آلية. وكان قد سبقها في العام نفسه تمرد منسوج مخابراتياً في محافظة درعا السورية. ثم جاءت اجواء الاستعداد لاحتلال العراق حين تفرد الاسد من بين الزعماء في القمة العربية بمصر العام 2002 باعلان انحيازه للشعب العراقي. ويومها اكتفى الاسد بالاعلان دون طرحه على بيان القمة لادراكه انه لن يلقى أي دعم لهذا الطرح. ومع انجاز الاحتلال الاميركي للعراق العام 2003 إبتعدت الاولوية الاستراتيجية السورية عن الاصلاح تحت ضغط التهديدات الاميركية باحتلال دمشق بعد بغداد. ثم جاء مخاض اتهام سوريا باغتيال الحريري 2005 والتراجع عنه 2008 وبينهما حرب تموز الاسرائيلية على لبنان مع تهديد بحرب ضد سوريا وما تلا تلك الحرب من قرارات دولية وتدخلات عربية واجنبية. دون تجاهل الاعتداءات الاسرائيلية على سوريا من قصف عين الصاحب لغاية قصف ابو كير على انه مفاعل نووي يما بما فتح اميركياً ما سمي بالملف النووي السوري كورقة ضغط اضافية بيد واشنطن. كما لم تقصر امريكا في انتهاكاتها للاراضي السورية بجملة عمليات انطلقت من الاراضي العراقية. وهذه الجولات العدوانية التي حشدت كل القدرات الاميركية وقدرات اصدقاء واشنطن الاقليميين ضد سوريا بما لا يدع مجالاً للتشكيك بعقائدية الممانعة السورية بعد كل هذه الاستهدافات. اذ كيف يمكن للعداء الاميركي لسوريا ان يتبدى بأكثر من هذا القدر من العدوانية المبرمجة والمتسلسلة بعد تأكيد الاختناق السوري بالجيران الاعداء.

في هذا الوضع برزت إشكالية ضمان موقع الممانعة السورية كحاضنة رئيسية للممانعة العربية ومكانة سوريا في الساحة الإقليمية في صدر الاولويات السورية. ولكن من منطلق دفاعي مختلف عن التوجه الإستراتيجي المبدئي الذي فرضه الرئيس الأب في سياق مختلف قام على مواجهة إسرائيل وهدف استعادة الجولان ومسح أثار هزيمة 1967. ورغم جهود الرئيس الابن للعمل على ضمان الدور الإستراتيجي التقليدي مع الحفاظ قدر الإمكان على نظامه الذي أصبح أضعف داخليا وخارجيا أكثر من أي وقت مضى في ظل الضغوط الأميركية المستمرة على اكثر من صعيد والمستعينة بكل أصدقاء امريكا العرب.

ورغم تراجعه في العراق ولبنان، استطاع النظام السوري أن يلعب على تناقضات أعدائه في هذين البلدين والاستمرار في التأثير من خلال تأسيس جبهة رفض وتصد جديدة في مواجهة الأمر الأميركي الواقع بالتحالف مع إيران والتقرب من تركيا ومن دول آسيوية وخليجية مثل قطر، ومكنت هذه التحالفات الجديدة النظام السوري من إعادة تشكيل إستراتيجي على الصعيد الإقليمي من منطلق التوجه القومي التقليدي وتعويض خسارة لبنان وتدهور علاقاته مع المملكة العربية السعودية ومصر. وهنا جاء الضغط الاميركي المتزامن مع انتشار التحركات الاجتماعية العربية لقطع الطريق امام تحالفات سوريا مع تركيا وقطر لاحكام الخناق الجيوبوليتيكي عليها عشية اطلاق التحرك الاجتماعي السوري. وهي ظروف تدفع للتشكيك بهذا التحرك وبكونه مبرمجاً على ايقاعات الضغوط الاميركية على سوريا.

مسـتقبل النظام السـوري

تتعرض استمرارية النظام السوري لامتحانات عسيرة خرجت منها سوريا لغاية اليوم محافظة على موقعها الاستراتيجي كدولة مؤثرة من الدرجة الاولى في المنطقة وكلاعب اقليمي غير قابل للتجاهل. لكن سوريا خرجت من هذه المواجهات بجروج وندوب أخطرها تلك المرتبطة بثغرات مزمنة تحولت الى الانتان بسبب تأخر سيرورات الاصلاح والمصالحة. وابتداء من شهر مارس 2011 وهو توقيت انطلاق التحرك الشعبي السوري باتت نقاط الضعف السورية مكشوفة وعرضة للتشهير الاعلامي الذي يضاعف احتمالات التهابها في خطوة قصدية لتسريع سيرورة استهداف النظام واستغلال الفرص لاسقاطه. وأهم تلك النقاط:

الاستقرار الداخلي السوري: رغم تبريرات مواجهة الضغوط الاميركية وعدوانيتها فان تأخر بوادر التغيير الديمقراطي الموعود اضافة الى استمرارية الفساد واستنزاف الموارد كافية لإيقاظ كافة أشكال المطالب الجاهزة للجمهور في ظل خلافات قديمة طالت كل أصحاب الهويات السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية والقبلية والمذهبية الأخرى. وهي خلافات طبيعية في تاريخ الدول لكن تأخر المصالحات يحولها للازمان والانتان. مثال ذلك مصادرة عقارات لصالح الدولة بمناسبة التمرد الاخواني 1982 وتأخر اعادتها لاصحابها حتى 2011 بمناسبة الاحتجاجات. وهكذا فان التدخل الخارجي في الداخل السوري يستغل هذه الخلافات بعد دراسة معمقة لكنه لا يبتدعها او يصنعها لعجزه عن ذلك. وفي ظل هذه الظروف يبدو المستقبل السوري غير مبشر في بلد يمثل الشباب فيه نصف السكان ويقاوم فيه المنتفعون من السلطة محاولات التغيير والتحديث والمصالحة. في المقابل فان الاحتجاجات السورية ليست بمستوى تهديد استمرارية النظام بالنظر لاهمية الدور الإقليمي والإستراتيجية القومية في علاقتهما “بالعدو” الإسرائيلي الكافيين لتجاوز تهديد الاحتجاجات والتحكم بها. الا ان سهولة اختراق هذه الفئات المحتجة استناداً لخلافاتها المزمنة مع النظام تشكل عنصر تهديد للاستقرار الداخلي لم يعد من الجائز تجاهلها. بما يفرض تسريع المصالحات الداخلية بعد عودة الاستقرار.

الإختناق الجغرافي السياسي: مع انطلاقة الاحتجاجات السورية جاءت المواقف التركية إنقلابية تجاه سوريا. وذلك بعد اجتياح الاستثمارات التركية المجزية للاسواق السورية لغاية تشكيلها خطراً على توازن الاستثمارات الاجنبية في سوريا. وهو انقلاب احتاج لجرعة كبيرة من وقاحة البراغماتية التركية. أما انقلاب قطر وقناتها الاعلامية على سوريا فقد جاء بدوره ليكمل الحصار الاعلامي على سوريا. وفيما يفسر البعض التغييرات القطرية بمألوف بعض السياسات العربية (التي تنتهز الفرص لاعلان مواقفها الضمنية) يميل البعض الآخر لرد موقف قطر الى تعرض نظامها لانقلاب سعودي غير معلن اشترط استمرارية أميرها في الحكم بشروط التعاون مع السياسات السعودية وخدمتها.

ومع انضمام تركيا الى معادي النظام السوري اكتملت حلقة خنق هذا النظام عبر استكمال عداوة كافة الدول المجاورة لسوريا. مع دعم معادي سوريا في لبنان باصدار قرار المحكمة الدولية باغتيال الحريري في 30 يونيو 2011. وحالة الاختناق هذه لا يمكنها التحول الى ستاتيكو يجعلها قابلة للاستمرار ما يجعل من الضروري بالنسبة لواشنطن استغلالها للخلاص من النظام السوري. وذلك تحت طائلة استعادة النظام لتوازنه وتحوله الى المواجهة من جديد ولكن بصورة اكثر ايذاء للمصالح الاميركية في المنطقة. بما يفسر المسعى الاميركي للحصول على تنازلات سورية قبل الخلاص السوري من حالة الاختناق.

الحصـار الاقتصادي: تتضاعف آثار الحصار الاقتصادي الاميركي المزمن لسوريا بسبب انتشار الفساد بصورة لا يمكن لاقتصاد دولة محدودة الموارد ومدفوعة للانفاق التسلحي مواجهته. من هنا تصدر الفوارق الاقتصادية بين فئات المجتمع السوري على آلية الحصار الخارجية. حيث تقلصت آمال الانفتاح الاقتصادي لدى بشار (تحت وطأة الضغط الاميركي متعدد الصعد) الى نظام “رأسمالية الأصدقاء” وضباط وإطارات احتكار القطاع الخاص وانتهازيي حزب البعث وأصحاب المصالح المالية والأعمال التجارية الضخمة والخرافية. وذلك مقابل الغالبية السورية التي تعاني من آثار إقتصاد محاصر بمتطلبات المواجهة العسكرية وضعف الموارد وحصار رأسمالي بقيادة اميركية لدولة لا تزال اشتراكية المنهج الاقتصادي. بحيث يهدد عامل الاقتصاد استمرارية النظام السياسي بتكريسه لانحرافات الفساد التي تضخم تهديدات الوفاق القائم حول سلطة ممانعة لم تستطع التخلص من تأثير العلاقات الشخصية والولاءات المذهبية والعائلية غير المستقرة وموازين القوة الظرفية القابلة للتحول الى التعسفية في بعض الحالات. وفي هذه الحالة يطرح النموذج الاشتراكي الصيني كمثال مرجعي للخلاص من هذه التناقضات المهددة.

إستمرارية النظام: تأكيد هذه الاستمرارية يتصدره غياب البدائل الصحية لهذا النظام. حيث نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام معروف لدى كافة الاوساط الشعبية السورية عبر عصابات الفساد الاقرب الى المافيات التي قادها اولاده قبل تحوله الى المعارضة عبر صفقة سعودية لايصاله الى حكم سوريا بعد وفاة الاسد الاب. وهي صفقة اعلنت منطلقاتها وبوشرت مراحلها الاولية قبل وفاة الاسد الاب. هذا بالاضافة لحساسية الشام الانثروبولوجية تجاه الحركات الدينية والرفض العضوي للحكم الديني. ومع استبعاد تطبيق النموذج المصري (مجلس عسكري وحكومة انتقالية ورقابة شعبية) لاسباب بنيوية في الحالة السورية يصبح استمرار النظام السوري بحكم المؤكد. الا ان مستقبل النظام يبقى مرتبطاً بتنفيذ مصالحات وتصحيحات للخلافات المزمنة كمدخل لاصلاحات بمشاركة كافة الفئات السورية بما يتيح لها تفهم واستيعاب الاولويات. وبخاصة منها تلك المتعلقة بضرورات تواطوء النظام مع بعض رجال الاعمال كخط دفاع ثان للاقتصاد السوري. حيث الغسيل الوسخ لا ينشر امام العالم لكنه يناقش مع المعارضات الوطنية المهتمة بخطوط الدفاع عن امن البلد الاقتصادي كاحد عناصر دعم ممانعته.

هذا وتؤكد مراجعة خطابات وتصريحات الرئيس بشار جهوزية مشاريع الاصلاح في ذهن الرئيس إذ أعلن في طيات مقابلاته وخطبه عن الخطوط العريضة لهذه المشاريع. ومنها تطرقه لمشروع تأسيس مجلس للشيوخ خلال خطاب له في جامعة دمشق. هذا بالاضافة لاشاراته المتكررة الى تصوراته لمكافحة الفساد. وهنا لا بد من استحضار اقدام بشار الاسد على خوض مواجهات عسكرية مع افراد من عائلته ومنها الهجوم على قصر – ميناء عمه رفعت الاسد على شاطيء اللاذقية.

لجنة البحوث الاستراتيجية

المركز العربي للدراسات المستقبلية

2 تعليقات

  1. أبو حيان

    أبارك جهودكم في هذا الموقع المتميز. إن نوع المرض يحدد نوع العلاج، فالمشكلة الاقتصادية تحتاج لعلاج اقتصادي، والمشكلة التربوية تتطلب حلاً تربويا… وهكذا. أن ما تتعرض له منطقتنا هو هجمة متعددة الرؤوس، والفكر الجاهلي الرجعي المتخلف هو أحد تلك الرؤوس، والعلاج المطلوب لقطع هذا الرأس هو الفكر البديل ممثلاً بالفكر العربي التقدمي التنويري الذي يعتبر الحاضر استمراراً للماضي وليس الماضي بديلاً للحاضر. إن هذا الدور النبيل الذي يمسح ما عشش في رؤوس البعض من أفكار هدامة تحاكي أفكار أولئك الإرهابيين الوافدين من شتى بقاع الأرض . هذا الدور المسؤول في طرح الأفكار البديلة لتلك المعتقدات البربرية الدموية التخريبية الإرهابية الوهابية .. هو ما تتصدون إليه بشرف وأمانة . أحييكم أجمل تحية ودمتم مثالاً وقدوة لبقية المواقع.

  2. يا رب تحمي سورية:)…..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*