مرّ قطوع باب التبانة ــ جبل محسن الأخير بأقل قدر ممكن من الخسائر، وسط أجواء تتوجه فيها وتيرة الشحن المذهبي والسياسي تصاعدياً، ما لا يدعو إلى تفاؤل كبير حيال ما ستحمله الأيام المقبلة من تطورات
أسئلة كثيرة طرحت في طرابلس في الساعات الأخيرة لم تلق إجابات كافية، تتعلق بمحاولة استكشاف أبعاد الاشتباك الأمني الأخير الذي دام قرابة 24 ساعة، وأدى إلى سقوط 3 قتلى و32 جريحاً، من غير أن يحقق أهدافه المعلنة، ولا أن يجري نزع فتيل انفجار الأزمة.
أجواء الاحتقان السياسي والمذهبي التي كانت تسود طرابلس أخيراً، وتحديداً منذ تطور الأحداث في مدينة حمص السورية، رفعت منسوب التوتر في الشارع على نحو كبير، مترافقة مع حملة شحن وتحريض لافتة، ما جعل كثيرين يبدون تخوفهم وقلقهم في آن معاً من مغبة انفلات الوضع أمنياً.
تباري الطرفين أخيراً في «تهييج» الطرف المقابل مذهبياً كان سمة بارزة في منطقتي باب التبانة وجبل محسن. «فوق» استقبلوا قبل أيام وفداً شبابياً سورياً مؤيّداً للنظام أقاموا له استقبالاً حاشداً، أثار غيظ الطرف المقابل. أما «تحت»، فدفعت أحداث حمص بعض خطباء المساجد إلى القول يوم الجمعة الماضي، على بعد أمتار قليلة من «فوق»، إن «إخوانكم في حمص يذبحون على أيدي العلويين، فماذا أنتم فاعلون؟!».
وفي باب التبانة، أغلب كوادر المنطقة يتّهمون «النظام السوري وأدواته بنقل المعركة إلى عندنا، لتحويل الأنظار عمّا يرتكبه بحق شعبه، وكي يقول إنه قادر على تفجير المنطقة إذا جرى إسقاطه».
ميدانياً، المجموعات المسلحة انتشرت بكثافة في أحياء المنطقتين وعلى خطوط التماس بينهما.
ومع بدء سريان الهدنة، تراجع إطلاق النار وانسحب المسلحون من الشوارع، مقابل انتشار واسع للجيش اللبناني الذي استقدم تعزيزات من فوج المغاوير ومن مغاوير البحر، ما أسهم أمس في عودة الحياة تدريجاً إلى المنطقتين، لم يعكّرها سوى إطلاق نار كثيف في الهواء خلال تشييع جثمان وليد بطحيش، أحد الضحايا الذين سقطوا في المعارك.
لكن الاشتباكات التي دارت برزت فيها إشارات عدة كانت لافتة للانتباه. ففي مقابل اتهام أطراف في تيار المستقبل بأن «رفعت عيد قادر على إنزال 500 مسلح مدجّجين إلى الشارع، وأنه الطرف الأكثر تسليحاً في المدينة، ويجب نزع سلاحه»، تحدّث سياسيّون وأمنيون طرابلسيون عن «الجيل الجديد من السلفيين» الذي قاتل في التبانة. على هذا النحو فُسّر وجود أعداد من المجموعات السلفية المسلحة في باب التبانة والقبة خلال الاشتباكات، لم تكن موجودة بهذا الشكل في السابق.
غير أن المعلومات المتوافرة لدى جهات مطّلعة على تحرك «السلفيين الجدد»، أوضحت أن «معركتهم لن تدوم طويلاً، لأن الغطاء السياسي لما اعتزموا القيام به لم يكن متوافراً، ولأن السلاح والذخيرة التي كانت في حوزتهم، رغم حداثتها وتطورها النوعي، ليست كافية لمعركة طويلة الأمد. فالمدد الذي كانوا ينتظرونه من أطراف أخرى لم يأتهم، بل إن الدعم اقتصر على عناصر غير منضبطة لا يمكن التعويل عليها كثيراً».
في هذا الوقت، شدّ انفجار مخزن الأسلحة في محلة أبي سمراء، مساء الجمعة، الأنظار وحوّلها عمّا يجري في باب التبانة وجبل محسن، بعد سقوط قتيل و3 جرحى فيه، وتبادل اتهامات القوى المتصارعة عن ملكيتها له، إذ اتهم رفعت عيد تيار المستقبل بـ«ملكيته للمخزن، أو وجوده بتغطية منه»، بينما نفى مصطفى علوش «نفياً قاطعاً علاقة تيارنا بأيِّ نشاط مسلح، وكل ما يتعلق بتخزين أو نقل السلاح».
غير أن مصدراً مسؤولاً في تيار المستقبل كشف لـ«الأخبار»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، أن المخزن «كان يستخدم لنقل الأسلحة إلى سوريا، وأن عدة شحنات نقلت منه في الآونة الأخيرة، كان عناصر تابعون لمن كان يسمّى «أفواج طرابلس» التابعة لتيار المستقبل هم من يعملون على نقلها منه».
ومع أن شائعات كثيرة انتشرت في طرابلس أمس تفيد بأن «المخزن قد استأجره أحد نواب تيار المستقبل لهذا الغرض»، رجّح المصدر المسؤول في التيار أن يكون انفجار المخزن «ناتج من خلاف على صفقة سلاح كانت تحصل حينذاك»، وتساءل: «كيف يمكن تفسير وجود عناصر من المعارضة السورية والأفواج وجبهة العمل الإسلامي في المكان معاً، لو لم يكن هناك صفقة من هذا النوع؟».
تأكيد هذه الرواية التي قصّها لـ«الأخبار» أكثر من شاهد عيان، لم تجد من يؤكدها، إذ نفى تيار المستقبل وجبهة العمل الإسلامي ما أشيع عن الموضوع، في الوقت الذي ضرب فيه الجيش اللبناني طوقاً حول المخزن، المكوّن من 3 غرف تقع ضمن إسطبل لتربية الخيول، ولم يصدر عنه أي بيان توضيحي.






